الرئيسية / مقالات الرأي / سنة أولى عمل..تجربة واقعيّة من المجتمع الوظيفي

سنة أولى عمل..تجربة واقعيّة من المجتمع الوظيفي

= 200

بقلم: مرفت العريمي

وصلتني رسالة من موظّف مستجد رغب أن أكتب عن تجربته في المجتمع الوظيفي حتى يعلم الآخرون أنّ الحياة العمليّة ليست مفروشة بالزهور، لأننا بشر نتفاعل مع البيئة المحيطة، وعلى لسان (مراد) صاحب الرسالة، سأتحدّث، ففي الواقع اليومي تتشابه الأحداث، والقصص لدرجة جعلتني على يقين من أنّ الأحداث تعيد نفسها في كل مرة مع اختلاف ثقافات البشر، وبيئاتهم إلّا أنّهم يتشابهون، فالكلّ يشبه الكلّ، حينها تيقّنت أنه في كل المجتمعات الوظيفية سنجد الثرثارين، وأصدقاء الروتين، وأعداء التغيير، ومن أراد أن يشقّ طريقه، ما عليه سوى التركيز على النجاح، فأصوات الضجيج تكثر مع الحركة لا مع السكون، وكما قال أبو بكر زين العابدين عبد الكلام (رئيس الهند السابق): “لاحظ جيدا إن الله يساعد فقط الأشخاص الذين يعملون بجد .. إنّ هذه حقيقة واضحة”.

هكذا هو الحال، كما ظهر لصاحب الرسالة في السنة الأولى من الوظيفة، إذ كان عام (فنتازيا) غريبة، فشاهد فيه تناقضات عجيبة، وأقنعة سرعان ما سقطت، وتجاوزت عنق الزجاجة بصعوبة بالغة، ومرّ بحالات من الاكتئاب، والشعور بالصدمة عند “أولى وظيفة”، لكنّه بقي متمسكا بمبادئه، متفاديا المطبّات، والمقالب التي تحاك كنوع من الاستقبال، والترحيب للموظف الجديد!

من واقع الحال عادة ما يقع الموظف المستجد في شرك المؤامرات نتيجة قلّة خبراته الحياتية في التعامل مع مختلف الشخصيات، وحسب مفهوم البرمجة العصبية، فإن الانسان يمر بأربعة مراحل: الأولى: أنّه لا يعرف أنّه لا يعرف، الثانية: أنه يعرف أنه لا يعرف، الثالثة: أنّه يعرف انه يعرف، الرابعة: أنّه لا يعرف أنّه يعرف. وبالتالي، فأنه من الضروري أن تتعامل المؤسسات من هذه المنطلقات مع الموظّف المستجد، وألا نعتمد على مؤهّلاته العلمية، وخبراته السابقة فقط دون توجيه، وتأهيل وتدريب مستمر.

عندما أقارن بين مفهوم التنافس في مقاعد الدراسة، والوظيفة، أجد أنّنا أثناء الدراسة، كنا نمرح كثيرا، ونحن نتنافس على احتلال مكان الصدارة، والحصول على أعلى الدرجات، أمّا في مقاعد الوظيفة، فإن مفهوم التنافس يعني القضاء على الخصم نفسيا، فإما أن يستسلم للواقع، ويرضخ، أو أن ينسحب تاركا الساحة للأطول نفسا.

كان (مراد) يحلم بعد أعوام من انتظار دام أربع سنوات بعد التخرج أن يعمل، ويحقّق ذاته، وبعد طول انتظار أصبح يتوق إلى أية وظيفة يعمل بها حتى يتفادى نظرات الشفقة من والدته التي لا تنفكّ تدعو له ليل نهار، والأسى من والده الذي كان يحلم أن يتخرّج حتى يعينه على مصاريف البيت المتزايدة، ما كان يؤلمه، حقا، نظرات الأقارب، والأصدقاء التي كانت مملوءة بالشكّ، والريبة، فتارة يكون منحوسا، وأخرى يكون محسودا، والمسلسل لا ينتهي، ونظرات الاستفهام تتزايد مع مرور الوقت!!

إنّ أكثر ما كان يحزنه أنّه تخرّج بامتياز، وتخصّصه مطلوب، وحصل على عروض كثيرة على مقاعد الدراسة، إلا أن الأزمة الاقتصادية العالمية قد عصفت بأحلامه الطائرة.

طرق كلّ الأبواب، وقبل حتى بالعمل بدون راتب كي يكتسب خبرة، ولا يخسر المهارات التي تعلّمها، لكن لم يجد مجيبا!

وبدون مقدّمات، تلقّى اتصالا من صديق أخبره عن وجود وظيفة شاغرة في مؤسسة، فتقدّم لها، وخلال ثلاثة أيّام حصل على الوظيفة!!

في اليوم الموعود، وكان أوّل يوم له في العمل، دخل، وكلّه حيوية، وثقة حاملا في رأسه أحلاما كبيرة جدا بحجم السماء.

بابتسامة عريضة، أقبل، وبتوجّس، وريبة، قوبل، وبعد مضيّ العام الأول تعلّم أنّ كفاءة الموظف تقاس بمهارته في الثرثرة، والمجاملة، وأنّ الشللية واقع حال المؤسسات مدفوعة بالمصالح الخاصة، وقانون الشلة، أمّا معهم، أو ضدّهم، وترسّخت الشلليّة في غياب منظومة الإجراءات الواضحة، والرقابة على الأداء، ويتباين مستوى الثرثرة من مؤسسة لأخرى، فأينما وجد الفراغ الإنتاجي تعلو أصوات الثرثارين، لأن لا عمل يشغلهم، لذلك نجد أن مسألة الفراغ كقضية عامة شغلت صناع القرار في المؤسسات، فأوجدوا أنظمة وظيفية تشغل ساعات عمل الموظف مرتبطة بالمحاسبة، والمكافأة، والترقية لضبط جودة الأداء .

يعتقد البعض أن إعداد الموظف، واستقباله لا يحتاج إلى خطة، أو استعداد، وأن الأمر لا يتعدى غير جولة سريعة في مكان العمل، وأحيانا يتم اعطاؤه مسؤوليات بدون أي توجيه، أو وصف لطبيعة عمله، أو لمساره الوظيفي المستقبلي، كالسفينة تعبر عباب البحر بلا بوصلة، فتتلقفها الأمواج.

يتناسى البعض أن الانطباع الأول الذي يتشكل في أول يوم وظيفة من طريقة الاستقبال، والتعامل، والتوجيه …يظلّ محفورا في الذاكرة طول العمر، ويؤثر على الأداء طوال المشوار المهني، وله الأثر الكبير على الأداء، وتحفيز الموظف على العمل بمهارة.

نسمع أحيانا من تذمر البعض من مستوى أداء الموظّفين الجدد، في مؤسسات غفلت رسم خارطة الطريق للموظف في أسبوعه الأول، وبالتالي ضلوا الطريق في بيئات عمل تتّسم بالفوضى الإدارية، وقبل أن نلوم الموظف المستجد، نقيّم آليات عمل المؤسسات، وتعاملها مع الموظفين المستجدين بتعريفهم بالحقوق، وواجباتهم الوظيفية من خلال عقد عمل واضح، ودليل للموظف، ومسار وظيفي محدد.

إنّ وجود مسار وظيفي واضح يحفّز الموظف على العطاء، والإنتاجية أكثر، لأنّه يدرك أنّه لن يظلّ قابعا في المسمّى نفسه حتى التقاعد.

ما أردته من طرح قضيّة صاحب الرسالة، أن تعلم المؤسسات أن ضعف الإنتاجية لا يتحمّلها فقط الموظف، لأنّ الضعف يكمن في استيعاب الطاقات بالشكل السليم وفقا للقدرات، والاحتياجات الفعلية للمؤسسة في وجود نظم وظيفية تتعامل مع الموارد كبشر مختلفي المهارات، والقدرات، وهذا أحد أسباب تسرب وجمود الموظفين.

شاهد أيضاً

د. منى حسين تكتب: خارج الدائرة..!

عدد المشاهدات = 405— نمر فى حياتنا بأزمات لا نرى الصواب إلا فى اختيارنا ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: