الرئيسية / منوعات / فكر وإبداع / “بائعة المناديل”..قصة قصيرة بقلم د. منى حسين
مترو مصر الجديدة

“بائعة المناديل”..قصة قصيرة بقلم د. منى حسين

= 1815

د. منى حسين

كنت فى طريق عودتى إلى منزلى بعد أن مررت بعدة مكتبات لشراء بعض الكتب التى أحتاجها لبحثى كمراجع علمية ” إعلامية واجتماعية واقتصادية ” وغيرها ، وقد ركبت مترو مصر الجديدة ، ولأنه فى غير ساعات عودة أو ذهاب الموظفين أو المدارس والجامعات ، كان شبه خاويا ، فجلست على كرسى يسمح لى بإستقبال الهواء ، الذى ينعش كل ما بى ، ويطير شعرى ويذكرنى بحركاتى الطفولية ، جلست أرقب حركة السيارات ، والبائعين المتجولين ، وتنوع السلع التى يبيعونها..

وفجأة جلست أمامى فتاة يتراوح عمرها ما بين 12 و14 سنة . وخبأت ما بيديها فى كيس بلاستيك ، ونظرت لى وكأنها تتفقد ملابسى وشعرى ونظارتى الشمسية ، وبدا عليها أنها ستطلب منى أن أخلعها لتلبسها .

عيناها بلون البحر تميل نحو الخضار تتحدث عما بداخلها وثيابها تشبه ثياب البيت ، وسمار وجهها يدلان على تعرضها للشمس لفترات طويلة ،وحالها العام ينبىء عن بساطتها ، لكنها تظهر عكس ذلك تماما .

وبعد حملقتها فى لفترة طويلة وإبتسامتى لها ، بدأت الحوار معى ، وحدثتنى عن نفسها وعن والدها ووالدتها وأخواتها ، تتحدث بثقة شديدة بالنفس ، وبدأت تسألنى عن عملى وعن أسرتى ، وكأنها تتعرف على لنبدأ معا علاقة صداقة ، وهى فى عمر أبنائى أو تتمنى أن تكون إبنتى ،
لكننى بدأت بحوارها ،” هل تعرفين القراءة والكتابة ”
أجابتنى لا ،
وأخواتك ،
قالت جميعا لم ندخل المدرسة ،

ووالدتك قالت إنها بالمنزل تعد لنا طعامنا وتنظف المنزل ،
ووالدك إنه أرزقى يبيع أدوات كتابية فى وسائل المواصلات العامة ، ومرات يبيع ولاعات ، وكل مرة يبيع سلعة مختلفة .

سألتها لماذا لم تذهبى للمدرسة ،
قالت أنا لا أحب الذهاب للمدرسة ،
وركزت قليلا فى الكيس الذى تحمله ، فإكتشفت أنها ” بائعة مناديل ” ، لكنها أرادت أن تتخلى عن نظرة الشفقة فى عين الركاب ، وأنها قررت أن تجرى حوارا معى ، بلغة تميل إلى لغة الطفولة ، لكنها تتجاوز الفارق السنى بيننا ، وتود لو أرسلت رسالة مفادها ، إنها ستكون مثلى عندما تكبر ،

فنظرة الإعجاب التى تلاحقنى بها تتمناها لنفسها ، وعندما أدرنا الحوار معا ، أحست بأننا متماثلتين لا فرق بيننا سوى سنوات ، ربما بعمرها القادم تكون مثلى ،

ليتها تحقق ما تمنته ، لكنى فى حيرة تامة ، هل أشترى منها المناديل التى أخفتها عنى ؟، سأكون قاسية لو أشعرتها أنى أعلم هذا ، وهل سيكون هذا محرجا لها ، أو مقللا من شأنها ، أم أتجاوز إدراكى وأكمل الحوار معها فقط ؟

أكملت الحوار لكننى تعمدت أن أترك مبلغا من المال على الكرسى ، حتى لا أجرح مشاعرها ، ونهضت حين وصل المترو محطة غمرة ، ودعتها ونزلت وأنا أرقبها ،

وأرقب نشوتها وسعادتها بحوارها معى وبالنصائح التى أسديتها لها ، وما أن تحرك المترو وجدتها تشير لى بالنقود التى نسيتها على مقعدى ، فأشرت لها أن تاخذها ، فإبتسمت على إستحياء ، وشكرتنى بإيماءة من رأسها .

شاهد أيضاً

“ضَوْءُ الــنّـهَــارِ”..قصيدة للشاعر د. سعيد شوارب

عدد المشاهدات = 169— لـمَـاذا تأخَّــرَ ضَوْءُ الــنّـهَــارِ؟ ألـيْـسَ يُـفِـيـقُ إذا لَـمْ تُـفِـيـقِى ؟ أفِـيـقِى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: