الرئيسية / المرأة والطفل / أخبار الطفل / د.علا المفتي تكتب: كتاب الطفل في ثوبه العصري
د. علا المفتي

د.علا المفتي تكتب: كتاب الطفل في ثوبه العصري

= 1791

——

“اقرأ” .. كان ذلك الأمر الإلهي الأول، الذي نزل به الوحي، على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ذلك لأن القراءة شمس العقل، التي تبدد ظلمات الجهل والجاهلية. وتسير بالإنسان نحو الإدراك، والفهم والتطور ثم الإبداع.

ولأن القراءة مفتاح أساسي من مفاتيح المعرفة، التي أعتمد عليها الإنسان منذ فجر التاريخ، في بناء الحضارة، فكان لزاما علينا، أن نحرص كل الحرص، على غرسها كعادة أصيلة لدى أطفالنا، منذ نعومة أظفارهم، بل حتى وهم لا يزالون أجنة، في أرحام أمهاتهم. فمع التنامي الجنوني المتسارع، للتكنولوجيا في هذا العصر الذي نحياه، أصبح الكتاب أسير أرفف المكتبات، مدفون تحت الأتربة. فلا تمسه يد أو تلتفت إليه عين. وانصرف الكبار والصغار، نحو أجهزتهم التكنولوجية الذكية، التي باتت رفيقهم الأول الذي يصطحبونه في كل مكان وفي كل وقت.

وعلى الرغم من اهتمام الدولة، وجهودها الحثيثة في المجال الثقافي، وحرصها على ازدهار ثقافة الطفل، لمواجهة تحديات العولمة الثقافية المتزايدة، حيث تعمل على إنشاء المزيد من المكتبات والمتاحف والمعارض وغيرها، إلا أن هذه الجهود، لا تزال غير كافية، لمواجهة التغيرات الثقافية الفائقة السرعة، والخطيرة التي يواجها أطفالنا.

لقد كان الكتاب في الماضين هدية قيمة يحرص كل رب أسرة أن يمنحها لطفله. فهو النافذة، التي كان يطل الطفل على العالم والكون من خلالها، ليرى كل غريب وعجيب. فتارة يسافر عبر الصحراء، وتارة أخرى يغوص في البحار، ثم يطير في السماء، في جولة ساحرة يقضيها أثناء تصفحه للكتاب.

أما الآن فعلينا أن نتساءل، عن حالة كتاب الطفل، وطبيعة علاقته به؟! وأظن أن الإجابة صادمة، بل ومحبطة بعض الشيء. فالكتاب هو آخر شيء قد تفكر الأسرة في اقتنائه. وقد أصبح الأطفال ينفرون من الكتب، لارتباطها في أذهانهم بالمذاكرة والامتحانات، والتكليفات والواجبات.

وهنا تقفز في الذهن عدة تساؤلات ملحة، فكيف يمكننا أن نعيد لكتاب الطفل جاذبيته المفقودة؟ وكيف يمكن للكتاب، أن ينافس الأجهزة التكنولوجية ومواقع الإنترنت، بما تحويه من ألعاب وأخبار، وقصص وأفلام وغيرها، والتي تخلب لب الأطفال، وتفصلهم عن واقعهم، ليعيشوا في عالم خيالي افتراضي جذاب؟!

والإجابة من وجهة نظري ببساطة، هي أن على الكتاب أن يلبس ثوبا جديدا .. نعم عليه أن يغير من مظهره المعتاد، ويتكيف مع متغيرات العصر الذي نعيشه، ويسد احتياجات الطفل وينبع من اهتماماته. ففي خلال جولتي الأخيرة، بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، أنهكني البحث، كي أجد كتابا للطفل، يتصف بالابتكار في المضمون والمحتوى، وذلك بالرغم من كثرة عدد كتب الأطفال التي كانت معروضة فيه.

فالكتاب الورقي التقليدي، لم يعد له مكان في عالم الأطفال الآن. فقد أصبحت هناك أنواع أخرى من أشكال الكتب، والتي تصلح للأطفال، وتختلف باختلاف المرحلة العمرية التي تصنع من أجلها. وكتاب الطفل في ثوبه الجديد، لا يعتمد على الكلمة المطبوعةن والصورة المرسومة فقط، وإنما أصبح يعتمد على تفاعل الطفل الإيجابي، وممارسته مجموعة من الأنشطة داخل الكتاب.

فهناك كتب تضاف إليها بعض المؤثرات الصوتية، كالنغمات أو أصوات الحيوانات ،والأشياء والبشر إلخ. وهناك كتب أخرى، تصنع من مواد خاصة ليستخدمها الأطفال، أثناء فترة اللعب في حمام السباحة. كما أنه توجد كتب تقوم فكرة تصميمها، على فك وتركيب الصور، أو تحريك شخصيات الصورة.

وبعض الكتب تعرض صورها، في شكل مجسم ثلاثي الأبعاد، وتتيح للطفل فرصة التعرف على ملامس الأشياء والكائنات. والبعض الآخر من الكتب، يدمج بين شكل الكتاب الورقي وعرائس الإصبع. كذلك توجد كتب يرفق بها أسطوانة مدمجة، أو قلم إلكتروني يساعد الطفل على القراءة، أو تعرض موسيقى مصاحبة للنص المكتوب، أو أغاني لها علاقة بمحتوى الكتاب. كما توجد الكتب التفاعلية، التي عادة ما تصنع من القماشن وتتيح للطفل ممارسة عدة أنشطة، كالفك والدمج، والتجميع والترتيب، والعد والمطابقة وإدراك العلاقات إلخ.

وقد أصبحت الخامات، التي تصنع منها كتب الأطفال، متنوعة ومتعددة، حتى تراعي طبيعة استخدام الأطفال للكتاب وتشبع اهتماماتهم ورغبتهم نحو الاكتشاف، وحب الاستطلاع. فنجد الكتب لم تعد تصنع فقط من الورق بأنواعه، بل تصنع من البلاستيك، والمشمع والقماش، وغيرها من خامات.

لكن المشكلة الحقيقة التي تواجهنا، لا تكمن فقط في إلباس الكتاب ثوبا جديدا، متطورا يساير العصر، لكن أيضا في إيجاد ذلك المصمم الفنان، الذي يأخذ على عاتقه إنتاج مثل هذه الأثواب المتطورة للكتاب. كما نجد كذلك مشكلة، في قلة عدد دور النشر، التي تتحمس لإنتاج وترويج، تلك النوعية من كتب الأطفال. وعادة يتم استيراد تلك الكتب من الخارج، بما تحمله من ثقافات مغايرة لطبيعة ثقافتنا المصرية والعربية.

وبالرغم من تلك المعوقات، إلا أنه هناك بعض الجهود الفردية، التي نجحت في إخراج كتاب للطفل العربي، في شكل جذاب متطور يواكب العصر. ومن تلك الجهود، ما تقوم به أقسام تربية الطفل، وكليات رياض الأطفال في الجامعات المصرية، من إنتاج كتب مبتكرة وغير تقليدية للأطفال، في مرحلة الطفولة المبكرة.

وأخيرا، علينا أن نشجع أمة “اقرأ” كي تقرأ. ولنبدأ بالأطفال، فالتعليم في الصغر كالنقش على الحجر. ولنحرص على نقش عادة القراءة، بجدران عقول أطفالنا، إن كنا نرغب في مستقبل أفضل.

—————–

* مدرس أدب وثقافة الطفل – جامعة عين شمس.

شاهد أيضاً

مرفت العريمية تكتب: الحذر يُؤتى من الخيال

عدد المشاهدات = 4310— نمكث ساعات طوال كل يوم في محطة واحدة، لا نفعل شيئًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: