الرئيسية / مقالات الرأي / د. علا المفتي تكتب: التشجيع في خطر..!
د. علا المفتي

د. علا المفتي تكتب: التشجيع في خطر..!

= 533

الترقب يسود الأجواء. وتزحف حالة من الهدوء الحذر، على الميادين الرئيسية. بينما تختفي السيارات من الطرق فجأة. ويحتمي البعض بالبيوت، ويلجأ البعض الآخر، إلى التجمهر في المقاهي والساحات العامة. الكل تشخص نظراته أمام الشاشات. ثم تتعالى الصيحات، وتبدأ النزاعات، ويتناثر السباب هنا وهناك. ويحدث أن تتشابك الأيدي، وتسيل الدماء. أو يسقط أحدهم مغشيا عليه، او قد يفقد حياته من فرط الانفعال. وبعد انتهاء المعركة، تنزل جحافل من الجماهير المجنونة، لتحتفل بالنصر في حالة أقرب للهستيريا، وكأنهم يقيمون “زارا” جماعيا، لطرد الأسياد والعفاريت، والأرواح الشريرة من الأجساد. ولكن الذي يطرد بالفعل من نفوسنا، هي الروح الرياضية، وليست عفاريت التعصب الذميم.

هكذا يكون الحال مع كل مباراة رياضية، وخاصة إذا كانت مباراة في كرة القدم، بين فريقي القمة. حيث يظل الناس، يحضرون لها ويعدون الإعدادات والتجهيزات، ويخططون الخطط ويدبرون التدابير، قبل إقامتها بفترة طويلة. فيلغون كافة المواعيد، وتتوقف أنشطة حياتهم، إلى أن يعبروا هذه المعركة بسلام. فإن عبروها منتصرين، أقيمت الأفراح والليالي الملاح. وإن هزموا تقام المآتم وتسدل ستائر الأحزان، وتبدأ سلسلة من المعارك الكلامية، والتهديد والوعيد. بل قد تنشأ العداوات وتموت الصداقات، وتقطع الأحرام. وكل هذا بسبب لعبة رياضية، اخترعت في الأساس من أجل إسعاد الناس، وإدخال البهجة على نفوسهم، وإمتاع أرواحهم وأجسادهم.

حقا إننا نتفنن في إفساد، كل ما هو جميل في حياتنا. ويرجع ذلك إلى طريقة تفكيرنا، الفردي والجمعي. فالمجتمعات تختلف وتتمايز، في طرق تفكيرها. وهذا ما يجعلها، تتباين في درجات تطورها. فالمجتمع الذي يميل إلى التفكير الطفولي، أحادي الرؤية، الذي لا يستخدم من ألوان الحياة إلا اللونين، الأبيض والأسود، عادة ما ينتمي إلى المجتمعات المتخلفة. بينما المجتمع الذي يدرك أفراده، أن كل ألوان الرأي والاتجاهات الفكرية، مهمة لحياة أفضل لهذا المجتمع، فإنه ينتمي إلى المجتمعات المتطورة المتقدمة. فهو مجتمع ذو فكر ناضج موضوعي، يؤمن بأن الاختلاف، حقيقة مؤكدة من حقائق الكون والحياة. وأن هذا الاختلاف صحي ومطلوب، وهو أيضا ما يعطي الحياة، ثراء وجمال وتطور.

علينا إذن، أن نضع الأمور في نصابها الصحيح. وأن نرى الأشياء على حقيقتها، دون مغالاة. وأن نتقبل فكرة النصر والهزيمة. وأنه ليس هناك منتصر للأبد، أو مهزوم للأبد. علينا أن ننضج، وأن نستمتع بالأشياء، التي وجدت من أجل أن تمتعنا، ولا نحولها إلى مصدر للنكد والمشاحنات.

فإذا كان تفكرينا طفولي، أحادي الرؤية، متعصب في أبسط أمور الحياة، فكيف يكون حالنا، في مواقف الحياة الأخرى المعقدة؟! وما حال أطفالنا الذين نحن لهم قدوة؟! فما يشتكي منه الآباء والمدرسون، من عنف وعدوان، يرونه في الأبناء، هو في واقع الأمر، تجسيد لما يراه الأبناء من الآباء والأمهات، والكبار عموما. فالطفل منذ نعومة أظفاره، يتعلم بالتقليد والمحاكاة. فيقلد نموذج الراشد الذي يتواجد في بيئته، سواء كان والد أو معلم. فكيف نطلب من الطفل ما لا نفعله نحن؟! فالطفل الذي يرى والده أو الكبار في محيطه، يتعصبون لآرائهم ولا يعترفون بثقافة الاختلاف، ولا يتقبلون فكرة الروح الرياضية، سينشأ بالقطع متعصبا عدوانيا. فالأطفال في العادة، يتبنون مواقف الكبار. فنجدهم يشجعون ما يشجعه الآباء، ويرفضون ما يرفضونه. وذلك رغبة منهم، في الحصول على رضا الكبار، وسعيا للوصول إلى الإحساس بالتقبل الاجتماعي.

إذن فنحن في مأزق، لأننا مصابون بمرض التعصب البغيض، بل ونعمل على انتشار عدواه بين أطفالنا. وكأننا نريد استمرار فيروس التعصب، ليصبح وباء، يقضي على كل روح رياضية وليدة. فلننقذ مستقبل الروح الرياضية. ولنساعد أنفسنا كي نقاوم وباء التعصب، ونداوي ذواتنا بترياق التسامح، وقبول الاختلاف. ولنعطي أبنائنا، جرعة يومية من الروح الرياضية. ولنعلمهم ونتعلم معهم، ثقافة التشجيع الرشيد.

وأخيرا أدعوا الله لي ولكم، بأن ينقذ أرواحنا الرياضية، من براثن التعصب.

—–
* مدرس بكلية البنات جامعة عين شمس.

شاهد أيضاً

د. منى حسين تكتب: خارج الدائرة..!

عدد المشاهدات = 257— نمر فى حياتنا بأزمات لا نرى الصواب إلا فى اختيارنا ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: