الرئيسية / الثقافة والفنون / ثقافة وأدب / الكاتبة جوخة الحارثي: نكتب انطلاقا من ذواتنا..وهذا ما يصنع الأدب
جوخة الحارثي تحمل جائزتها والرواية الفائزة

الكاتبة جوخة الحارثي: نكتب انطلاقا من ذواتنا..وهذا ما يصنع الأدب

= 4860

حاورها: عبد الرزاق الربيعي

المعروف عن الكاتبة جوخة الحارثي أنّها قليلة الكلام، زاهدة في التعاطي مع الصحافة، ووسائل الإعلام، ولا نكاد نراها إلّا في المناسبات الخاصّة، منصرفة للكتابة، والبحث، والدرس الاكاديمي بجدّيّة كبيرة، وقبل سنوات بعيدة، خلال تحضيرها للدكتوراه، أجريت معها حوارا نشرته في مجلة” دبي الثقافية” وكتابي” خيمة فوق جبل شمس”، واحتفاء بفوزها بجائزة “مان بوكر” العالمية عن روايتها “سيدات القمر”..أعيد نشر الحوار تذكيرا بمنجزها..

عندما نصف ( جوخة الحارثي) بالقاصة تتحفظ على هذا الوصف، وتفضّل وصفها (كاتبة) لأن هذا الوصف أشمل، وأعمّ، برأيها ذلك لأنها تكتب القصة، والرواية وتمارس النقد، ولها بحوث أكاديمية، والكاتبة جوخة حاصلة على ماجستير في اللغة العربية والدكتوراه من المملكة المتحدة ، فازت مجموعتها القصصية الأولى ( مقاطع من سيرة لبنى اذ ان الرحيل ) في مسابقة الشارقة للابداع عام 2001 وصدرت لها رواية (منامات) عن المؤسسة للدراسات والنشر عام 2004 م كما أصدرت هذا العام مجموعتها القصصية (صبي على السطح) عن دار أزمنة للنشر ,ولها قيد النشر كتاب بعنوان( ملاحقة الشموس :منهج التأليف الأدبي في كتاب خريدة القصر وجريدة العصر للعماد الأصفهاني )
اضافة الى اسهامها مع مؤلفين آخرين في تأليف كتاب (دراسات في أدب عمان والخليج) ,تعمل بهدوء ,واضعة مسافة معقولة بينها وبين الحياة الثقافة ، فلا تبتعد عنها ولا تنغمس بها هذه المسافة تمليها علاقتها بالكتابة وحرصها على التميز..

* كيف اهتديت الى طريق الكتابة؟

الشرارة الأولى كان صوت أمي، وهي تحكي لي وإخوتي في ليالي الشتاء عن الأجداد الشهداء والأولياء والأئمة، عن رحلات الحج على الجمال، وصوتها يرتفع بإنشاد الشعر وهي تطبخ أو تخيط, يديها قابضة على كتاب الأغاني والعقد الفريد كما تقبض على الأطفال الهاربين من واجب الاستحمام أو قراءة سورة الكهف يوم الجمعة, النشوة التي ملأت الطفلة وهي تتخيل العالم الكبير في الخارج, المليء بغبار حروب عنترة وعيني عبلته, وحزن أمه, وعجب المتنبي, وذوب قيس, وجهاد الأجداد وشجاعتهم الخارقة…
هكذا تشكل وعيي في هذا الحضور المهيمن للغة باعتبارها أرفع هبات الكائن، وهكذا اندفعت للقراءة ومن ثم للكتابة.

* لماذا تهتم قصصك في المجموعة الأولى “مقاطع من سيرة لبنى إذ آن الرحيل” برسم العوالم الجوانية للشخصيات، ثم تعمق هذا الاهتمام في مجموعتك الثانية “صبي على السطح”؟

لأني أعتقد أن الحركة الظاهرية للناس في الحياة هي الجزء الظاهر من جبل الثلج العائم، أما الجزء الغاطس، حركتهم الداخلية، الجوانية إن شئت، هو الأكثر أهمية، والأعمق بطبيعة الحال، وهو ما أعنى به.

* ولماذا الانشغال على مستوى القصص والرواية بعالم الأحلام؟

القدرة على الحلم هي التي تميز الانسان، الحلم هبة، لكننا، للأسف، في كثير من الأحيان نعطل هذه الهبة، نتجاهلها، نميتها، وهي من أجمل ما وهبنا. الحلم يجعل الحياة الواحدة حيوات كثيرة، ونصوصي تحب الحلم. الحلم هو الطاقة التي تمد نسغنا بالحياة.
لماذا تلحين في بعض النصوص على المفردات المادية المحايدة، فهل ازدحام نص مثل نصك” في مديح الحب” بهذه المفردات مقصود أو له دلالة؟
طبعا لهذا دلالته. إنه بالضبط كما لاحظت مقصود تماما.
مقصود في هذا النص أن تتخلى اللغة عن المشاعر لصالح الأشياء.
أن تتخلى عن الشعرية لصالح الموضوعية.
أن يصبح جسد الانسان الذي يباع للمشرحة، أو يولم به في الحروب، مباحا لتشريح قلم عاشق.

* أفرزت السنوات الاخيرة مجموعة من الاسماء الفاعلة في القصة العمانية كيف تقيمين هذا الحراك؟

لا أزعم أني قد قرأت كل ما المنجز الأدبي للكاتب العماني عبر مسيرته، فهذا المنجز –كما ترى- يشمل أشكالا مختلفة ومتجددة، ولكني أستطيع القول- من خلال ما أتابعه- إن الكاتب العماني قد حقق حضورا لافتا على الساحة الأدبية، واستطاعت بعض الأسماء أن تثبت نفسها بتفرد الإبداع وعمقه بغض النظر عن الغزارة الكمية، وهذا هو ما نعتز به في الحقيقة مع ملاحظة أن بعض الانجازات تبدأ قوية ثم تخبو. ولعل هناك أسباب خاصة لمثل هذه الظاهرة وإن كنت أعتقد إن المبدع الحقيقي ينزع دوما نحو التجدد والعمق. دعني مثلا أثمن تجربة القاص عبد الحكيم عبد الله في مجموعته الجميلة “مساس”, حيث تحضر الحياة والجمال كما يحضر الموت، وحيث تتفرد اللغة في تكثيفها وإدهاشها، كما أشير للكتابة الجميلة التي تشتغل عليها بشرى خلفان سواء في حقل القص أو النص المفتوح. بالمقابل قد تكون هناك غزارة كمية لدى بعض الكتاب لكنها تفتقد نضج التجربة.

* درستِ الدكتوراه في بريطانيا، هل انعكست تأثيرات المكان على نصوصك؟

-تجربة الغربة والدراسة بمجملها غنية ولكن التأثير في نصوصي مبهم، بالنسبة لي على الأقل! فما أقلقني في الغربة هو سؤال الهوية، والكتابة في كثير من الأوقات كانت محاولة لتقبل أو تفهم أو احتواء هذا السؤال، مما جعلها تنطبع بطابع المكان العماني أكثر من أي وقت مضى، كأني أحتمي بالرحم الأولى من أسئلتي الجديدة، ولكن، رغم هذا، أنا واثقة أن التجربة تأخذ زمنها الخاص في التشكل، وحينئذ سيتسلل تأثيرها لكتابتي وإن بطريقة لا واعية.

والمكان كما ترى مهم بالنسبة لي، لكنه لا ينبثق بالضرورة من المكان المعاش، فنحن نختزن الأماكن كما نختزن الأفكار، وفي لحظة الكتابة المعقدة تتفاعل كل العناصر لتنتج النص.
*اخترت كتاب “خريدة القصر وجريدة العصر” لعماد الدين محمد بن صفي الدين أبي الفرج الأصفهاني، وهو أحد الكتب الأدبية المهمة وقد ألم فيه مؤلفه بتراجم ومنتخبات لمئات الأدباء والشعراء في العالم الإسلامي في القرن السادس وبعض القرن الخامس الهجريين، حسب أقاليمهم مبتدئا بالعراق وخاتما بالأندلس، مرورا بفارس، والشام، والحجاز واليمن ومصر والمغرب، متفرعا إلى عشرات المدن في هذه الأقاليم، ما أسباب اختيارك هذا الكتاب موضوعا لدراستك عند نيلك درجة الماجستير؟

– لقد اخترت دراسة منهج التأليف الأدبي في الخريدة إيمانا مني بأهمية هذا اللون من الدراسات من جهة ، وبقيمة الخريدة من جهة أخرى ، فالدراسات المنقبة عن منهج التصنيف تكشف عن بناء فكري متماسك دأب علماؤنا المسلمون على استكمال ملامحه ، وتبين طبيعة هذه المناهج وفرادتها ، وطرائق التفكير المنوعة التي سلكها المصنفون ، والدروب الفكرية والأسس العلمية التي حدت بهم إلى مناهج لها خصوصيتها ومرتكزاتها ، مما يميط اللثام عن هويات الكتب ، وخصائصها ، وييسر لنا الانتفاع الأمثل بها ، أما ما يتعلق بكتاب الخريدة نفسه ، فلقد كان حظه من عناية الدارسين قليلا ، إذ لم تتوفر – حد علمي- عليه دراسات تكشف منهجه وقيمته ، وربما كانت ضخامة حجمه واتساع مادته سببا تحاماه الباحثون لأجله ، في حين حظيت كتب أخرى سبقته على النهج الإقليمي نفسه كاليتيمة والدمية بشيء من عناية الدارسين ، على أن كتاب الخريدة أوسع مادة وأكثر شمولا ، ولقد تقصى مؤلفه الأدباء ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، متنوعة مصادره ، متفاوتة مختاراته وتراجمه ، كاسرا كتابه على أقسام كبرى حسب أسس جغرافية أولا وسياسية ثانيا ، فقيمة الخريدة ضاربة بأطنابها في أودية من الأدب والتاريخ والاجتماع والنقد.

* هل أخذتك اهتماماتك البحثية من حديقة الكتابة الابداعية؟

لا. بل هما خطان متوازيان، غير أنهما يتفاعلان أحيانا على غفلة مني.

* هل تكفي اللغة لتشكيل نص قصصي كما يرى بعض كتابها؟

لا, بكل تأكيد.

* لك رواية-منامات -ومجموعتان قصصيتان هل الرواية فاصلة بين مجموعتين؟ وهل كفة القصة أعلى من كفة الرواية في اهتماماتك؟

– القصة والرواية طريقان مختلفان مؤتلفان، أطمح بكتابة روايات جديدة، حيث الآفاق واسعة، لكن القصة القصيرة يظل لها ألقها الذي يناله الإجحاف أحيانا، مع أنها تتماس مع اليومي وأسئلته المفتوحة في ومضات بسيطة، القصة القصيرة كالسنابل المثقلة تحني رأسها رغم أنه محملة بالعطاء، وأنا أحب هذا الفن وأحب أن أظل أكتبه. والرواية لم تكن فاصلة، فقد كنت أكتبها في الوقت نفسه الذي كنت أكتب فيه بعض نصوص المجموعة القصصية الثانية، لكن حالة كتابة الرواية مختلفة عن حالة كتابة القصة، وأكثر إرهاقا، واستغراقا.

روايتك منامات خليط من احلام ورؤى هل تحاولين الدخول الى عوالم الشعر؟وهل ترين أنّ بإمكان المتلقي التقاطع مع عملك ” منامات ” وهي في رأي البعض ” ذاتيّة ” الطابع؟

لا تحاول رواية (منامات) أن تفرض لغة شعرية، وإن كانت لغتها تبدو في كثير من الأحيان كذلك، ربما يكون لموضوعها المتعلق بالحب دور في ذلك، وربما أيضا لانشغالها بفكرة المنامات. أما بالنسبة للذاتية فلا يمكن أن يكتب الكاتب مجردا عن ذاته إطلاقا، إلا إذا كان يكتب أدبا بلاستيكيا لا يمسه هو أولا قبل أن يمس الآخرين. نحن نكتب انطلاقا من ذواتنا، أفكارنا، عواطفنا، قناعاتنا، أحلامنا، واقعنا، خيالنا. لكن السؤال: كيف يتشكل ذلك على الورق؟ هذا ما يصنع الأدب: الفن، بزعمي أكثر من الموضوع.

ما أريد قوله هو أن اهتمامي بقضية مثل الطبقية في المجتمع مثلا، وتخطيطي لئن تكون محور عملي القادم، هل سيكون عملي ذاتيا أم لا؟ ذاتي بقدر ما فيه من أفكاري حول هذه القضية، وموضوعي لأن الفيصل هو طريقة معالجتها فنيا. فالذاتية ليست تهمة، بل هي ضرورية للأدب، الفنان الحقيقي يوظفها ويغنيها بثقافته وفنه، وإلا فلماذا يكتب عن أشياء لا ينفعل بها؟

لعلك لاحظت من رأيي أن الكاتب لا يكتب بالضرورة عن أشياء عاشها شخصيا، إلا إذا كتب لنا في غلاف كتابه:”سيرة ذاتية”, السيرة الذاتية فن جميل ومحترم، لكنه قائم بذاته وليس له علاقة بالرواية، إنه ميثاق بين الكاتب والقارئ أن يسرد عليه تجربته الذاتية الخاصة.

أما الرواية فلا، إنها تتقاطع بلا شك مع هموم الكاتب، ثقافته وخياله، لكنها لا تتقاطع بالضرورة مع حياته، أقول بالضرورة، أي أنها قد تتقاطع قليلا أو كثيرا، ليست هذه القضية، القضية هو كيف كتبت؟

غالب هلسا مثلا معظم رواياته مستمدة من حياته الشخصية، لدرجة أن الشخصية الرئيسة في العمل اسمها غالب، هل سيؤدي هذا بي كقارئ إلى تفاعلي مع الرواية أو عدم تفاعلي؟ من الواضح إن الإجابة لا علاقة لها بذاتية الرواية وحجم الأحداث الحقيقية فيها. الإجابة متعلقة بالفن والذوق، هل استمتعت بقراءتها أم لا؟ إذا كنت قد استمتعت بها فلا يهمني أن تكون نسخة من حياة كاتبها أو محض خيال صرف!!

كاتب آخر كعبد الرحمن منيف، عاش بكل تأكيد تجارب غنية جدا في غير بلد، لكن التنوع الشديد جدا في مواضيع رواياته والتباين في شخصيات أعماله يكشف عن استحالة أن تكون مجرد سرد لوقائع تجاربه الشخصية. مرة أخرى، السؤال هل استمتعت بقراءته؟ وليس هل فلان في مدن الملح أو فلان في أرض السواد هو عبد الرحمن منيف أو لا!

بعد هذا التوضيح سأقول إن الأمر ينطبق على منامات كما ينطبق على أي رواية أخرى، هل هي سيرة ذاتية؟ لا، بل رواية، تفاعل معقد من التجربة والهموم والثقافة والخيال. دعني أضع خطا تحت الخيال، في رأيي إنه من أخطر مكونات الأدب. أحيانا أقرأ عملا جيدا لكن واقعيته الفجة تخنقني. أحيانا أقرأ سيرة ذاتية لكني أتفاعل معها أكثر من أي رواية أو قصة.

أذواق بعض القراء تناسبها رواية كمنامات، أذواق الآخرين لا تناسبها.

ليس للذاتية علاقة بهذا الأمر التذوقي إطلاقا في رأيي.

*لك مجموعة قصصية عنوانها-صبي على السطح- حرصت فيها على التنوّع في التجربة، هل من فكرة عن هذا التنوّع؟

مجموعة “صبي على السطح” الصادرة عن دار أزمنة بالأردن تضم تسعة عشر نصا سرديا، كتبت على مدى الست سنوات الأخيرة، وهي فترة حافلة بالنسبة لي باختبار مسارات جديدة على مستوى التجربة الحياتية والدراسية، كما كانت حافلة أيضا بضروب من الأسفار، والأحلام، ولذا فأنا آمل أن تعكس هذه المجموعة التنوع في التجربة، والنضج في التعبير.

النصوص في “صبي على السطح” إلى جانب انشغالها بواقع الحياة في المجتمع العماني خاصة، منشغلة كذلك بالإنسان عامة، أحلامه، ويأسه، وإحباطاته، والتحولات التي تطرأ عليه.

في هذه القصص تلتقي برجب العالي وعجزه عن امتلاك المحبوب رغم الامتلاك الظاهري، كما تلتقي بناصر العبد الذي كان يرى الحياة ساكنة، دائرة واحدة بلا زوايا، وإذا بيقينه بثبوت الحياة يهتز بلا سبب ظاهري، ويمتلئ ناصر العبد بالشك والقلق الغامض إذ لا تغدو الحياة تلك الدائرة المتصلة، كما ترى البنت التي أقلقها النفور من خطيبها ونما بداخلها كحبة الفاصوليا التي حرمت الأميرة من النوم رغم ردمها بطبقات الشراشف والكتمان.

هناك أكثر من قصة أبطالها أطفال، حيث يختلف العالم في عيونهم عن عالمنا المألوف، كما تحتوي المجموعة على قصص قصيرة جدا تهتم بومضات عابرة، ولكن عميقة، في الحياة.

شاهد أيضاً

فتح باب التسجيل للراغبين بالترشح للموسم التاسع من برنامج “شاعرالمليون”

عدد المشاهدات = 4695— أبوظبي – آماد أعلنت لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: