الرئيسية / مقالات / الآخر الذي أعرفه..!

الآخر الذي أعرفه..!

= 128

بقلم: د.علا المفتي

مدرس بكلية البنات، جامعة عين شمس
أذكر تلك الطفلة ، التي قابلتني بعد غيابي لفترة طويلة ،بسبب المرض ، فاتحة ذراعيها لتحتضتني باسمة مرحبة ، داعية لي بالصحة والسلامة. ومنحتني قطعة من حلواها المفضلة. كما أذكر ذلك الشاب الطيب ، الذي ساعدني في حمل حقائبي أثناء سفري ، فكان خير رفيق للرحلة. ثم أصبح ابنا بارا ، يرسل لي بتهانيه الحلوة كل عيد.

كذلك أذكر هذا البائع المهذب ،الذي يطرق بابي كل يوم ، ليسألني عن احتياجاتي ، عندما رأى أمي رحمها الله ذات يوم ، أثناء عودتها مع أبي من المشفى ، فترك عمله وجعلها تستند على ذراعه ، حتى أوصلها إلى باب المنزل قائلا: حمد لله ع السلامة يا أمي.

أذكر أيضا جارتي العجوز ، التي بكت أمي حين فارقت الحياة ، كما لم أبكيها أنا. تلك الجارة التي تدللني ، وتهديني حنان الأمومة دون أن أطلب. وذاك الجار الذي أئتمن والدي ، على أمواله ومصالحه ، دونما أن يفكر أننا نختلف عنه. وأذكر غيرهم الكثير والكثير. كل هؤلاء يجمعهم عامل مشترك واحد هو الإنسانية.

كل هؤلاء على اختلاف أعمارهم ،وخلفياتهم الثقافية والاجتماعية ، تعاملوا معي ومع أسرتي من منطلق أن الناس أمة واحدة ، حيث يقول الله تعالى في كتابه الحكيم: ” كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ” (البقرة ،(213 .لكنهم رغم ذلك مختلفون عني ، في العقيدة ، ولم يمنعهم اختلافهم هذا أن يروني مثلهم إنسان ، لي حقوق عليهم ، وعلي واجبات نحوهم.

فالاختلاف سنة من سنن الله في خلقه. فقد قال تعالى:”وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ”( الروم:22) كما قال الله جل وعلا في قرآنه المجيد: “يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.” (الحجرات:13)

أما أنا فلم أراهم يوما مختلفون ، ولم أسأل يوما أو أهتم بأن أعرف ، إلي أي عقيدة ينتمون. كل ما يعنيني هو أسلوب تعاملهم معي ، فإنما الدين المعاملة. فإنا لله لم يخلقنا مختلفين ، لنصبح أعداء متناحرين ، بل إن حكمته في الاختلاف هو ثراء الحياة وتنوعها. فلماذا أكره ذاك الآخر أو أنبذه ، لمجرد أنه يختلف معي في الشكل ، أو العقيدة ، أو الفكر أو العرق ، أو في الطبقة الاجتماعية ، أو غيرها من الاختلافات.

إن الآخر الذي أعرفه ، يتقاسم معي الحياة بخيرها وشرها. يعاونني وأعاونه. أنا وهو نؤمن أننا من أصل واحد ، ومصيرنا مشترك. إن الآخر الذي أعرفه ، عاملني بتحضر ورقي وإنسانية ، فكيف لي أن أكرهه أو أحمل تجاهه أي مشاعر عدائية؟! وحقا إني لأرثى لحال هؤلاء ، ممن ينبذون كل مختلف وينصبون أنفسهم آله ، يحكمون على هذا بالجنة ، وعلى ذلك بالنار ، ويقتلون ويهتكون ويدمرون ، ويشعلوا نار الفتن ، مرتدين عباءة الطهر والعفاف والتدين. إنهم شياطين البشر. يسيرون كالأنعام بعد أن باعوا عقولهم ، وارتضوا أن يصبحوا آلات للقتل والتدمير.

شاهد أيضاً

من أجل مستقبل أفضل للمعلومات على النطاقين العربي والعالمي

عدد المشاهدات = 663— كتبت – نسرين مصطفى برعاية وزيرة الثقافة د. ايناس عبد الدايم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: