الرئيسية / مقالات الرأي / مرفت العريمي تكتب: الأزمات الاقتصادية تخلق فرص التوظيف

مرفت العريمي تكتب: الأزمات الاقتصادية تخلق فرص التوظيف

= 760

 

يقال إن الأزمات تخلق الفرص؛ بل أحيانا تُخلق الأزمات لتظهر الفرص، وأحيانا أخرى تظهر الفرص عند الأزمات، أيّا كان نوع الأزمة، فالفرص تكون مختبئة في انتظار من يكتشفها، والحاجة تدفعنا إلى التفكير، والبحث عن حلول لتجاوز الأزمة، لذلك تتّجه معظم المجتمعات إلى الدراسات المستقبلية كي تضع سيناريوهات مستقبلية مبنية على معطيات حالية، وقد خرج تقرير لمنظمة العمل الدولية عام 2015 بعنوان “اتجاهات التوظيف العالمية، والتوقعات الاجتماعية” بأن دول العالم النامي والناشئ على وجه الخصوص ستعاني من أزمة الباحثين عن العمل خلال السنوات الخمس القادمة من نشر التقرير، بالأخص في الدول التي ترتفع فيها نسبة الشباب بها، وذلك نتيجة لبطء النمو الاقتصاد، والتطور التكنولوجي، والاضطرابات الأمنية، والحروب، فقد سبق، وأن تناولت الموضوع في مقال لي في العام نفسه.

إن ارتفاع نسبة الشباب في سن العمل من إجمالي التركيبة السكانية في المنطقة العربية، والخليجية على وجه الخصوص تجعلها ترزح تحت ضغوط تلبية الحاجة الملحة لتوفير وظائف لهذه الفئة المهمة أكثر من غيرها من الفئات، كما إن البطء في نمو الاقتصاد العالمي أثّر وبشكل مباشر على قدرة الدول على توفير فرص العمل في المجتمعات التي يعتمد اقتصادها على النفط فقط.

ويقاس نجاح الخطط، والسياسات الاقتصادية بقدرتها على خلق فرص العمل لمواطنيها على الدوام، فرص عمل تحقق قيمة مضافة، وإنتاجية تدفع بعجلة الاقتصاد. لذلك نجد أن مسألة فرص العمل من القضايا الحيوية التي تؤرق المجتمعات، وصانعي القرار، لأن عجز السياسات الاقتصادية عن توفير فرص العمل بشكل دائم قد تتسبب في مشكلات اجتماعية، وأمنية معقدة.

ولا تعتمد الدول على الوظائف التي تقدّم من القطاع العام لتحقيق النمو الاقتصادي لعدة أسباب من أهمها: أن القطاع العام لا يمكن أن يستوعب كافة التخصصات، وكافة المخرجات التعليمية، وأن التوظيف الذي يهدف إلى معالجة مشكلة الباحثين عن العمل دون الحاجة الفعلية لتلك الكوادر يخلق أزمة البطالة المقنعة، وترهلا إداريا يؤدي إلى بطء في إجراءات العمل الإداري نظرا لطول سلسلة الإجراءات التي تؤدي بدورها إلى تأخر في إنجاز العمل بدلا عن تبسيطها، والذي ينعكس سلبا على أداء القطاع الخاص.

كما إن توسع التوظيف في القطاع العام قد يستنزف موارد الدولة بسبب زيادة الإنفاق على الأجور، والرواتب على حساب الخطط التنموية والتطويرية؛ لذلك تهتم الدول عندما تضع الخطط التنموية أن يكون القطاع الخاص فعالا، ويستثمر في مشروعات تخلق فرص عمل، كما تهتم بدعم قطاع ريادة الأعمال خصوصا في المجال الخدمي، والصناعي.

وفي قراءة لموضوع نشرته إحدى الصحف المحلية حول نسبة شغل العمالة الوطنية والوافدة في القطاعين العام والخاص وجدت أن الفرص الوظيفية متوفرة، وتنتظر خططا لا تتوقف عند التوطين الفوري للوظائف؛ بل دراسة أسباب عدم شغل المواطنين لتلك الفرص، وهل هي تعود إلى الأجور، والحوافز؟ أم إلى طبيعة الأعمال؟ أم إلى نقص المهارات المهنية، والعلمية اللازمة لشغل الوظيفة؟ أم إلى ثقافة العمل السائدة اتجاه وظائف بعينها؟

وإن استثنينا قطاع الأعمال المنزلية، والإنشاءات، فإن عدد الوافدين في القطاع الخاص يبلغ 979.132 أي ما يقارب المليون وظيفة يمكن دراسة إحلالها بعد تأهيل، وتدريب المواطنين لشغلها، وتعدّ أيضا فرصا لرواد الأعمال، والراغبين في التوجه للعمل الخاص.

وهي متوفرة في الأنشطة التالية: تجارة الجملة، والتجزئة، وإصلاح المركبات، والسلع الشخصية، والأسرية، والفنادق، والمطاعم، والنقل والتخزين، والاتصالات، والتعليم، والصحة، والعمل الاجتماعي، والصناعات التحويلية، والأنشطة العقارية، والتجارية، والإيجاري وفقا لكتاب الإحصاء السنوي 2017 الصادر عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات.

وحسب نتائج لدراسة مسحية صدرت عن دائرة مسح الخريجين بوزارة التعليم العالي عام 2016 بعنوان “توجهات أرباب العمل في توظيف الخرجين في القطاع الخاص” فإن أكثر الوظائف طلبا في القطاع الخاص هي الإدارة، والمعاملات التجارية بنسبة 30%، ومن ثم الهندسة، والتقنيات بنسبة 22%، ومن ثم تكنولوجيا المعلومات بنسبة 12%. وإن قارنا هذه البيانات مع بيانات المنشورة عن هيئة سجل القوى العاملة لعام 2017م، فإن أكثر الباحثين عن العمل النشطين يندرجون تحت هذه التخصصات.

وذكرت الدراسة السابقة إن هناك أسبابا جعلت من أرباب العمل في القطاع الخاص يتوجهون لتوظيف الوافد من أهمها رفض الوظيفة بنسبة 37% ، وعدم ملاءمة الخبرة، وتدريب المتقدم للوظيفة مع نوع الوظيفة، وعدم الحصول على متقدمين للوظيفة، مخاوف أرباب العمل من عدم استمرارية المتقدم للوظيفة بنسبة 19.2% إضافة إلى أسباب أخرى.

أما عن أسباب رفض المواطنين العمل في مؤسسات الدرجة الأولى، والممتازة فإنها تعود إلى عدم ملاءمة موقع العمل، وإلى أنهم طلبوا أجورا أعلى وفقا للمسح.

وبغض النظر عن الأرقام السابقة، فإن دراسة أسباب زيادة نسبة الوافدين في القطاع الخاص يستدعي دراسة لإيجاد حلول مستقبلية توفر فرصا للشباب، ولعل أحد الأسباب التي تتطلب دراسة ثقافة المؤسسات وأسباب تسرّب الكفاءات من المؤسسات سواء بالدوران الوظيفي، أو التقاعد المبكر، والاستقالة، وثقافة العمل في المجتمع وأسباب التوجه إلى التخصصات الإدارية أكثر من الحرفية والفنية.

وأجد أنه يمكن الاستفادة من نجاح قطاع النفط، والبنكي، والتأمين في استقطاب، والحفاظ على الكوادر الوطنية لخلق عوامل جذب ملائمة في القطاعات الاقتصادية الأخرى.

ومن المهم جدا تقييم قطاع العمل، والتوظيف في القطاعين العام، والخاص، وسياساتها لاعتبارات كثيرة لعل أهمها التأثير الثقافي الذي يتمثل بأثر الثقافات الوافدة على التركيبة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، وتتركز في احتكار أنشطة بعينها ومقاومة أية خطط اقتصادية تطويرية لصالح المجتمع المستضيف.
إن بناء المجتمع لا يكون فقط بحملة المؤهلات الأكاديمية العليا؛ بل بقطاع كبير من الأعمال، والفرص الوظيفية التي تعتمد على مهارات مهنية أكثر من النظرية، لذلك، فإن تطوير المسار التقني، والفني، والمهني سيلبي حاجة قطاع الخاص، والأعمال.

كما إن توظيف التكنولوجيا لتوفير فرص العمل من خلال إيجاد منصة تفاعلية علمية تشاركية بين القطاعين الخاص، والعام توضح الفرص الوظيفية الحالية، والمستقبلية، ومجالاتها لمساعدة الأسر، و المؤسسات التعليمية على التخطيط المهني لطلبة التعليم العام.

وتوفير فرص التدريب للطلبة على مقاعد الدراسية وقت الاجازات بهدف كسب الخبرات العملية سواء داخل السلطنة، أو خارجها، مع توجيه القطاع الخاص نحو توفير بعثات دراسية لمستويات تعليمية مختلفة على أن تكون مقرونة بالتوظيف.

ونظرا لأن العالم المتقدم تحوّل من اقتصاد إنتاجي إلى اقتصاد معرفة، فإن 70% من العمالة في الدول المتقدمة هم مخرجات تخصص معلومات وبمجالاته الرئيسة، والفرعية، ومن جانب آخر، فإن الثورة التكنولوجية ، والاتصالات ولدت الكثير من فرص العمل وبمرونة أكبر، فأسواق التوظيف عل شبكة الانترنت توظف ما يقارب 12 مليون إنسان تربطهم بأرباب أعمالهم في جميع أنحاء العالم عبر الشبكة.

لذلك، فإن المواءمة ما بين التقدم العلمي، وخطط تطوير الاقتصاد قد أصبح ضرورة، وليس ترفا.

—————
– باحثة وكاتبة عمانية.

شاهد أيضاً

ذاكرة القدس في الفن التشكيلي الفلسطيني

عدد المشاهدات = 2546— بقلم: زياد جيوسي دوما وككاتب شبه متخصص ببوح الأمكنة وعاشق لها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: