الرئيسية / الثقافة والفنون / ثقافة وأدب / الصرخة الساكنة في “عذراء الليل”!

الصرخة الساكنة في “عذراء الليل”!

= 467

بقلم: فادي المواج الخضير *

 

“عذراء الليل” قصص قصيرة وومضات سلطت من خلالها الأديبة المصرية الدكتورة نهلة جمال ضوءا ساطعا على الجدران الباردة والأسرّة الفارغة الظمأى للدفء والأرواح الخاوية، التي تزاول كلها مهمة الانتظار وحراسة الصبر والآمال الكسيرة والأحلام الخرساء، في انتظار حضور مكتمل للآخر المكمّل.

قدرُ شخوص المجموعة أن تظل أرواحهم تعاني العزلة والبرود في مجتمع ما زال يفهم الزوجية سريرا ويرى الزوجة خادمة أو جارية، وهي صورة استطاعت الأديبة أن تكشف عنها من خلال بنية سردية تغري بالقراءة وتجعل من البيت سجنا كبيرا. المجموعة تنتصر للروح والاهتمام من خلال تعريتها الرغبات الشهوانية تارة والسادية طورا، والاكتفاء بالدرجة الدنيا من هرم ماسلو للحاجات والتي تتمثل في حاجة الطعام للبقاء – فقط – على قيد حياة برسم الموت.

وهل من موت أشد من موت الإحساس وبرود المشاعر في وقت ينتظر فيه – على الضفة الأخرى من معادلة الزوجية والحب – طرف يلتهب شوقا وحبا واحتياجا لروح حاضرة روحا أكثر منها جسدا، حاضرة حضورا يشعر بالكينونة والوجود والتفاعل ويمنح الأنوثة أو الرجولة قيمتها.

اتكأت المجموعة على تقنيات فنية تنوعت بين المونولوج والديالوج والسرد والوصف، فعرّى المونولوج الحاجات العليا الروحية والمشاعرية بينما تولى الديالوج تعرية الرغبات الأولية المادية التي سيطرت على شخوص تستهدف المجموعة القصصية أرواحهم لتستحثها على الحياة.

واتكأت الدكتورة على التناص معتمدة على المفارقات والنهايات التي تكسر أفق التوقع، في وقت اعتنى فيه الوصف باستكمال رسم صورة الشخوص وحياتهم، واعتنى فيه السرد باستنهاض البنية الحكائية من خلال لغة ملامسة وقريبة من الروح لو توفرت لها في بعض مواضعها أسباب المراجعة اللغوية التي تجعل من الخطاب اللغوي في مستوى السلامة اللغوية موازيا له في مستوى الشاعرية والجمالية ومواكبا لما وظفته الاديبة من عناصر التكثيف والايحاء والاقتصاد اللغوي المنفتح على المعنى المتعالق مع العنوان ..

تعالقا يكاد يكون عضويا يكشف عن صدق الاديبة وعن عمقها الذي اتضح منذ ذكاء العنوان مرورا بالإهداء الذي وجهته إلى كل من أتقن معادلة الحياة، ومرورا بالقصة الأولى “بداية الطريق” وانتهاء بالومضة الأخيرة “عطر” حيث ” تزدحم الحياة بالنظرات الدامعة وتختلط أصوات الزحام بأنينها المكتوم”.

عذراء الليل..استنطاق للأنوثة المهدورة على قارعة الصمت والبرود والتهميش، مع سبق ترصد يمارسه شخوص تأسرهم ماديات الحياة في زنزانتها، استطاعت من خلالها الأديبة أن ترصد ملامح حياة على ذمة الموت، وصراخ أبكم على ضفاف الأسرّة وخلف الجدران الصامتة، التي تجعل من الأنثى عذراء الليل.

——————

* روائي أردني.

شاهد أيضاً

اليوم العالمي للغة العربية: مكانة اللغة بين الإعلان العالمي ونظرة الآخر

عدد المشاهدات = 691— تقرير – نورة البدوي يحتفي العالم اليوم باليوم العالمي للغة العربية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: