الرئيسية / مقالات الرأي / تهى العبري تكتب: موقعك من الإعراب… أين؟ّ!

تهى العبري تكتب: موقعك من الإعراب… أين؟ّ!

= 2785

تهى العبري

تعوّد أن تعطي نفسك وروحك وعداً بأنك سوف تسعدها كل يوم، اعتبرها الصديق القريب، لا يهم بماذا وكيف؟ مُجرد أنكَ بصحة وقادر على أن تقوم من سريرك بنفسك وتأكل طعامك وتقضي حاجتك بنفسك فهذه سعادة، ما دمتَ تحيا وترى أهلك وأحبابك حواليك من دون مشاحنات، وبقلوب نقية فهذه سعادة، وما دمت قادرًا على تنفيذ عمليتي التنفس (الشهيق والزفير) فهذه سعادة أيضاً. ما أجملها من سعادة قد تمتلكها ويتمناها غيرك! ليس بالضرورة أن تكون السعادة في مال أو منصب أو رفاهية وغيرها، فهناك أمور قد يراها البعض تافهة لكنها سعادة للنفس والروح ما دامت تبعث الإيجابية وتُقشّع السلبية من داخلك، أنت فقط من يُحدد.

استيقظ صباحاً واجلس في مكان تعشقه وليَكُنْ في زاوية تُطّلُ على منظر أوراق الأشجار وترى حبات الندى كاللؤلؤ لامعة لمعانقتها أشعة الشمس، واحتسِ الفنجان الذي تعشقه من القهوة أو الشاي أو العصير أياً كان، فمع كل رشفةٍ أضِف عليها قُبلةً من الحُب، لتتأصل في داخلك وتُحب نفسك أولاً ثم اروه للآخرين، فنفسك تستحق أكثر، وإن كنتَ من مُحبي الاطلاع أمسك كتاباً مهما يكن يجذبك واقرأْه حتى لو كان وُريقات، فذلك اليوم كفيل بتغيير مزاجك وبعث طاقة ملؤها نشاط وحيوية وأهمها سعادة.

ولكن قدْ لا يكتملُ يومكَ هكذا سعيداً بهذه التفاصيل واللحظات الجميلة، فالذباب يحومُ على أجمل الطعام ولا يبالي بما هو موجود في الزبالة، المهم أن يحصل على ما يريد، وفوق هذا سيأخذه بطريقة رديئة ومؤذية حتى لو كان في يدك سيهاجمك ويُزعجك بطريقة تُحاول التخلص منه. قد تقابل أُناسًا فمنهم من يُسعُدك ومنهم من يؤذيك، هكذا هم مختلفون الذين نقابلهم في حياتنا، فهم ليسوا مَلائكة، هم بشر ولكنهم متغايرون ومختلفون بعقليات وشخصيات قد نتعب في تصنيفها، وليس مهما أن نقوم بتصنيفهم فهم هوامش في حياتنا ولكن تَعَلّم كيف تتعامل معهم؟ ليس لأجلهم بل لروحك ونفسك حتى تحفظها منهم من الأذى والجرح والحزن والحقد والمذلة، فليس لهم الحق. تخيّل أنك أنزلت الدلو بحاجة الماء في بئر ماء خالطه الوحل والطين لقلة الأمطار، وتحاول أن تُصفي الماء من هذا الطين والوحل وتنتقي الصالح منه، هكذا تعامل مع الناس اِنتقِ منهم من تُريد وعلى الباقي السلام.

فالناس صنفان مختلفان بأساليبهم ومزاجهم وتقلباتهم قد تتأقلم مع بعضهم وتنفرُ عن آخرين، وقد تقترب وترتاح من فئة وتتحذر من أخرى، وقد تظلمُ نفسك بمنحك أُناس قيمة فوق مكانتهم، وقد تظلم بعضهم بسوء ظنك فيهم من القيل والقال أو الحكم من مظهرهم وتتفاجأ فيهم عند معاشرتهم بطيب أصلهم ودماثة أخلاقهم ومواقفهم الفذّة عند الشدة، فالمعرفة بالمعاشرة وليست بالفتن والكلام المنقول من حاقد وحاسد. كُن دائماً حذراً وذا ذوق وانتقاء لمن تُصاحب، فهو سيكون اسمك وسمعتك ومكانتك ودليلك في الشدة والرخاء، ” فاخْتَر لقلبك من يليق بك”.

ماذا عن الفئة الأخرى التي تُكَشّرُ عن أنيابها الخادعة التي تكون كالحمل الوديع الذي يرتجي رحمة وشفقة ومحبة؟ هؤلاء يكونون بقناع مُزيّف عليه ألوان قوس قزح الذي تُغريك ألوانه الجذابة، وعندما تأتي الشدة والحاجة ينزعون قناعهم وترى القناع الحقيقي الذي بقِي مخْفِياً لفترة ما، فكُن مستعداً للصدمات، هؤلاء في نظري ممن ينطبق عليهم القول ” القليل من التجاهل يُعيد الإنسان إلى حجمه الطبيعي”. تخيّل أنك في كومة قش وتبحث عن إبرة، هنا بين هؤلاء الناس ابحث عن نفسك وذاتك فهي أغلى ما تملك تذكّر دائماً، حاول أن تمتلك الروح الإيجابية وسط هذه التعاملات والتقلبات المختلفة” لاتَكُنْ مزاج أحد ” فقط كُن أنت” وإن كلّفك أن تكون صديق العُزلة والخيال. وظّف مزاجك لما ينفعك ليقرأ وليتعلم وليكتب، لا تجعله مُلك شخص يُعَكره ويُبَدِدُه. ولا تكُن في مصطلح “الاحتياط” أو ” المصلحة” كُن أنتَ نفسك أو لا تَكُن، وحدّد موقعك من الإعراب.

اِرِفق بنفسك وروحك وغَذّها بما ينفعها، وكن الأفضل في أي معركة أو صراع تدخله مع أي شخص، والأهم إن خسرت لا تتحسر، فقط خُذ الجانب الإيجابي واترك في قلبك كل جانب جميل كان بينكم وإن كانت معركة قاسية، لا تكُن مع نكران الجميل وإن كان قليلاً، واذكر أجمل الذكريات وألطفها ليبقى قلبك نقياً لامعاً بالسخاء، فالعقليات مختلفة في العلاقات والمشاكل قد تظهر لأتفه الاسباب أياً كانت اجتماعية أو عاطفية أو في العمل، حاول أن تكون الأفضل في كل مرة لتجد أفضل الحلول، وإن تقطّعت السبل فاتركها مع الأيام وبالأخص إن كنتَ على يقين أن روحك لم تُخطئ فلا تُرهقها، فكثيرٌ من الناس لم ولن تفهم المعنى الحقيقي للعفوية والبراءة حتى في الحديث ولا تُفرّق بين المزح والجد، وبالتحديد الشخص الأناني والمتمرّد ، لذلك ” في حق ذاتك كُن عزيز النفس”.

لا تُرهق قلبك المُرهف، الحياة أمامك مليئة بجوانب وزوايا جميلة لتكمل وتستمر وتتعايش، دائماً انظر لكل موقف أو مشكلة تواجهك بشكل إيجابي حتى تخرج من السوداوية التي تسيطر على قلبك وعقلك، فما وراء السلبيات الا أمراض العصر كالقلق والاكتئاب والوحدة، وطرق السعادة كثيرة إن أُغلق باب تَفَتّحت أبواب كثيرة، تجاوز كل عقبة نفسياً بنفسك حتى تستمر. ولا تربط نفسك ومستقبلك بشخص وإن كان أقرب الناس إليك، فالذي سيدرس ويسعى ويعمل ويفكر ويتعثر ويقاوم ويُشجع نفسه بنفسه ويقوم مرة أخرى ويستمر هو أنت، وليس الذي تسعى لإرضائه. الحياة مرتع جميل لمرة واحدة، وروح واحدة، ولن تتكرر، عِشها كما يجب في حدود المتعارف عليه وبما يُرضي الله ونفسك ووالديك، فالحياة الأخرى والأخيرة ستكون وحيداً لا صديق ولا أنيس ولا حبيب، هناك فقط مع نفسك وستكون أنت نفسك مع كتابك الذي تسجّل طوال فترة بقائك في الحياة الأولى، فاصنع الجميل تحصد ما تريد.

وعلى خُطى الراحل (أحمد الفقي):

“عِش كُل لحظة كأنها آخر لحظة في حياتك، عِش بالحب، عِش بالإيمان، عِش بالكفاح، عِش بالحب لله سبحانه وتعالى، وقدّر قيمة الحياة”.

شاهد أيضاً

“بلا قيود”…زواج على ورق سوليفان!

عدد المشاهدات = 1749— بقلم: د. منى حسين أنا الآنسة مها تجاوزت الخمسة وثلاثين عاما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: