الرئيسية / مقالات الرأي / تنوع المناخ من معجزات الله في تلون خلقه (2)

تنوع المناخ من معجزات الله في تلون خلقه (2)

= 446

سارة طالب السهيل

بقلم: سارة السهيل *

كذلك تناول علماء المسلمين هذا التأثير للمناخ على طبائع الشعوب ومنهم أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي في كتابه ” التنبيه والإشراف” وتناول فيه بابا عن الرياح الأربع ومهابها وأفعالها وتأثيراتها وما اتصل بذلك من تقريظ مصر والتنبيه على فضلها وما شرفت به على غيرها يرى المسعودي أن الربع الشرقي للأرض يتميز بـ: «طول الأعمار، وطول مدد الملك والتذكير وعزة الأنفس وقلة كتمان السر وإظهار الأمور والمباهاة بها، وما لحق بذلك، وذلك لطباع الشمس وعلمهم الأخبار والتواريخ والسير والسياسات والنجوم. وأما أهل الربع الغربي، فـأهله أهل كتمان للسر وتدين وتأله، وكثرة انقياد إلى الآراء والنحل، وما لحق بهذه المعاني إذ كان من قسم القمر.

أما أهل الربع الشمالي الذي تقل فيه الشمس ويغلب عليه البرد فطباعهم وأمزجتهم وأحوالهم تتأثر بذلك. والأكثر من هذا فعملية الفهم والإدراك وطريقة الكلام هي نتيجة حتمية لغلبة مناخ معين في هذه المناطق: «قل مزاج الحرارة فيهم فعظمت أجسامهم وجفت طبائعهم وتوعرت أخلاقهم وتبلدت أفهامهم وثقلت ألسنتهم، وابيضت ألوانهم حتى أفرطت فخرجت من البياض إلى الزرقة ورقت جلودهم وغلظت لحومهم، وازرقت أعينهم أيضاً، فلم تخرج من طبع ألوانهم وسبطت شعورهم، وصارت صهباً لغلبة البخار الرطب ولم يكن في مذاهبهم متانة. وذلك لطباع البرد وعدم الحرارة ومن كان منهم أوغل في الشمال فالغالب عليه الغباوة والجفاء والبهايمة وتزايد ذلك فيهم في الأبعد فالأبعد إلى الشمال».

وفي ما يتعلق بأهل الربع الجنوبي ويقصد بهم المسعودي اصحاب البشرة الغامقة وسائر الأحابش فإن نوعية الرياح والهواء الموجودين عندهم تؤثر في بشرتهم وطباعهم ونفوسهم: «فاسودت ألوانهم واحمرت أعينهم وتوحشت نفوسهم وذلك لالتهاب هوائهم وإفراط الأرحام في نضجهم حتى احترقت ألوانهم وتفلفلت شعورهم لغلبة البخار الحار اليابس.

ناقل الكفر ليس بكافر هذا رأيه و ان اختلفنا معه

ابن خلدون

قسم ابن خلدون في نظرياته ” المقدمة ” الأقاليم إلى أقاليم معتدلة وأقاليم منحرفة ويربط بين المناخ كالهواء وأخلاق البشر مدللا على ذلك بسكان السودان، وقال «: “ولما كان السودان ساكنين في الإقليم الحار واستولى الحر على أمزجتهم وفي أصل تكوينهم كان في أرواحهم من الحرارة على نسبة أبدانهم وإقليمهم فتكون أرواحهم بالقياس إلى أرواح أهل الإقليم الرابع أشد حراً فتكون أكثر تفشياً فتكون أسرع فرحاً وسروراً وأكثر انبساطاً ويجيء الطيش على أثر هذه وكذلك يلحق بهم قليلاً أهل البلاد البحرية لما كان هواؤها متضاعف الحرارة بما ينعكس عليه من أضواء بسيط البحر وأشعته كانت حصتهم من توابع الحرارة في الفرح والخفة موجودة أكثر من بلاد التلول والجبال الباردة”.

ويقارن ابن خلدون بين سكان السودان وسكان مدينة فاس المغربية. فبينما يميل سكان السودان إلى الطرب فإن سكان فاس يجتهدون في الادخار بسبب الجو البارد الذي يسود في المنطقة: «ولما كانت فاس من بلاد المغرب بالعكس منها في التوغل في التلول الباردة كيف ترى أهلها مطرقين إطراق الحزن وكيف أفرطوا في نظر العواقب حتى أن الرجل منهم ليدخر قوت سنتين من حبوب الحنطة ويباكر الأسواق لشراء قوته ليومه مخافة أن يرزأ شيئاً من مدخره”.
ويرى ابن خلدون أن الأقاليم ذات المناخ المعتدل يكون فيها كل شيء معتدلاً بما في ذلك الفكر والتدين وتعج أرضها بالخيرات.

المناخ والشعر

اهتم المفكرين المسلمين بتاثير البيئة المناخية والجغرافية على الانسان في البيئة الصحراوية الحارة وعلى تكوينه الثقافي وكيف انها دفعتهم الى ابداع الخيال الشعري أبو إسحاق الزجّاج وهو ما أورده الجاحظ في كتابه “الحيوان”، حيث نظر أبو إسحاق الزجّاج إلى الظاهرة الشعرية كنتاج للبيئة الوحشية والخلاء التي أدخلت الوسواس إلى عقول ساكني هذه المناطق ودفعتهم إلى إلقاء شعر مليء بالاستعارات والصور الشعرية والخيال واختلاق الأحداث والقصص.

ويضيف أبو إسحاق الزجّاج أن تلك الظاهرة يتم توارثها من جيل إلى آخر بين سكان تلك البيئة. لكن أبناء تلك البيئة يحبذون اختلاق القصص ويقدرون من كان خياله/ كذبه أوسع : «ونشأ عليه الناشئ، وربى به الطفل، فصار أحدهم حين يتوسط الفيافي، وتشتمل عليه الغيطان في الليالي الحنادس- فعند أول وحشة وفزعة، وعند صياح بوم ومجاوبة صدى، وقد رأى كل باطل، وتوهم كل زور، وربما كان في أصل الخلق والطبيعة كذاباً نفاجاً، وصاحب تشنيع وتهويل، فيقول في ذلك من الشعر على حسب هذه الصفة… وما زادهم في هذا الباب، وأغراهم به، ومد لهم فيه، أنهم ليس يلقون بهذه الأشعار وبهذه الأخبار إلا أعرابياً مثلهم، وإلا عامياً لم يأخذ نفسه قط بتمييز ما يستوجب التكذيب والتصديق، أو الشك، ولم يسلك سبيل التوقف والتثبت في هذه الأجناس قط، وإما أن يلقوا راوية شعر، أو صاحب خبر.

فالبيئة الصحراوية تختلف عن البيئة الساحلية أو الجبلية والبيئة الريفية تختلف عن الحضرية فعن ابن عباس-رضي الله عنهما- قال: ﴿من سكن البادية جفا﴾ ما يدل على أن أهل البادية أو البدو يمتازون بالجفاء عكس ساكني المدن الذين نجدهم ألطف من الأعراب لما بطباع الأعراب من جفاء أيضا المناطق الجبلية معروف عنها قسوة المناخ نجد سكانهم يتصفون بالذات القوية القادرة على الصبر والمقاومة والاعتماد على النفس، وغيرها أما سكان المدن نجدهم يميلون إلى الانفرادية وسرعة الانفعال وبالتالي ينتج عنها اختلاف العقليات بسبب اختلاف البيئات.

وفي عصرنا الحديث لاحظ العلماء شيوع روح المحافظة والكسل لدى شعوب الجنوب الذين يمارسون لعبة الشطرنج في المنازل والاماكن المكيفة، في مقابل شيوع روح المبادرة والتمرد والنشاط البدني لدى شعوب أوروبا وشمال أمريكا الذين يميلون الى ممارسة الالعاب الرياضة في الهواء الطلق.

ويرجع المتخصصون ذلك الى تأثير الطقس، حيث يدفع الطقس البارد في الدول الغربية الانسان على الخروج والحركة من أجل الدفء والاستمتاع بضوء الشمس، أما في الشرق، فإن حرارة المناخ تدعو الناس إلى الاسترخاء وممارسة أعمالهم وهم جلوس لأن ارتفاع درجات الحرارة قد تمنع الانسان من الحركة المتزايدة حتى لا يفقد الجسم قوته وحيويته ويصاب بالاجهاد الحراري والإرهاق..

ويبقى الجو المعتدل دائما هو الأفضل وان كان من نظرية خير الامور أوسطها.

_____

* كاتبة عراقية.

حمل تطبيق آماد المجاني الآن

 

 

 

 

شاهد أيضاً

د. صوفيا زاده تكتب: “خواطر الحالم” تساعد علي “تحليل حلمه”!

عدد المشاهدات = 477— أدلر وكسبرج وميدر ويونج علماء يجمعون علي عدم سؤال المريض عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: