الرئيسية / مقالات الرأي / د. منى حسين تكتب: الوقف ..!

د. منى حسين تكتب: الوقف ..!

= 1948

د. منى حسين
د. منى حسين

كلفتنى الجامعة التى أعمل بها بحضور مؤتمر علمى بالإسكندرية ، فوجدتها فرصة فى الحصول على إجازة أسرية من زوجى وأبنائى ، خاصة أن موعد بدء العام الدراسى اقترب ، لأن أولادى مازالو فى مراحلهم التعليمية “الإعدادية والثانوية ” ، وساعتها لن أستطيع الذهاب إلى أى مكان، وسأعتذر أما الأن فلا عذر لى ،لأنهم فى الإجازة.

وتوجهت إلى محطة مصر لإستقلال القطار المتجه إلى الإسكندرية ، وحصلت على تذكرة بصعوبة ، وتمنيت أن يكون الكرسى الذى حجزته بجانب سيدة ، أأتنس بوجودها ، وكأن ربى استجاب لدعائى ، وتوجهت إلى مقعدى.

فرأيت إمرأة بجمال البدر ليلة إكتماله ؟، سبحان من أبدع رسمها ، صورة وملامح وعلى شفتيها بسمة ، وبعينيها إشراقة لو خلت منها الدموع ،تبدو عليها علامات الثراء ، بملابسها والمشغولات الذهبية التى تتزين بها ، رأيتها وكاد قلبى ينفطر لدموعها ، من أحزنك ؟ من أبكاكى ؟ فإقتربت منها علها تنطق ، أو تبوح عن سبب حزنها.

وأخرجت منديلا من حقيبتى ومددت يدى به إليها ، فنظرت إلى ، وسمعت نحيبها ، مؤلم أن ترى مثلها تبكى بهذه الحرقة ، وواسيتها ، حبيبتى لا شىء يستحق كل هذا الحزن.

– فقالت ردا قاطعا : ما يؤلم الشجرة أن يد الفأس التى تجهز عليها من خشب
– ففهمت أن من أحزنها جزء منها

وحاولت جاهدة أن أخفف عنها ، فرحلتنا طويلة معا ، من القاهرة إلى الإسكندرية ، وحزنها ألمنى وكلما حاولت تهدئتها زاد بكاؤها ، فاقتربت منها وضممتها لصدرى ، فخرجت عن صمتها وبدأت قصتها ،

كثيرا ما تفرض علينا الحياة ظروفا معينة ، ونرى أنها قدرنا وأننا سنثاب على صبرنا عليها ، فقد تزوجت من رجل لم أرض عنه ، وأكثر دقة رفضته حين تقدم لخطبتى ، لكن الكل تدخل ، إنه إبن ناس وطيب ، وكان ما كان وتزوجته ، وفى كل يوم لنا معا ، يتأكد إحساسى الأول بأنه غير مناسب .

وما هى إلا شهور قليلة ورزقنا بابننا ، لكننى كنت قد ضقت به ، وتساءلت لم لا ننفصل ؟ وكفانا من الكأس رشفة ، وأعلنت هذا وكما دعمه الآخرون قبل الزواج ، أكملوا ضغطهم على كى أعود ، وتحاملت على نفسى ، واتضح لى أنه لا مفر ، فهو قدرى وعلى أن أحتمله ، وقررت وقتها أن أنجب أبناءَ أعيش معهم .

وبالفعل عشت لهم ومعهم فى دراستهم وفى رحلاتهم ، وفى الذهاب للنادى وأصبحت أدور فى فلكهم ، لكنهم نجحوا فى إبعادى عن أقرب الناس منى حتى أمى ، فى كل يوم يختلقون المواقف لإبعادى عنها ، ناهيك عن زميلاتى فى العمل اللاتى إن ظهر رقم هاتفهن على شاشة هاتفى ، يعاجلوننى ” لا تردى إنها سوف تزعجك بحواراتها ” ، حتى جاراتى إن التقيت بهن صدفة فى المصعد أو طرقة الدور الذى اقطن به ، يسارعون فى طلبى ، أو يكذبون ليقولوا إن هناك تليفونا لك ، وهكذا .

وإستسلمت لأعيش فى فلكهم ، لكنهم بدأوا فى الإنفضاض من حولى ، كل فى مساره ، وحرمت حتى أن اشكو لأمى ، أو لإخوتى ، فربما يوشون بما أشكو به للاخرين ، حرصت على الحفاظ على صورتهم ، وصورة عائلتى ، لكنى ضقت بألامى ، وفى هذه الأونة مرضت أمى مرض الموت ولم أكن أعلم ، فوجدتنى أهرب إليها ، وأراعيها ، لكنى لا أشكو ، و لاحظت ما أنا به ،

وبدأت أمى فى التعاطف معى ، فقد كانت تشكو لمن حولها من أننى لا أزورها ، اليوم ترى أننى لا أستطيع النوم ، وأن أبنائى يثقلون كاهلى بطلباتهم ، فاصبحت هى من ترد عنى ،

وتقول إن ابنتى لا تستطيع النوم ، وبدأت فى تغيير ردود افعالها تجاهى ، وتستحسن ما أفعله لها ، وأدركت ساعتها أن واجبى تجاه أمى أهم ، فأبنائى كبروا وكفاهم ما أخذوه من عمرى وصحتى ومالى ، لكن إدراكى هذا جاء متأخرا ، فما هى إلا أسابيع ورحلت أمى ، وقتها شعرت أنى افتقدتها ،

على الرغم أنى لم اكن احملها همى ، حرصا عليها ، حتى لا تشعر بالذنب لما أوقعتنى به طيلة عمرى ، وأنها سبب ما عانيت منه سنوات شبابى ، وكفاها ما تتحمله من هم إخوتى ، وهى ترى صمتى ، لكنها أصبحت تبغضه ، وإن دعوتها لقضاء وقت عندى ، تعلنها أنها لا تستريح له ولا لوجوده ،

وتحاملت على نفسى وعشت مع أبنائى ، بعد أن ابعدونى حتى عن إخوتى ، لكنهم بدأوا حياة جديدة وتزوجوا ، فضقت بحياتى ، لقد تحملته لإجلهم ، وأديت رسالتى كاملة نحوهم ، تعلموا وشغلوا أرفع المناصب ، وتزوجوا من إختاروه ، كفانى ما تحملته ،

فأعلنت أننى أمضيت مدة عقوبة تجاوزت المؤبد ، وعليه يجب أن يفرجوا عنى ، فانا لا أستطيع استكمال ما بقى من عمرى مع هذا الرجل ، لكنى رأيت وجوها غير وجوههم التى كانت تأسرنى وتحولنى عن مسارى لإجلهم ، لم عبثوا بأوراقى وغيرها ، هل هناك شخص آخر بحياتك ؟ لا انت لست أم ،فأمنا ماتت .

أعلنوا وفاتى يوم طالبت بحريتى ونسوا أنى من وهبتهم حياتهم وحريتهم ، صدمة شقت صدرى ، فبت وعيناى تزرف الدمع ، أنا من ضحيت لأجلكم ، أنا من ضاع عمرى فى رعايتكم ، ماذا لو تركتكم له ، اسودت الدنيا فى عينى ، ضاع عمرى هدرا .

رمونى بأسباب غير التى أعلنتها ، كأننى أراه يتجسد فيهم ، هو من يحاكمنى أم من صنعتهم ، وبدأ هو فى التعاطف معى ، لكنى أصبحت لا أطيقه ولا أطيقهم ، حزينة أنا ، لكنه البكاء على اللبن المسكوب ، ضاع العمر ووهنت الصحة ، إنهم لن يتركونى حتى يحصلوا على أخر قطرة فى دمى ، لكن ماذا أفعل ؟

وإنهمرت دموعها مرة أخرى ، ربتٌ على كتفها ، وواسيتها بقول حق ، انت مازلت جميلة ورقيقة ، ودموعك هذه إجعليها دواء ، عودى لمسارك وإتركيهم ، وعيشى حياتك ، لن يضمد جرحك سواك ، أعلنيها إنك حرة ، اكسرى قيودك وتحررى ، هى حياتك عيشيها كما تريدين .

قلت هذا وفى قلبى حسرة ، كيف يقسو الأبناء على أمهاتهم ؟ يريدونهن وقفا لهم ، وإن أعلن رفضهن ينكرون عليهن ما قدمن فى سبيل تربيتهم ورعايتهم .
وضممتها إلى صدرى ، وجففت دموعها ، وفجأة بعد عراك فى صدرها ، هدأت كل الأصوات ، وأحسست بثقلها على صدرى وكتفى ، صرخت وإستثغت ، وجاء أحد الركاب ليتفحصها ، يبدو أنه طبيب ، ليقول لى البقاء لله ، لقد رحلت .

رحت أنظر لها ، هى من كانت تحدثنى وتشكو منذ ثوان ، لم يستطع قلبها تحمل قسوة أبنائها ، توقف قلبها عن نبض لا يٌحيى ، فقد أماتوها ، فتركت لهم الحياة ، ليهنأوا بها دون الأم .

شاهد أيضاً

د. منى حسين تكتب: اعترافات امرأة..!

عدد المشاهدات = 3307    المرأة هى الأم التى ترعى وتربى ، وتحلم دائما أن …

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: