الرئيسية / الأسرة والمجتمع / أخبار الأسرة / د. علا المفتي تكتب: احتفل بحزنك..!
د. علا المفتي

د. علا المفتي تكتب: احتفل بحزنك..!

= 864

—-

ما من يوم يمر على هذا العالم، إلا وتجتمع فيه كل المتناقضات. فها هو فجر يولد، من رحم ليل بهيم. وتلك النجوم لا تسطع، إلا إذا احتضنتها سماء، غرقت في يم الحزن الحالك. فما هو الحزن يا ترى؟

بالطبع لا أحد في هذه الحياة، إلا وقد تذوق رشفات أو جرعات، من كأس الحزن.. لكن هل فكرنا يوما نفي ماهية الحزن أو معناه؟ وهل طرأ على بالنا، أن الحزن قد يكون له فوائده؟

تقول قواميس اللغة في معنى الحزن، أنه خلاف الفرح، وهو حالة من الغم والكآبة. أما علم النفس، فيرى أنه حالة مزاجية، من الانفعالات غير السارة، كالإحساس بالهم والكآبة، واليأس والإحباط والعجز، ويرافقها هبوط في الهمة، وسلوك انسحابي، ورغبة في الانعزال.

وللحزن أسباب شتى، كالمرض أو الفشل، أو فقد عزيز أو فراق حبيب إلخ. والحزن شعور فطري في الإنسان، بل وفي الحيوان أيضا. وقد اختلفت الحضارات، والثقافات البشرية، في طرق تعبيرها عن الحزن. فنجد مثلا، أن الحضارة المصرية القديمة، اخترعت وظيفة “النائحات”، والتي عرفت فيما بعد باسم “الندابات”، حيث رسمت هؤلاء النائحات، على جدران المعابد الفرعونية. وكانت وظيفتهن الرقص الجنائزي، والبكاء والنواح والعويل، واللطم على الميت. وكان ذلك من طقوس، وعادات التعبير الحزن. وفي الحاضر، نجد أن التعبير عن الحزن، يتمثل في ارتداء الملابس السوداء، عند كثير من الثقافات.

إن للحزن فلسفة عميقة، لا يمكن استيعابها إلا، إذا فهمنا الحكمة من وجوده. فالحزن رد فعل تكيفي، لما يواجه الإنسان من عقبات، وتعبير عن إنسانيته وضعفه. لذا يجب أن نعترف بأحزاننا ندون أن ننخرط فيها. فلقد جاء الحزن، منهيا عنه في القرآن، في عدة مواضع، لما له من آثار سلبية، على صحة الإنسان النفسية والجسدية، بل وله آثاره السلبية أيضا، على المجتمع كله.

فقد قال الله في كاتبه الحكيم “إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا” (التوبة ، 40) ،كذلك قال الله جل وعلا في سورة آل عمران “ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين” (ال عمران ، 139) ،ويقول تعالى أيضا “فناداها من تحتها ألا تحزني” (مريم ، 24). وفي ذلك توضيح من الله عز وجل، بأن مشاعر الحزن في النفس الإنسانية، مشاعر طبيعية، لكن يجب تخطيها والتغلب عليها، لما لها من أضرار. فقد مر كل الرسل والأنبياء مثلا، بشعور الحزن، لكنهم تجاوزوه واستفادوا منه. فهل للحزن فوائد؟

نعم يا صديقي إن للحزن فوائد جمة. وعليك أن تحتفل عندما تقابل أحزانك. فقد قال ربك الكريم في كتابه “إن مع العسر يسرا” (الشرح ، 6) فهذه بشارة لكل مهموم حزين ،بأنه ستأتي مع كل حزن فرحتان. فإليك بعض فوائد الحزن:

– الحزن دلالة واضحة على إنسانيتك، ورقة شعورك، ورهافة إحساسك.
– الحزن مؤشر لتكيفك مع ما يحدث حولك، وتفاعلك مع المجتمع، وهذا يعني أنك عضو تشعر بالانتماء إلى جماعتك، وغير منفصل عنها، أو تشعر بالاغتراب فيها.
– الحزن هو الحاجز بين فرحتين. فالدنيا أمواج من الحزن، والفرح فلا تيأس.
– يعرف الشيء بضده، فلا تستطيع أن تقدر قيمة الفرح، إلا إذا جربت الإحساس بالحزن.
– الحزن خير معلم، ومهذب للنفس. فالمرور بتجارب محزنة، والشعور بألم الحزن، ينضج الشخصية ويجعلها قوية التحمل.
– الشعور بالحزن مفجر للإبداعات، الفنية والأدبية. فكم من شخص حول أحزانه، إلى لوحة فنية أو قصيدة شعرية، أثرت في وجدان البشر، ونمت فيهم الإحساس بالجمال.
– الحزن يبعث أحيانا على البكاء. وقد أثبتت الدراسات العلمية، أن للبكاء فوائد للجسم والنفس. وهو نوع من التطهير الانفعالي.
– إذا صبرت على أحزانك، فإن الله قد بشرك بأجر عظيم. فقد قال تعالى “وبشر الصابرين” ( البقرة ، 155 )
– تستطيع أن تحول حزنك، من طاقة سلبية إلى طاقة إيجابية. فقد يكون حزنك ملهما، ودافعا للمثابرة والمحاولة، إن صادفك الفشل مثلا. أو يدفعك ألم الحزن، إلى محاولة التخفيف عن كل حزين مهموم، مما يجعلك محبوبا عند الله وعند الناس.
– إن جاء الحزن بقوة، فاعلم أن الفرح سيطرق بابك قريبا. فما الحزن إلا ليل، يبشر بقرب حلول الصباح. لذلك فهو باعث على التفاؤل.

وبناء على كل ما سبق ذكره يا صديقي، فلا تكره حزنك. فإنه ضيف راحل مهما مكث. فإن أحسنت استضافته، فسيرحل سريعا. وإن فعلت العكس، فسيمكث طويلا. ولتحزن بإيجابيه.

وختاما، جعلنا الله وإياكم، من السعداء الراضين، المتقبلين لأحزانهم، المستفيدين منها، المتفائلين بزوالها، والحائزين على أجر الصبر، على تحمل آلامها.

——————-
* مدرس أدب وثقافة الطفل – جامعة عين شمس.

شاهد أيضاً

د. منى حسين تكتب: خارج الدائرة..!

عدد المشاهدات = 426— نمر فى حياتنا بأزمات لا نرى الصواب إلا فى اختيارنا ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: