الرئيسية / منوعات / فكر وإبداع / “اللقاء في الزوراء”..قصة للدكتور محمد الخضيري الجميلي
حديقة الزوراء

“اللقاء في الزوراء”..قصة للدكتور محمد الخضيري الجميلي

= 1243

محمد الخضيري الجميلي

في وسط حديقة الزوراء وتحت شجرة التوت وليس بعيدا عن البركة وبين زقزقة العصافير وهدير السيارات المارة في الشارع المجاور للحديقة ,جلست امرأة يبدو انها في الثلاثين من عمرها ,جلست على مصطبة خشبية . كانت قدماها مستقيمتان على اعشاب الحديقة ,واضعة حقيبتها بين قدميها . كانت تحدق بطفل يلعب بالكرة ,و تراقبه مليا ,كان الطقس ربيعا والساعة تلامس الظهيرة..

بدت المرأة محتشمة ومثقفة من خلال تنسيق الالوان في ملابسها , وتبدو حزينة بعض الشيءويلوح على وجهها علامات الحيرة , وفي الحديقة ايضا يجلس رجل في مكان آخر ,كان الرجل طويل القامة وشعره اسود على مايبدو من لون شعره كأنه قد استخدم اصباغ لشعره , بيده سيجارة مشتعلة كان يحدق بوجوه المارة لكن لم يكن يبدو على وجهه مايدل على انه كان يهتم كثيرا بما يرى ,كان مادا ساقيه وساندا ظهره الى المصطبة الخشبية..

نظر إلى أعلى واستنشق سيجارته وهو ينظر للأعلى وكانه يتنهد ثم دفع دخان سيجارته باتجاه السماء وكأنه يشكو حالة ما إلى ربه كان الملل ظاهرا على محياه ومن خلال حركات رأسه , كان الطفل صغيرا ولا يتجاوز عمره الست سنوات وكان يجري خلف الكرة التي تندفع أمامه ببطء ,فجاة سقط الطفل مكبا على وجهه..

قفزت المرأة من مكانها باتجاه الطفل وهي تصيح بصوت مخنوق (بسم الله.. بسم الله) ثم انتبه الرجل إليها ثم شاهد الطفل وهو ملقى على الارض ,فقفز من مكانه مهرولا باتجاه الطفل ايضا ,وصلت المرأة الطفل فرفعته من الأرض ,وكان الطفل باكيا والدموع تسيل من عينيه وقليل من الدم يسيل من بين اسنانه ,عانقت المرأة الطفل ,وهي على مايبدو خائفة على الطفل ومضطربة قليلا وتحدق في وجهه كأنها تبحث عن كدمات وتمسح دموعه بيديها وتصفف له شعره ايضا في نفس الوقت..

وصل الرجل إليهما وأخذ الطفل وقبله وهو يتلفت يمينا ويسارا كأنه يبحث عن ماء ليغسل وجه الطفل ,رأى نافورة الماء ,سألت المرأة الرجل ,هل هو ابنك؟ قال نعم سوف آخذه إلى النافورة لأغسل وجهه ,ذهب الرجل وابنه إلى النافورة ,لحقتهم المرأة على استحياء وكانت حيرانة بين العودة إلى مكان جلوسها وبين الذهاب مع الطفل وابيه , لكن عاطفتها نحو الطفل ساقتها إلى اللحاق بهما الى النافورة..

غسل الأب وجه طفله.. فسألته المرأة هل الطفل في المدرسة؟

أجاب الاب: نعم.. ولكن توفيت امه قبل شهور ,ازداد حزن المرأة على الطفل وزاد اهتمامها به ,اخذت المرأة الطفل وبدأت تغسل وجهه ,سكت الطفل عن البكاء ,فخيم الصمت عليهم جميعا ,ولم يتكلم احد منهم لبرهة من الزمن ,كان الرجل يريد ان يشكر المرأة على مساعدته ,فحاول ان يقدم لها بضع كلمات فأجابت مسرعة وقبل ان يكمل حديثه ,قالت انه ابني , قالت متلعثمة اقصد مثل ابني..

سألها الرجل: هل انت متزوجة ؟

قالت: كنت متزوجة قبل الحرب ,ولكن قتل زوجي في إحدى الغارات الجوية منذ عدة اعوام ,كان موظفا في معمل الحليب ,التفت الرجل اليها متمتما وبكلام متقطع ,وهل لديك اطفال؟

قالت: لا لقد قتل زوجي في الاشهر الاولى للزواج.

فقال لها الرجل وقد بانت عليه علامات البهجة تتخللها ابتسامة عريضة ممزوجة بالقلق والاضطراب ,وكأنه كان في انتظار هذه الاجابة منذ عدة شهور ,قال لها لنجلس تحت الشجرة.. طال الحديث بينهما عن الاطفال وتربيتهم واحتياجاتهم كانت المرأة بارعة بتربية الاطفال من خلال كلامها ,فسألها الرجل: هل انت موظفة ,اجابت انها معلمة في مدرسة ابتدائية ,عند الوصول الى الشجرة ..جلسا تحتها.. وطال الحديث بينهما.

(وللحديث بقية).

شاهد أيضاً

“ضَوْءُ الــنّـهَــارِ”..قصيدة للشاعر د. سعيد شوارب

عدد المشاهدات = 170— لـمَـاذا تأخَّــرَ ضَوْءُ الــنّـهَــارِ؟ ألـيْـسَ يُـفِـيـقُ إذا لَـمْ تُـفِـيـقِى ؟ أفِـيـقِى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: