الرئيسية / مقالات الرأي / د.علا المفتي تكتب: معلمي الأحدب..!
د. علا المفتي

د.علا المفتي تكتب: معلمي الأحدب..!

= 455

كنت أرى ذلك الشاب، عجيب الهيئة، رث الثياب أحيانا، يمر في الشارع الذي يقع فيه بيتي. كنت أعجب لتكوينه الجسدي الغريب، ومشيته المعوجة، وظهره الذي يشبه نصف الدائرة، فأحمد الله، على أنه عافاني مما ابتلى به غيري.

وكلما رأيت هذا الشاب عجيب الخلقة، أتأمل تفاصيله بنهم، دونما أن يلاحظني، فتدهشني ابتسامة ثابته على وجهه، لا تتغير. وبالرغم من أنه، كان يبدو عليه أنه ودود، إلا أني كنت دائما أخشى الاقتراب منه، وتأكلني الهواجس والظنون السيئة بشأنه، فقد يكون مريضا، أو مجنونا أو منحرفا، بشكل أو بآخر.

سألت نفسي كثيرا، متأملة حالته هذه: هل لهذا الإنسان طموح ما أو هدف يسعى إلى تحقيقه في الحياة؟ هل يجد أصلا للحياة معنى، وهو لا يمتلك مأوا أو عملا مستقرا، أو أسرة تعيله؟ هل هو حاقد أو ناقم على مجتمعه؟ هل يكره من هم أصح منه بدنا، وأغني مالا، وأعلى شأنا؟ لماذا لم يكتئب هذا الشاب، أو ينتحر مثلا، ليتخلص من حياته البائسة هذه؟ وما الحكمة من وجود أمثاله، من المعذبين الهامشيين على وجه الأرض؟

كانت تراودني هذه الأسئلة، كلما التقيته مصادفة، ثم سريعا ما أنساها عندما يختفي، هذا المسكين من أمامي. حتى غاب لفترة طويلة،، ونسيت أمره تماما وما عادت تلك الأسئلة حوله تبحث عن إجابات.

ثم مررت في حياتي بفترة عصيبة، تراكمت علي فيها الشدائد من كل اتجاه. وكادت قواي النفسية أن تخور. وكدت أن أصل لمرحلة الاستسلام، وأرفع رايات الاكتئاب. لكني من خلال مسيرتي في الحياة، تعودت عادة جميلة، بفضلها كنت أعالج همومي وأستعيد بهجة نفسي. كانت تلك العادة هي العطاء، أي نوع من العطاء، لأي شخص أعرفه، أو لا أعرفه. فعندما أمرض أو يمرض عزيز لدي، أو أمر بضائقة ماليه أتصدق. وعندما أشعر بالحزن، أسعى لإسعاد أحدهم، أو التخفيف عن مكروب أو إبهاج طفل، أو إطعام حيوان مسكين. وذلك عملا، بقوله تعالى “لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم” (آل عمران ، 92). كانت العطايا، هي وسيلتي في مقاومة الهموم، فللعطاء طاقات إيجابية هائلة.

في تلك الفترة العصيبة، ظهر هذا الشاب من جديد. كان جالسا على أحد الأرصفة، يبيع المناديل، مناديا المارة ليشتروا منه. فقلت في نفسي: لقد أرسله الله لي، كي امنحه صدقة هذا اليوم. فاقتربت منه، ومددت له يدي بالنقود وأخذت علبة مناديل واحدة. لكنه رفض أن يأخذ كل النقود، وأصر بشدة أن يأخذ ثمن العلبة فقط. وعندما حاولت إقناعه أن يأخذها، لأني لا أملك الفكة، قال لي مبتسما: خذيها بلا نقود. فشكرته وتركت العلبة، وأخذت نقودي، وأنا أشعر بالحيرة الشديدة. كنت أود مساعدتهن لكني لم أفلح. والواقع أنه أخجلني باستعفافه هذا. فازدادت رغبتي في مساعدته، وزاد شعوري بالعجز في تحقيق ذلك. فلم أجد غير الدعاء له، من أعماق قلبي بالفرج والسعة في الرزق، والستر والسعادة.

ذهبت لأساعد ذلك المسكين، فاكتشفت أني أنا المسكينة. ذهبت لأمنحه عطية، فمنحني هو دراسا في الحياة. ذهبت مشفقة عليه، خائفة من مظهره، فعطف هو لحالي، ومنحني الاطمئنان، بابتسامة وكلمة طيبة.

لقد كان هذا الأحدب المسكين، رسالة من الله لي، كي يعلمني أن الجمال الحقيقي، يكمن في القلوب والأرواح. وأن أفقر الناس مالا، قد يكون أغناهم خلقا. وأن العطاء، لا يقتصر على المقتدرين فقط.

لقد فهم هذا الشاب حقيقة السعادة، وحقيقة الحياة، واستحق بجدارة، أن يلقب بالإنسانية في أرقى صورها، وأبهى معانيها. ولقد وضعني في مأزق، أمام نفسي. فها أنا أمتلك الصحة، وحسن المظهر، والمكانة والعلم، لكني لا أمتلك كل هذا الرضا واليقين، وحسن الظن في الله. وإني لأشعر بمنتهى الامتنان، لهذا المعلم الراقي ولا أدرى كيف أرد له الجميل؟ فلا أملك له غير الدعاء الصادق، كلما تذكرته.

إن الله يرسل لنا كل يوم، دروسه ورسائله على هيئة بشر، نعرفهم أو نصادفهم. لذا يجب علينا، أن نتأمل صدف اللقاء والفراق، ونحاول أن نفهم الحكمة، التي تكمن خلفها. فكل شخص نقابله في هذه الحياة، يحمل لنا رسالة أو درسا. وقد نكون نحن الحاملين رسائلا، ودروسا للآخرين.

اللهم أجعل منا حاملي رسالات، ودروس الخير للآخرين، وأجعل لنا أثرا، طيبا عطرا، يبهج الأرواح ويسعد النفوس، ويفرج هموم المحزونين.

شاهد أيضاً

د. منى حسين تكتب: خارج الدائرة..!

عدد المشاهدات = 392— نمر فى حياتنا بأزمات لا نرى الصواب إلا فى اختيارنا ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: