الرئيسية / منوعات / فكر وإبداع / “سأعلن قراري”..قصة قصيرة للدكتورة منى حسين

“سأعلن قراري”..قصة قصيرة للدكتورة منى حسين

= 1463

د. منى حسين

ذهبت إلى النادى لأخذ قسط من الراحة من نصف يوم عمل ، سيتبعه نصف آخر يحتاج منى إلى تركيز فهى اجتماعات هامة ، وفى نفس الوقت أتناول فنجان القهوة التركى الذى ينبه خلايا عقلى حتى أستطيع إستكمال الحوار وإتخاذ القرارات.

جلست وبعد فترة وجيزة حضر شاب وجلس على منضدة مقابلة لمنضدتى ، وما هى إلا دقائق ووجدته ينهض منتفضا للترحيب بفتاة رشيقة أنيقة وتعانق يداه يداها.

لم تفترق يداهما حتى أجلسها، وإن إنتقل العناق إلى نظرات تنسج خيوطا من الحرير ذى البريق، تكاد عينى لا تميز ما حولها من نظراتهما ، أحسست ساعتها أن قلبيهما تمركزا فى هذه النظرات وتعانقا ، وأفلت يده من يديها ليعطيها وردة حمراء تسر كل من يراها ، لتعلو البسمة شفتيها وتقبلها وتلين يداه كأنها قبلته هو ، إنها ملامسة يديه إنها رمز لحبه.

كل هذا وأنا أرقبهما ، إنه الحب ، كم يرقى بالمشاعر.

فأنا الآنسة ذات الخمس والثلاثين عاما ، أقسم لو أنى رأيت شابا يفعل معى ما فعله هذا الشاب لما ترددت لحظة فى الارتباط به ، مهما كانت ظروفه المادية والاجتماعية.

فقد تقدم لخطبتى رجال كثر ، لكنهم كانوا يهتمون بتفاصيل فى غالبها مادية ، وإتفاقات وتفاصيل فى عقد الزواج وفى قائمة المنقولات ، حتى فى حفل الزفاف ، وقضاء شهر العسل ، كلها مراسم ، كلها إتفاقات ، ينقصها أهم ما فى هذا الإرتباط ، ينقصها الحب الذى إرتسم بين الجالسين أمامى.

إنها رحلة المشاعر والأحاسيس ، التى تبنى عليها حياة ، بها ما بها من إيجابيات وسلبيات ، رحلة عمر وإرتباط حتى نهاية الحياة .

وها هو زميلى فى العمل حمدى ، أعرب عن حبه لى ، وألمح إلى أنه يريد أن يتقدم لخطبتى ، وأنه فى أقرب وقت سوف يزورنا فى منزلنا ، لكنى لم أر فى عينيه لمحة الحب التى رأيتها فى عينى هذا الشاب.

لم يقدم أبدا على إحضار مثل هذه الوردة لى ، لم أر فى عينيه نظرات الشوق والفرح حين يلقانى ، لم يشعرنى أبدا أنه يحبنى.

لكنه أعلن أنه سوف يتقدم لخطبتى ، وأن لديه شقة فارهة فى حى راقى وسيارة أحدث موديل ، وملابسه فى معظمها ماركات عالمية “براندات” ،، وأنا مثله فى حالتى المادية ، وأيضا أمتلك من العقارات وسيارة حديثة ، ولى بعض الثروة وأسرتى تضاهى أسرته ، كما إنه يضاهينى فى العمل ، وهو أيضا من عائلة محترمة.

لكنه لا يعرف كيف يحاور إمرأة ، مازلت فى حيرة من أمره هل أقبله ، أم أبلغه إعتذار أسرتى عن إستقباله لرفضى له أو لرفضها له.

وعدت أنظر ثانية إلى الشاب والفتاة لأرى حديثهما الذى يشبه الهمس ، وعناق يديهما ، ولاحظت أن الفتاة بدأت تنظر فى ساعتها ، وتشير إلى حبيبها أن هناك من ينتظرها ، ربما أسرتها تتعجلها ، أو ربما إستأذنت منها للقاء صديقة لها.

فهى تبدو طالبة جامعية ، وصديقها يبدو أنه حديث التخرج ، والفارق بينهما لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة فى السنين ، نهض ليودعها ، وفى عينيهما بريق وإشتياق قبل أن يفترقا ، ودعها ، لكنه إنتقل ليجلس مكانها ، وكأنها تركت بمقعدها ما يؤنس وحدته ، رائحتها وبصماتها ، كأنه يتحسسها.

وأنا مازلت أرقب وأحلم بما حدث بينهما ، وبعدها إنصرف هو الآخر ، ولم أجد فى المكان بعد رحيلهما ، من طيفهما ما يؤجج مشاعرى ، خلا المكان من دفء الحب الذى نثراه به ، وأصبح باردا بالرغم من أننا فى وقت الظهيرة ، والشمس ساطعة تنشر ضوءها ودفئها ، إلا أننى أشعر بالبرد.

طلبت من النادل أن يحضر لى فاتورة الحساب ، ومشيت وذهنى شارد ، ماذا سأفعل مع حمدى؟ أقبله وأعدل في طباعه ، أم أزرع فيه مشاعر الحب ، هل سأنجح أم أنه من الصعب تغيير الآخر ، خاصة أن الإحساس يولد به الإنسان ولا يكتسبه من إرشادات أو توجيهات.

إن كان به إمكانية لقبلته ، لكنه لا يعرف العاطفة التى تؤجج المشاعر ، والتى تفيض بها العيون وينقلها سلام الأيدى.. والبسمة المرسومة، قرارى قد حسم ، أريد الوردة والإحساس ، أريد نظرات الشوق ولمسة اليد ، سأرفضه.

شاهد أيضاً

د. منى حسين تكتب: وجوه..!

عدد المشاهدات = 3956— في خضمِّ يوم عمل طويل وشاق، جلست على أريكة بمكتبي، لألقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: