الرئيسية / منوعات / فكر وإبداع / “البيوت”.. قصيدة للشاعر محمد الغزي

“البيوت”.. قصيدة للشاعر محمد الغزي

= 1332

الشاعر محمد الغزي

مثل الخُيُولِ هيَ البيوتُ ،إذا مَضَى

أصْحابُها حَنّتْ إلىَ الأصْحَابِ

وتظلّ تشْكُو بعْدَ كلِّ ترَحّلٍ

وتظلّ ُ تشْقى بَعْدَ كلِّ غيابِ

للدّور أرواح ٌ سكن ّحجارَها

وخَفقنَ في الجُدْرَانِ والأبْوَابِ

وإذا البيوتُ فقدْنَ ماءَ حنينِها

أصْبحْنَ مَحْضَ حِجارةٍ وتُرابِ.

يا بيتَنا هذي السّنونُ تعاقبتْ

وأنا المُسَافرُ ما أرحْتُ رِكابِي

مازالتِ الأرْضُ التي ودّعْتُها

تغْفُو كمصْباحٍ على أهْدابي

بحقائبي خبَّأْتُ عطرَ حقولِها

وحمَلتُ طيبَ كرومها بثيابي

وحمَلْتُ درّاقَ الشَّمالِ وتينَهُ

وحَمَلْتُ ريحَ عَرائشِ الأعْنَابِ

وحَمَلْتُ ترتيلَ الكِتابِ بحيِّنا

وتوَاثبَ الأطفالِ للكُتّابِ

ومُنَمْنمَاتِ السّقْفِ فِي حجراتِنا

وزَخَارفَ الآياتِ في الأبْوابِ

وحملْتُ ضوْءَ الشّمْسِ بيْنَ دُروبِنا

وحَمَلْتُ صَوْتَ المَاءِ في المزْرَابِ

وحمَلْتُ رائحةَ الرّغيفِ بفجْرِنا

وحمَلْتُ صوْتَ اللهِ في المحْرابِ

وحَملْتُ أطيَابَ الثّمارِ بأرْضِنَا :

رُمَّانَ أيْلُولٍ ومشْمشَ آبِ

وحسبْتُنِي غادرْتُها فوجدْتُنٍي :

خبَّأتُ تُونسَ كلّها بثيابي

إنّي كبرْتُ معَ الحَمامِ ببيْتِنا

ومعَ النَّدَى والفلِّ والأعْشابِ

ومع الخُطافِ اليَسْتريحُ إذا أتَى

في كفِّ أمِّي بعْدَ طول غيابِ

أيامَ جُدرانُ البيوتِ جميعها

سَبّورتِي ودفاترِي وكتابِي

قد كنْتُ أكتبُ ثم أرْجعُ ماحيًا

ما خطّ في الجدْرانِ والأبوابِ

أيّامَ يمضي الطيرُ عنْ أعْتابِنا

ويؤوبُ بعدَ الفصْلِ للأعتابِ

لمْ تنْسَ هاتيك الطيورُ جميعُها

عنوانَنا منْ بعد طولِ غيابِ

أيّامَ أخْتي قد مَضَتْ عنْ بيْتِنا

منْ غيرِ أنْ ترْتدَّ بعْد ذهابِ

مثل الشّهابِ تلامَعتْ في ليلِنا

وفجاءةً كانتْ خَبَتْ كشِهاب ِ

هذي قنانِي عطرِها لمَّا تزلْ

فوقَ الرُّفُوفِ تضُوعُ بالأطيابِ

ووشاحُها مازالَ فوْق سَريرِها

وشريطها مازالَ في الدّولابِ

مازلتُ أبْصِرُ في المنازل صَوْتَها

وأرَى جدائلَ شعرِها المُنسابِ

وبكلّ رُكْنٍ فيه بعضُ طفولتي

وبكلِّ ركْن فيه بعْضُ شَبابي

وأشمُّ فوْق وسادِها خصْلاتِها

وعطورَ كفّيْهَا على الأكْوابِ

أمْشاطها منْ أصْدقاء طفولتي

وسوارُها الفضّيُّ منْ أترابي

ما زلتُ أمْضي للمنازلِ سائِلا ً

عنْهَا سُؤالَ الوَاثِقِ المُرْتابِ

أيامَ أحببْتُ الرَّبابَ ولم أبُحْ

في حيٍّنا يوْمًا بحُبّ رَبابِ

أنَّى لنَا أنْ نسْتهينَ بعهْدنا

إنَّ الهوَى ضرْبٌ منَ الآدابِ

أغربْتُ في عشقي ومثل قصيدة

عشْقي أنا ضربٌ من الإغراب …

العشقُ أنْ أُجْري الكلامَ مُكنّيًا

فإذا نطقتُ فمنْ وراءِ حجابِ

فارفعْ ستائرَ ما كتبتُ ملوِّحًا

تقرأ خطابًا خلْفَ كلِّ خطابِ

أشواقنا للضّوءِ يرجف لامعا

لم تخْبُ جذوتُها مع الأحْقابِ

أكبادنا للشوق قد خُلقتْ فمَا

فتِئتْ تكابدُ فرقةَ الأحْبابِ

إني لأخْجلُ أنْ أبوحَ بغدْرِهمْ

فأخبِّئُ الطعناتِ تحْتَ ثيابي

يا أيُّها الزَّمنُ الذي يمْضي ، أعِدْ

لي لمْجَتِي وحقِيبتي وجِرابي

وطيورَ حُنجرتي وغيْمةَ راحتي

وزهورَ مائدتي وماءَ سحابي

من يومِ أنْ أيْفعْتُ غابَتْ صُحْبتي

ما أوْحشَ الدّنيا بغيرِ صِحابِي

ونسِيتُ ألْعابِي بباحةِ بيتِنا

وبقيتُ محزونًا بلا ألعابِ

يا أيُّها الزمنُ الذي يمْضِي ، أعِدْ

طيْشي الجميلَ وخُذ جميعَ صَوابِي

تهْفو البيوتُ كما الخيولُ لأهلِها

وتحنّ مثل الخيْل للأصْحابِ

ويشُوقها كالخيْل كلّ ترحّلٍ

ويَهزّها كالخيْل كلّ إيابِ

إنّ البيوتَ وإنْ مَضَى أحْبابُهَا

لمْ تنْسَ يوْمًا خُلّة الأحْبَابِ

للدّورِ أرْواحٌ سكن ّحجارَها

وخفقنَ في الجُدْرانِ والأبْوابِ

وإذا فقدْنَ حنينَها وحُنوَّها

أصْبحْنَ محضَ حجارةٍ وترابِ.

———–

* شاعر تونسي

 

شاهد أيضاً

مريم الغامدية تكتب: إلى محطة اللقاء!

عدد المشاهدات = 42— اليوم..!! وفجر الرياض الحبيبة تنتشر في فضاءاتها أصوات المكبرات في المآذن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: