الرئيسية / مقالات الرأي / مرفت العريمي تكتب: هل ولى زمن الإعلام التقليدي؟

مرفت العريمي تكتب: هل ولى زمن الإعلام التقليدي؟

= 889

—–

من البدهيات أن الإنتاج الفكري والعلمي المستمر يرفع من مستوى الوعي والفكر ويبني سدا منيعا ضد الغزو الفكري والثقافي ويؤسس حصانة ضد ما يفرضه الواقع التكنولوجي ووسائل الانتشار الجماهيرية من مثبطات وفيروسات غير أخلاقية تعجّ بها شبكات التواصل الاجتماعي.

الأمر على عجل يستدعي من الدول والمؤسسات التعاطي مع شبكات التواصل الاجتماعي بجدية أكبر فلا تكتفي بمتابعة ما يدور في كواليس الشبكات وإنشاء أقسام بمؤسساتها الحكومية والخاصة يوكل لها إدارة حساباتها فحسب، بل عليها القيام بتشكيل جيوش إلكترونية من الهاكرز والمغردين والكائنات الفيسبوكية والسنابيين والمتخصصين في هذا المجال لتنفيذ أجندات سلمية ووقائية ودفاعية لحماية مكتساباتها القومية.

وللأسف لا نملك كوطن عربي منصات مماثلة أو رديفة نخاطب فيها مجتمعاتنا أو العالم، ولم نطور أدوات مناسبة أو استراتيجيات تتعامل مع هذا الواقع الجديد باعتبارها أدوات مؤثرة وتقود الرأي العام.

وحتى لا ننسى فإن الثورات العربية تشكلت في شبكات التواصل واستطاعت أن تُحشّد وتجمع الجماهير لإيصال صوتها وقضاياها المصيرية إلى حكوماتها والعالم، وما حدث في عام 2011 يمكن أن يتكرر مرات ومرات وبأشكال مختلفة لسببين أولهما أن مطالب الجماهير لم تلب والفجوة بين الحكومات والجماهيراتسعت أكثر عن ذي قبل وثانيهما أننا نعيش مرحلة جديدة تتشكل فيها تحالفات جديدة بين دول العالم لذلك تتعرض الدول إلى حروب إلكترونية وإعلام موجه يهدف إلى تشكيل رأي عام مضاد أو مؤيد فليس كل ما يحدث عبر أثير شبكات التواصل ممارسات فردية عشوائية بريئة، فهناك جيوش إلكترونية منظمة تحاول نشر أيديولوجياتها وأهدافها وأجنداتها عبر الأثير، بالتالي فإن الرأي العام في مجتمعاتنا قد يتعرض إلى التشويش والصعوبة في تكوين رأيعام صحيح أو مناسب.

وفي الوقت ذاته لم يعد الإعلام التقليدي أداة جذب أو إقناع مثالي للجمهور الحالي من الشباب أو حتى من أجيال الإعلام التقليدي فما تملكه شبكات التواصل من مميزات كسرعة البث، وعناصر الإبهار وخصوصية المصدر ،والتكلفة المنخفضة (مقارنة بالإعلام التقليدي)، ومساحة أكبر من الحرية جعلتها متنفسا للإفراد والمؤسسات ووسائل مناسبة للتسويق والترويج عن الأفكار والأيدولوجيات والسلع والخدمات.

لذلك اتجهت عدد من دول العالم إلى توظيف المنصات الاجتماعية والمواقع الإلكترونية في خدمة قضاياها، وفي العام الفائت أعلنت ألمانيا على لسان وزيرة الدفاع إنشاء وحدة للجيش الإلكتروني بالجيش إلى جانب القوات البرية والبحرية والجوية، يكون دورها التصدي للهجمات الفكريّة والرد على الهجمات في الفضاء السيبرانيّ ، وهناك دول أخرى أنشأت وحدات متخصصة للتجسس الإلكتروني والقرصنة تابعة لأجهزتها الأمنية.

وهنا وجب التنويه إلى معلومة تتعلق بهذا الإطار وهي أن البعض يخلط بين الذباب الإلكتروني وبين الهجمات التي تتم من خلال الجيوش الإلكترونية، فالذباب الإلكتروني يدعم الهجمات المنفذة من الجيوش الإلكترونية ويؤجج الفتن والصراعات بين الأطراف المختلفة بهدف تضليل الرأي العام عبرحسابات وهمية، وقد لا ينتمي الذباب إلى جهة بعينها لكنه قد يلعب دورالمؤيد أو المناوىء ويشعل الصراع بين العديد من المؤسسات والدول. أما الجيوش الإلكترونية فهي عبارة مجموعات متخصصة ومدربة تنفذ أجندات خاصة تروج لوجهات نظر معينة وشائعات وأحيانا أكاذيب عبر المنصات والإنترنت وأحيانا تقوم باختراق مواقع الخصوم توظيفها لخدمة اتجاهاتهم.

إن الانترنت واقع لا يمكن إنكاره، فالمؤشرات الإحصائية 2017حول استخدامات الجمهور العربي لشبكات التواصل والإنترنت تثبت أن أعداد المستخدمين في تزايد ولم تعد الشبكات حكرا على النخب . وإن التفاعلات باللغة العربية احتلت مساحة كبيرة من مجمل التفاعلات، حيث إن نسبة التفاعلات باللغة العربية في المنطقة عبر شبكة فيسبوك أصبحت 55%، مقابل نسبة 43% قبل عامين، أما في تويتر فقد بلغت نسبة التغريدات باللغة العربية 72% من مجمل تغريدات في المنطقة العربية. فعلى سبيل المثال بلغ عدد مستخدمي «فيسبوك» عام 2017 ما يقارب156 مليون مستخدم، مقارنة بـ115 مليوناً في العام2016،وأن عدد المستخدمين النشطين في تويتر 11.1 مليون مستخدم في عام 2017 ،مقارنة بـ5.8 ملايين قبل اربع سنوات.

ان التعامل مع هذا الواقع الجديد يجب أن يكون المستوى نفسه أو أفضل من الاحتراف فلا جدوى من تقزيم تأثير الذباب الإلكتروني على الرأي العام ولا جدوى من التعاطي مع الحملات الممنهجة بالصمت أو بردود عشوائية فردية كانت أو عبر المؤسسات.

إن الزمن لن يعود إلى الوراء وشبكات التواصل الاجتماعي هي واقع التواصل الإنساني الجديد لذلك من الضروري بمكان الاهتمام أكبر بتكثيف الحملات التثقيفية والتوعوية للتعاطي مع هذه الوسائل والانتفاع منها بما لا يحقق الضرر ووضع استراتجيات وطنية وتعليمية لنشر الوعي التقني، ليس فقط لأغراض أمنية مجتمعية؛ بل حتى لا يقع الأفرد ضحايا النصب والتضليل مع تحديث في القوانين والتشريعات المنظمة للأثير الإلكتروني، والاستفادة من هذه المنصات في وضع مضامين علمية وثقافية وتوعوية لخدمة المجتمع وقد لا ننسى تجربة الوطن العربي مع الإعلام الفضائي عندما سمحت الدول للإعلام الفضائي بقنواتها المرئية والصوتية أن تغزو المجتمعات بكم فوضوي من المحتوى التجاري والاستثماري والاستهلاكي خالي المضمون في الوقت الذي تراجع فيه دور الإعلام الرسمي لأسباب كثيرة منها غياب مساحة الحرية وضعف مستوى المنافسة مع الإعلام الاستثماري، في حين قنَّنت الدول المتقدمة في الشرق والغرب الإعلام الفضائي حفاظا على ثقافة وقيم المجتمع إيمانا منها بدور التلفاز كصديق للأسرة.

وفي الأخير نقول: إن الحضارة ككيان واحد ومكون ثقافي مادي وغير مادي لا يمكن تجزئته بالاستفادة من الثمين وإلقاء الغث، لأننا ببساطة لا نملك هذا الخيار الخيالي، والتاريخ أثبت أن الحضارات التي سادت العالم تبنتها المجتمعات كوحدة كاملة وعملية( الفلترة) نجحت في المجتمعات التي كانت تمتلك منظومة قيمية وتعليمية وتوعوية عالية ساندت عملية الاستفادة من الجوانبالمشرقة من الحضارة وبنت عليها وصنعت لنفسها شكلا جديدا تتوافق مع ثقافتها ومواكبة للعصر ولنا في النموذج الياباني والصيني خير أمثلة على ذلك.

—————

*كاتبة وباحثة عمانية

شاهد أيضاً

د. رحاب الكيلاني تكتب: عن السعادة نحكي

عدد المشاهدات = 1114— هل أنت سعيد..؟ هل أنتِ سعيدة..؟ سؤال لا نفتأ نكرره على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: