الرئيسية / مجتمع / تواصل / من أجل أطفالنا..فلنحطم أصنامنا الفكرية!

من أجل أطفالنا..فلنحطم أصنامنا الفكرية!

= 192


بقلم: د. علا المفتي *

في الأونة الأخيرة ،تزايدت شكاوى الآباء والأمهات من أبنائهم. فهم يرون أن أولادهم أصبحوا متمردون باستمرار. وأن طبيعة حياتهم اليومية أضحت شاذة عن المألوف. وأن هناك صعوبة في التفاهم معهم. وبات الأب والأم والأبناء ،جزر منعزلة عن بعضها البعض.

ويلقي الآباء والأمهات باللوم على الأبناء ،مبرئين أنفسهم من أي خطأ. لكن إن نظروا للأمر ببعض الموضوعية ،فسيجدوا أن الأبناء ما هم إلا نتاج بيئتهم الأسرية أولا. وأن هناك الكثير من الأخطاء التربوية التي يمارسونها ،دونما أن يدركوا ذلك. وقد يرجع هذا إما لضحالة ثقافتهم التربوية ،أو لأنهم يعتمدون في تربيتهم ،على مبدأ الجاهلية “هذا ما وجدنا عليه أباءنا”.

فعلى كل من ارتضى لنفسه ،أن يكون أبا أو تكون أما ،أن يتحمل تبعات وأعباء ومسئولية الأبوة والأمومة. وليس مطلوبا منهم ،أن يربوا أبناءهم كما رباهم أباؤهم ،لأن العصر الذي كانوا هم فيه أطفالا يختلف كليا عن العصر الذي يعيشه أطفالهم. فهناك الكثير من المتغيرات الحياتية ،التي اختلفت باختلاف الزمن ،ويجب أن تتكيف معها الأسرة ،بما لا يخالف شرع الله وثقافة المجتمع.

لذا وجب على الآباء والأمهات ،إدراك تلك الأفكار الخاطئة التي تحكم تصرفاتهم وأساليب تربيتهم لأبنائهم. فدوما ما ينبهنا علماء النفس والتنمية البشرية ،أن نراقب أفكارنا لأنها ستصبح أفعالا. وتلك الأفعال هي ما تتحكم في حاضرنا ،وتؤثر على مستقبلنا.

لذا فقد وجدت أنه من المهم جدا الدعوة لتغيير الفكر السائد ،من أجل بناء غد أفضل للمجتمع .. ولكي نبني مجتمعا أفضل ،فعلينا تشخيص أمراض المجتمع ونواقصه ،في الحاضر و التي كثير منها هو نتاج أفكار بالية متوارثة. حيث أن بداية أي تغيير يبدأ بتغيير الأفكار. وتعديل البناء الفكري والمعرفي لدى الوالدين هو أول خطوة في بناء المستقبل المشرق الذي ننشده لمجتمعنا. والذي يتمثل في تنشئة جيل جديد من الأطفال من ذوي البنية الفكرية الإيجابية ،باعتبارهم حجر الأساس في بناء مستقبل المجتمع.

ومن تلك الأنماط الفكرية الخاطئة والمسيطرة على تربية الأبناء في مجتمعنا والتي يجب تعديلها ،ما يلي:

– “الطفل كيان مهمل لا يفهم ولا يشعر وعلينا بالشدة معه”.
كيف ذاك وقد أثبت العلم أن الطفل كائن حساس لماح فياض المشاعر؟!

– “معيار تقييم الأمور العيب وليس الحرام”.
من العجيب حقا أن نقيم سلوكنا وسلوك أطفالنا ،بمعايير العادات والتقاليد ،التي هي من صنع البشر. ونترك أوامر ونواهي الله ،التي وضعها لنا لتنظيم حياتنا بالشكل الصحيح.

– “تقديس رأي الناس (الناس هتقول عليك ايه)”.
وكأن الناس آلهة ،يجب خشيتهم وطلب مرضاتهم. وأنهم أكثر علما ومثالية منا.

– “أخطط حياتي كما يرغب الأخرون وليس كما أرغب أنا”.
وكيف ذاك وأنا من سيعيش حياتي هذه ،وليس الأخرون؟! فبأي حق يخططونها لي؟!

– “الوالدان كائنات منزهة عن الخطأ ،ولا تعتذر. وهما يعرفان كل شيء في الحياة (أبو العريف)”.
وكأن الوالدان من الملائكة ،لا يصيبهم أي نقص أو ضعف فهما فوق البشر.

– “كنا أفضل من أطفالنا ونحن في مثل أعمارهم”.
كيف نحكم على الأبناء بمعايير زمن لم يعيشوه قط؟! إن هذا لظلم بين لهم. ففي القول المأثور “ربوا أولادكم لزمان غير زمانكم”.

– “ولدي امتداد لي”.
عليك أن تعلم أن ولدك كائن مستقل عنك ،ومميز وله قدراته وأفكاره وآماله ،التي تختلف عن افكارك وطموحاتك ،وما يناسبك قد لا يناسبه. لذا فإنه يجب أن يرفع شعار (لن أعيش في جلباب أبي).

– “الآخر المختلف على خطأ وأنا على صواب”.
إن ذلك منافي لسنة الله في خلقه ،القائمة على الاختلاف والتنوع. وإن كل منا يكمل الأخر. وهذا ما يعطي الحياة ثراءها. حيث إننا لم نخلق نسخا متطابقة. وليس هناك من هو على صواب باستمرار ،أو على خطأ باستمرار.

– “الولد أفضل من البنت” (المجتمع الذكوري).
كل ميسر لما خلق له. ولا فضل ﻷحد عن أخر إلا بعمله. فليس هناك بين البشر مخلوقات من الدرجة الثانية.

– “الرجل لا يبكي والتعبير عن المشاعر ضعف”.
كيف وقد بكى رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام؟! فالتعبير عن المشاعر من صفات الإنسانية. وكبت المشاعر يتنافى مع طبيعة خلق النفس البشرية ،كما أنه يؤدي إلى أضرار جسدية وتشوهات نفسية.

– “فلان أفضل منك. أو يجب أن تكون أفضل من فلان”.
إن فلان هذا ليس أنا ،وليس له نفس ظروفي وميزاتي وقدراتي. لذا فمن الحمق المقارنة بالآخرين. وعلماء النفس ينصحون ،بأن يقارن الفرد نفسه بنفسه ،ولا يقارن نفسه بالآخرين ،كي لا يعيش محبطا.

إن ماىسبق ذكره جزء ضئيل ،من الأصنام الفكرية ،التي لازالت تحتل مساحات شاسعة من عقولنا. وتؤثر بشكل مباشر ،وغير مباشر في بناء ثقافة مجتمعنا ،وقد حان الوقت لكي نهدمها.

——————

* مدرس أدب وثقافة الطفل – كلية البنات جامعة عين شمس.

شاهد أيضاً

المرأة والتنمية في فكر إبن رشد بين النهضة والتقدم

عدد المشاهدات = 219— المغرب – آماد تحت شعار “الفكر التنويري مدخل أساسي لمناهضة العنف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: