الرئيسية / منوعات / فكر وإبداع / “نانا بنت مارينيت”

“نانا بنت مارينيت”

= 1823

——

كتبتها: أميرة الوصيف – مصر

عَضنى الكلب , كَتمت صراخى فى حَلقى , ونَبشت بأظافرى فى الحجر فكافأنى الخَرس , واذا بظِل زوج أمى يقترب.

بدا وجهه فى غايةِ القَرف , وبَديت له بَعوضة فَعصها حذاء , شعرت بأن “هاييتى ” سجنى العظيم , وبأن كوخنا أقذر الزنازين وأضيقها.

زَحفت على بطنى لأدفن وجهى بعيداً فى ملاءات الكوخ , لصقت عينى وجبينى بفَتحة الملاءة , والتى كنت أتلصص منها على الأراضى من حولنا , ولطالما بادلتنى الزَفرات بالزَفرات.

كنت أنتظر رَكلة من الخَلف أو سَحبة عنيفة بالحبالِ من أسفل قدمى إلا انه لم يَمسسنى سوء ويبدو أنه رَحل.

اسمي ” نانا ” , وأمي اسمها “مارينيت ” , أمي امرأة صالحة , كذلك أنا أخبرتني أمي بأني “طفلة صالحة “.

ذات نهار كنا نزرع البُن بمنحدر الجبل , وكان “مايكل ” – زوج أمي – مَربوطاً بالحِبال حتى لا يسقط , ومزارعي هاييتي يُثَبتون فى الجبل وإما أن يسقطون بالأسفل أو أن يسقط الجوع من حساباتهم ويأكلون.

قبيل هروب الشمس الى منفاها , هرع الينا المزارعون , وقالوا بأن “مايكل ” سَقط بالأسفل ! امتقع وجهي , وشعرت بأن قدمي انفصلت عن جسدي , وبأن الثلج محشور بمُقلتي ولا يَذوب , إلا أن أمي ارتجفت ولم تذرف الدمع , وحملتني بسرعة الصاروخ الى كوخنا , قَبلتنى على جبينى الشاحِب ثم قيدتنى بالحِبال, كَتفت يدي وساقي , ولم تضع لاصقة على فمي.

كنت فى وَضعية لا تسمح لي بالعناق إلا اننى عانقتها بعيني الزيتونيتين , أمسكت بأكتافي الصغيرة وهزتنى بلُطف قائلةَ بأنها ستعود اليّ بعد أن تتعلم الحياكة لتطعمني , وتكسيني , وكأى طفلة صالحة ينبغى أن أُصَدق أمي وينبغى أن أتقبل أصفادها.

أثقب أذني صوت “مايكل ” , ولفنى الفزع , فإذا بى أجده قُبالتى بسرواله الأزرق الوحيد مقطوعاً من المُنتَصف والأطراف , وعلى وجهه خدوش ودماء.

كانت عينه من تلك العيون الذئبية التى تَستشرف الحدث , اقترب منى ببطء , لم يَنبس ببنت شَفه , فك أصفادى ولطمنى على فكي ثم نَعتنى ب ” ابنة شارع “
اعتدت على اقتسام ثمرة الموز المشوية مع جارتنا “ديالا ” , تلك السيدة التى كانت تُقَبل أصابعي , وتضع السكر على يدى ثم تلعقه حتى تُنجِب طفلة تُشبهنى.

كانت تُمَسد لي شعري , وتقص لي حكايات البحر الكاريبى , وتحكى لى كيف كانت يائسة منذ أعوام , يائسة بجنون عندما أنجبت مولودتها الأولى فى الشارع من شاب لم تَلتقيه ثانيةَ عندها كانت فى السادسة عشر من عمرها , أقول لها : وأين طفلتك؟

فتقول : ماتت , كُنا طفلتين , ولم أفهم كيف أُرضعها؟!

وأسألها والآن ألستِ يائسة ؟ تومىء “ديالا ” برأسها فى خجل , وتقول : بلى .. يائسة بشكلِ أفضل.

بالأمس تحدث معى زوج أمي بوقاحة , قرصني من ركبتي , ورفسني فى بطنى , وصرخ فى وجهي لكي أرحل من الكوخ , أردف يقول أن أمي لن تعود , وأن بنات الشارع لا يمتن ميتة طبيعية , كنت أمتص كلماته بأذني , وأتوق لأن أقطع لسانه فلا يَزيد حرفاً.

فى المساءاتِ يَركلني “مايكل ” , وأهيم على وجهي أنتحب , وأضغط على نهاياتِ بُكاءاتي بحُرقَة , أعتبرها موهبتي الحالية حتى أنني صرت أستغرب الليلة التى لا أبتلع فى ثُلثها دمعي المالح.

فى منامات هاييتى العزيزة أرى نفسي بتَنورة زرقاء , أُفَتش دائماً عن شىء ما , وقبيل خاتمة المنام , يركض نحوي طفلات كلهن أنا ! يرتدين تنوراتهن الزرقاء ويحملن أكياساً من البُن وثمار الموز , وتخرج عليهن أسنانهن البيضاء ثائرة تبتسم ويمسكن بيدى ثم نتقدم جميعاً الى بوابات أقدم جمهورية سوداء فى العالم – هكذا كُتِب عليها – ثم نمضي وننتشي.

خبأت خوفي فى جبالِ هاييتى , وقطعت عهداً مع الزروع ألا أبرح الكوخ حتى تعود أمي “مارينيت ” , وأصخت السَمع الى اشارات البحر , فإذا بلغته عَصية على التَدبر لكنها ذكرتنى بإنقضاء عامين , ولم تعد أمي!

تُرى هل تعلمت الحياكة؟ أم ربطوها فى أعالي الجبال لتزرع؟
تُرى أتأكل الموز المشوي؟ أم تبكي على مولودها الجديد؟!

شاهد أيضاً

د.منى حسين تكتب: بلا ذكريات..!

عدد المشاهدات = 2067—   فى كثير من الأحيان نتمنى أن نبدأ حياتنا الآن ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: