الرئيسية / المرأة والطفل / أخبار المرأة / فلنقتل “أبا العريف”..!

فلنقتل “أبا العريف”..!

= 470


بقلم: د. علا المفتي *

“أبو العريف” .. هو ذاك الشخص ،الذي ينظر إليك بجدية ،راسما على صفحة وجهه علامات التفكير العميق ،الذي يلازمه برهة من الصمت والهدوء ،ثم يليه تطلع بالنظر هنا وهناك ،كي يلتقط من خياله الخصب .إجابة ألفها عقله ،الفارغ من المعرفة والحكمة والثقافة. ليشبع بها عطش تساؤلك ،الذي طرحته عليه ،ومنعه غروره وجهله ،أن يجيبك قائلا لك: لا أعلم.

تذكرت تلك الشخصية “أبا العريف” ،التي طالما تثير في نفسي الإحساس بالشفقة والاحتقار معا في ذات الوقت ،عندما سألتني إحدى الإعلاميات الفضليات ،في حديث كانت تجريه معي للاذاعة ،قائلة: إن أطفال هذا الجيل ،أصبحوا يعرفون أكثر من أبائهم. وإن أبناءنا قد يطرحون علينا ،أسئلة لا نعرف إجاباتها. مسببين لنا الإحراج البالغ. فماذا نفعل؟!

حقا إن أطفال هذا الزمن ،يسبقون أباءهم معرفيا. لأنهم نشأوا في عصر الانفجار المعلوماتي. فتنهمر عليهم المعرفة ،كل لحظة ،من كل حد وصوب ،بكثافة وسيولة ،وسرعة كبيرة. وذلك لأن نوافذ المعرفة حولهم ،أصبحت كثيرة ومتنوعة ،ومتغيرة وجذابة أيضا. وإن لم نواكب هذا التطور ،فسيفصلنا عن أبنائنا جبل من الجهل والتأخر.

ولأن كثير من الأباء والأمهات ،يأبوا أن يقولوا لأطفالهم إن فاجأوهم بأسئلتهم: “لا أعلم”. فهم يلجأون في ذلك الحين ،لتقمص شخصية “أبا العريف”. فيخترعون إجابة من بنات أفكارهم ،ليس لها أساس من الصحة ،لتشفي غليل علامات الاستفاهم الحائرة ،في عقول صغارهم. وتنقذهم من الإحساس بالجهل والعجز ،أمام أطفالهم الذين يرونهم قد أمتلكوا كل مصادر المعرفة.

ولا يدرك الآباء ذلك الجرم ،الذي يرتكبونه في حق أنفسهم ،وفي حق أطفالهم. ذلك لأنهم أوهموا أطفالهم ،بأنهم يمتلكون كل الإجابات ،على كل الأسئلة ،وكأنهم كائنات خارقة سحرية. ويرسلون لأطفالهم رسالة مفادها ،أن الأباء والأمهات يعلمون كل شيء عن أي شيء. وهذا يتنافى مع طبيعة خلق الإنسان ،التي تقوم على جهله ،الذي يدفعه للتعلم ،والمعرفة. وإلا لما خلق الله فينا ،الرغبة في الاكتشاف ،وحب الاستطلاع؟!

وقد تحدث الطامة الكبرى ،عندما يكتشف الطفل ،أن إجابة والديه خاطئة. فهنا يدرك أنهما كاذبان. أو أنهما جاهلان ،ويخجلا من جهلهما أمامه. والمصيبة الأكبر أن الطفل ،قد يمتلك إجابات أكثر صحة من والديه. فيدخل معهما في منافسة معرفية ،تنتهي بتعنيفه وعقابه ،مما يسبب له الإحباط.

إذن ماذا علينا أن نفعله ،عندما يوجه لنا أبناءنا تساؤلا لا نعرف له إجابة؟!

ببساطة ،علينا أن نقول لهم: إننا لا نعلم الإجابة ،وأننا سنبحث عنها. وعلى أبنائنا أيضا ،أن يبحثوا معنا عن إجابات لتساؤلاتهم. فإن ذلك يخلق جوا من التشيجع ،على البحث والمعرفة في نطاق الأسرة. كما يبث في نفوس الأبناء ،الثقة في ذواتهم ،وفي الوالدين. كما يشيع بينهم حب المعرفة ،والمنافسة في البحث عنها. بل ويبعث في نفوس الأبناء الرضا. لأن الوالدين يشاركونهم اهاماماتهم ،ويسعون لإيجاد إجابات عن تساؤلاتهم.

هكذا تنمو عقول الأطفال ،في جو معرفي وثقافي صحي ،باعث على التفكير السليم وحب الاستطلاع العلمي.

ولقد قال علي رضي الله عنه: ولا يستحي من يعلم إذا سئل عما لا يعلم ،أن يقول الله أعلم. وقال مالك: من فقه العالم ،أن يقول لا أعلم. وقال الشعبي: لا أدري ،نصف العلم.

لذا فقد حان الوقت ،وآن الأوان ،لنقتل في أنفسنا شخصية “أبا العريف” ،البغيضة المغرورة الجاهلة. ولنعترف بقدراتنا الحقيقية ،ونعمل على تنميتها لننفع أنفسنا وأطفالنا. فمن قال: لا أعلم فقد أفتى.

———

* مدرس أدب وثقافة الطفل بكلية البنات – جامعة عين شمس

شاهد أيضاً

المرأة والتنمية في فكر إبن رشد بين النهضة والتقدم

عدد المشاهدات = 185— المغرب – آماد تحت شعار “الفكر التنويري مدخل أساسي لمناهضة العنف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: