الرئيسية / الثقافة والفنون / ثقافة وأدب / مسرحية تلاشي لعمار اللطيفي: وجع الأنا في ثنايا الوطن

مسرحية تلاشي لعمار اللطيفي: وجع الأنا في ثنايا الوطن

= 1534

تونس – نورة البدوي

ندخل الى مسرحية ” تلاشي” فنستقبل بانطفاء الاضواء ليبقى ضوءا خافتا يسلط مركزية اضائته على المسرحي عمار اللطيفي، يبدأ اللطيفي بسرد حكايته مع المرض الذي اصاب عينيه و يسمى بتلاشي.

تدعم سينوغرافيا الاضاءة بالموسيقى لتولد بيئة مسرحية تتلائم و مسار العرض الذي اختاره مخرجنا ليبلغنا به حكايته و يشاركه اياها الجمهور. بهذه التركيبة او التوليفة تكون بداية العرض المسرحي و كانها مكونات اعتمدها اللطيفي ليكتمل السرد في المسرح و يوثق لهذه المونودراما التي تنطلق من الانا.

السرد في هذه المسرحية لا يستمد كينونته من اقتباس لنصوص او روايات او قصة انما يستمد وجوده من سيرة ذاتية للمسرحي و المخرج عمار اللطيفي ” ان هذا العرض المسرحي هو سيرة ذاتية، فلقد تساءلت كثيرا لماذا لا انطلق من حكايتي لانجاز عرض مسرحي لماذا اذهب للاقتباس و انا اعيش حالة مرضية يمكن بتحويلها الى سيرة ذاتية قادرة ان تكون حالة فنية على خشبة المسرح”.

سيرة ينطلق فيها اللطيفي من حكايته مع مرضه الذي اصاب عينيه و هو طالب في الجامعة يدرس لغة روسية سنة 2008 ويغوص الوجع اكثر في اعماقه عند تنقله بين الاطباء من الجنوب الى الشمال الى الساحل كي يجد في النهاية طبيبا يفسر له نوعية المرض الذي يشتكي منه.” فهو مرض يصاب به اناس كبار في السن، وعندما يصاب به الشباب فهي تمثل حالة نادرة ، و انا حالتي في هذا المرض لم يجد له الاطباء حلا بعد “.

وجع نقله اللطيفي لنا مسكون بوجع الوطن، اذ يلقي بتلاشيه الذاتي الى ما يعيشه الوطن من تلاش هو الاخر في عدة مجالات اقتصادية ثقافية امنية تعليمية ، يطرح مخرجنا عدة اسئلة مباشرة و غير مباشرة يسأل القدر : لماذا اختاره هو بعينه ليعيش مرافقا لهذا المرض الذي نهايته العدم ” ربما”؟ يعود بنا الى بيئته البسيطة ينقل صورا مما تعيشه منطقته من تهميش ؟ يسرد لنا كيف اصبحت علاقته بالكتب من خلال مرضه فهو اصبح يؤدي عليها مجرد القسم …يرصد لنا كيفية التعامل مع ذوي الحاجيات الخاصة و مدى دعم الدولة لمشاريعهم الثقافية. استفهامات مسكونة بحيرة الانا المتلاشية المترامية بين الوطن و المواطنة.

من خلال هذا الطرح نتسائل اية اساليب اعتمدها مخرجنا لينقل لنا هذه الفرجة المسرحية ؟ و أي نوع من الخطابات وجهها للانسانية؟

السخرية السوداء:

يعتمد اللطيفي هذا الاسلوب في عرضه المسرحي تلاشي فيجمع بين خطابين في بعديهما التراجيدي و الكوميدي بهدف النقد الذي ينطلق من وضعيته المرضية ليشمل فيما بعد نقد المجتمع بمختلف تفاصيله.

معتمدا في ذلك على نقل وضعيات من واقعنا مشحونة بالسخرية و الهجاء و الهزل و كلها مثيرة للضحك و البكاء في ان واحد في هذا الاطار يقول اللطيفي ” لا اريد ان اكون في منطق الذي يشتكي من حالته المرضية اردت استخدام هذا الاسلوب من الكوميديا الساخرة الباعثة للضحك و لكن في الان نفسه باعثة للسؤال عن وضعية بلادنا و عن العلاقة التي اصبحت تربطنا ببعضنا، فالمسرح لا يجد حلول و انما يوقظ فيك ما نعيشه من مشاكل”.

يختزل مخرجنا وضعية الانا في الاخر من خلال الكوميديا و الحوار و الموقف .. لتشترك كلها في تقديم نظرة جمالية فنية اثث بها الفرجة المسرحية بما يتناسب و مسار عرضه الذي أيقض فينا كل التناقضات الشعورية كسرده لمواقف مضحكة من خلال انه اصبح يلقب ب” سي ارنب ” نظرا لاشترائه الجزر بصفة مستمرة عله ينقذ نفسه من وحشة المرض ، او التجاء والدته الى التبارك بالزوايا و اعتمادها للاعشاب من اجل ان يعود بصره كما كان… و غيرها من الحالات و المواقف المضحكة ظاهرا الباعثة للبكاء باطنا.

لقد دعم اللطيفي الاداة التبليغية بالمؤثثات السينوغرافية التي اضافت فرجة مسرحية متكماملة و لعل ابرزها الاضاءة.

دور الاضاءة:

لقد اضافت الاضاءة لغة بصرية في الجو الدرامي الذي قدمه مخرجنا على خشبة المسرح، لتكون خافتة و ساطعة و مظلمة احيانا و هذا التوظيف لم يكن اعتباطي بل كان مواكبا لتنقلات اللطيفي من موضوع الى اخر و من تساؤل الى اخر وفق ايقاع اضاءة الضوء .
التي تترادف كلها في تنقل المتفرج الى عوالم و افكار و تساؤولات اللطيفي .

ففي مشهد الاضاءة بين ضوء خافت و مظلم يسأل مخرجنا “اشعل و الا اطفى” كي تتضح رؤيته لمرضه ” لا ادري الى اين يمكن ان ياخذني هذا المرض .. يمكن ان افقد البصر كليا و يمكن ان يجد الاطباء حلا له.. و لذلك استعملت هذه التقنية من الاضاءة الخافتة و الساطعة في ان واحد.”

الكوريغرافيا:

لم يخف اللطيفي هذا التعبير الدلالي الصامت الصارخ لرقصات الجسد و فق موسيقى من اختياره لنجد حركات بين الانعتاق و الخوف بجسد مستقيم و منحني و دائري و كانه يرسم علاقة بصرية شعورية مع المتفرج، من خلال هذه الاداة التعبيرية التي اختزل بها مخرجنا الكلمات ليقدمها بايجاز بلغة كثيفة قدمتها حركات الجسد وفق موسيقى تحمل من الايقاعات الوان متنوعة تنوع نبض الحياة و نسقها بايقاعاتها المنتظمة و غير المنتظمة التي يكتنفها السؤال و الحيرة من المستقبل .

خطابات لترميم الانا

تتجمع كل هذه المؤثتثات لتشكل الخطاب المتكامل في مسرحية تلاشي و كانها ترميم للذات في الاخر، بعالم منشود يقودنا اليه المسرح يفتح ابوابه بلغة اللطيفي على كل مشاكلنا الاجتماعية و الاقتصادية و التعليمية و التثقيفية .. و كلها تندرج في علاقة كل منا بمحيطه الداخلي و الخارجي .. هذه العلاقات الانسانية التي تحتاج هي الاخرى الى ترميم وفق مخرجنا رغم التلاشي الذي يعيشه كل منا.

شاهد أيضاً

الفنانة زين عوض ضيفة شرف مهرجان “ضيافة” في دبي

عدد المشاهدات = 454— دبي – آماد بحضور لافت ، برزت النجمة الأردنية زين عوض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: