الرئيسية / الثقافة والفنون / ثقافة وأدب / هندسة المبنى في شعر العدالة لدى سعيد الصقلاوي (1)
المهندس سعيد الصقلاوي

هندسة المبنى في شعر العدالة لدى سعيد الصقلاوي (1)

= 956

بقلم: أ.د. ناريمان عساف *

يرى الشاعر سعيد الصقلاوي بأن الشعر الحديث قد ذهب بعيدًا في الغرائبية والطلاسم، وابتعد عن هموم الناس اليومية ، وتطلعاتهم الإنسانية ، فانفضوا عنه، وهم يفترضون بأنه على الشعر – لكي يتصالح مع الناس والمجتمع – و(بتعبير بشير العاني) عليه أن يعود إلى صياغة القيم والأفكار والتطلعات بلغة مفهومة، تخاطب العقل والمشاعر، وإذا رفضنا صحة هذا المنطق ، فكيف نفسر شكاوي، وتذمر شعراء الشعارات والخطابات من عزوف الناس عن قصائدِهم…؟ كيف يفسر الاستهجان العام للقصائد التعليمية، والقصائد المبشّرة، وقصائد العامل والفلاح السطحية، والمبتذلة …؟ وكيف نفسّر أنه ورغم كلّ محاولات الستالينية تطويق مستقبلية “مايا كوفسكي(1) ” ظلّ الشاعر الأهم والأبرز والأكثر انتشارًا…؟

ويتقاطع هذا الاتجاه كثيرًا مع الاتجاه الثالث الذي يعنى بشؤونه السياسيون من الشعراء والنقاد..(لا أفترض بأنّ هذه الاتجاهات نهائية، فثمة تفريعات داخل كل اتجاه… كما ثمة إمكانية لتداخل الاتجاهات مع بعضها)… والاتجاه السياسي هو الذي تنفتح قصائد أصحابه وهواجسهم ودلالات أفكارهم على آفاق الحلول السياسية، وما يرتبط بها من حريات عامة واقتصاد وطني متين… أصحاب هذا الاتجاه يرون بأن الشعر غائب بفعل فاعل، وأن السلطات باختلافها وتدرجاتها تمارس أدوارًا غير بريئة في تغييب الشعر عن ساحة الفعل الانساني، فغياب الديمقراطية يشلُّ قدرة المبدعين على الانتشار والبقاء… كما أنّ إهمال المؤسسات المعنية بالشأن الثقافي وتقصيرها، يحوّل المبدعين إلى كومة من اليائسين والمهمشين.
من هذا المنطلق سعى الشاعر سعيد الصقلاوي إلى سد ثغرة التغييب، وطرح قضية العدالة المنشودة والمفقودة في قصائد احتلت معظم دواوينه(2)

ولكي يجعل من شعره حاضرًا بين الجماهير، معاصرًا، وقيِّما رصفه بطريقة هندسية، تتداخل فيها الشفافية والثقافية والخيال والإبداع بتقنية، وميّزه ببعض التقنيات، وأهمها:
أ:هندسة الصورة والكناية في شعر سعيد الصقلاوي
1:هندسة الصورة:

إن البنية لم تعد المعبّر الأساسي الى اكتناه المعنى، كما ساد في بعض المناهج القديمة، وإنما البنية في المنوال العرفاني هي المعنى ذاته في مختلف مسارات تشكله وبنائه، من ذلك أن “لنغاكر” “Langacker” رأى أن التركيب هو نتيجة مباشرة للتصور الذي يأتية المتصوّر، ممّا يجعل التركيب في استرسال وتواصل دائمين مع الدلالة التصويرية (3)

وفي التصور العرفاني يتلازم المعنى والمبنى ولا ينفصلان أبدًا،. “والمعنى حاضر مجسدن، وكل ما يتمثّل مُبنْيَنٌ في شكل خطاطات مختلفة، ولما كانت عملية الإدراك خاضعة لعملية الجسدنة ، فإن طائفة كثيرة من العبارات تخضع بشكل مباشر لتأثير أجسادنا، وهو ما يترتب عنه القول بأن بناءنا للواقع، يخضع هو الآخر في جانب كثير منه الى طبيعة أجسادنا” (4)،

ولما كان ذلك كذلك، ” فإن اللغة ليست ملكة عرفانية مجرّدة مستقلة عن العمليات العرفانية الأخرى، بل على العكس من ذلك ، فإنها مصنوعة من تجربتها اليومية والواقعية (5)،

لذلك وجب علينا دراسة الصورة في شعر سعيد الصقلاوي، خاصة أنه مهندس، ولأن الصورة نتاج لفعالية الخيال، وفعالية الخيال لا تعني نقل العالم، أو نسخة، وإنما تعني إعادة التشكيل واكتشاف العلاقة الكامنة بين الظواهر، والجمع بين العناصر المتضادة أو المتباعدة في وحدة، وإن فهمنا هذه الحقيقة جيدًا، أدركنا أن المحتوى الحسي للصورة ليس من قبيل “النسخ” للمدركات السابقة، وإنما هو إعادة تشكيل لها، وطريقة فريدة في تركيبتها الى الدرجة التي تجعل الصورة قادرة على أن تجمع الاحساسات المتباينة، وتمزجها وتؤلف بينها في علاقات لا توجد خارج حدود الصورة، ولا يمكن فهمها أو تقديرها إلا بفهم طبيعة الخيال ذاته، باعتباره نشاطًا ذهنيًا خلاقًا ، يتخطى حاجز المدركات الحرفية، ويجعلنا نحفل لائذين بحالة جديدة من الوعي (6)

ان العلاقة بين الخيال والعاطفة علاقة وحداوية، فكل يؤثر في الآخر، والصورة الفنية الناتجة عنهما متصلة بالحس ومعطياته، فالمعاناه الشعرية متصلة بالواقع المحسوس، ” وعليه تغدو الصورة الفنية علاقة مع الذات والموضوع، أو هي لحظة انسجام بين الذاتي (شعور الفنان وخياله) والموضوعي (المعطيات الحسية الواقعية)(7)

وعلى ذلك يمكن القول إن : الصورة الفنية لا تثير في ذهن المتلقي صورًا بصرية، وصورًا تتصل بكل الأحساسات الممكنة التي تكوّن الإدراك الإنساني، ولا ترجع قيمة الصور الى أنها تحاكي الاشياء، بل الى أنها تجعلنا نرى الأشياء في ضوء جديد، وخلال علاقات جديدة، وتخلق وعيًا فنيًا، وخبرة جديدة (8)
والصورة الحديثة تسير نحو الخصوصية التي تتضمن الغموض … كما إن نظرية عمود الشعر تعمل على إبقاء الشعر في نطاق تقليدي، قوانينه سلفيه؛ والخروج من نطاقها يحوّل الشعر إلى مسارات حديثة، تعايش الواقع بلغة العصر الخاصة.

وكانت بداية التجديد بالخروج من دائرة الشعر العامودي، من قبل عبد القاهر الجرجاني، في نظرية النظم، ففي” ظل هذا الموروث بادر ” عبد القاهر الجرجاني” إلى تصحيح المفاهيم المغلوطة، ووضع الأصول الصحيحة، لتغيير ما هو سائد عند سابقيه، فلم يسبقه أحد من النقّاد العرب القدماء في التعمق في فهم الصورة، لأنه اعتمد أساسا على فكرته القائمة على عقد الصلة بين الشعر، والفنون النفعية، وطرق النقش والتصوير.

“وفهمه للاستعارة، أثّر في طبيعة فهم الصورة الفنية، التي تمثّل اتحاد ًا بين الأشياء لخلق جديد، ولا تحافظ على الحدود المتمايزة، وليس الهدف منها “المبالغة” (9) أو إثبات لمعنى لا يعرفه السامع من اللفظ، بل من معناه، كذلك الأمر الكناية، وليس فقط الاستعارة (10)
(1): رمزية الأقنعة والمرايا في صور العدالة لسعيد الصقلاوي

يمثل القناع شخصية تاريخية يختبئ وراءها الشاعر ليعبر عن موقف معين فيه، يهتز ميزان العدالة. والقناع لديه يشمل شخصيات شعرت بالظلم، ومنها: الإنسان العربي الواقع تحت نيران الحروب الداخلية، وقد ركز على الاختفاء وراء أقنعة معاصرة، عانت كثيرًا من شتى أنواع القهر والمتطلعة للغد المشرق والأفضل.
وفي قصيدة (إضاءة من الداخل)(11) ، يحاول االشاعر أن يلقي الضوء على التجارب الإنسانية التي عانت من القهر والبطش والحروب لا الإنسانية (كمبوديا /السند) الاستبعاد والاستغلال (إفريقيا)، ولا ينسى بالطبع الجرح العربي (بيروت) كإشارة للحروب الطائفية المتوالية نتيجة للتدخلات الأجنبية فيها. فالشاعر يحاول كما أسلفنا إلقاء الضوء على هذه التجارب الإنسانية المريرة، وهذه العذابات التي عانت منها الإنسانية بشتى ألوانها، لذا يبدأها بما عانت:

رغم التجهم، كاسيا وجه الضباب
رغم التصحر في الخلايا ناهشا

ونلاحظ أن عملية التماهي والذوبان لأنا الشاعر في أنا الشخصية التراثية تمّت ضمن القناع، ثم حدثت بعض الاختراقات في الجزء الأخير من القصيدة؛ عندما حضرت أنا الشاعر، وغابت أنا الشخصية، فجعلتنا ” إزاء قناع يفكر الشاعر في رأسه، ويرى بعينه، ويدرك العالم بحواسه (12)

“أنا طفل فلسطيني
أنا ما بينكم انسان
وفي عنقي تسمّر خنجر الأزمان
وعربد في جنان سعادتي الطغيان
وخلّفها كخيط دخان
أنا ما بينكم إنسان
ولا أبغي سوى العنوان
سوى وطني المشرد بين ظفر الغول والانسان
سوى أني
أحس بداخلي إنسان
فمن يدري ومن يسأل
وهل جفني نفك إساره أنوار المستقبل(13)
————————-
* بيروت – لبنان

حمل تطبيق آماد المجاني الآن

شاهد أيضاً

افتتاح معرض “هديل الحمام” للفنان مصطفى الفقي..الثلاثاء

عدد المشاهدات = 1034— القاهرة – آماد تحت رعاية ا.د. إيناس عبدالدايم وزير الثقافة، يفتتح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: