الرئيسية / منوعات / فكر وإبداع / د. منى حسين تكتب: وجوه..!

د. منى حسين تكتب: وجوه..!

= 5722

د. منى حسين

في خضمِّ يوم عمل طويل وشاق، جلست على أريكة بمكتبي، لألقي برأسي وأريح ظهري، كي أتنفس، فقد كتمت أنفاسي طوال اليوم، سمعت من يهمس ويتهامس، إمّا مادحًا أو ناقدًا، وواجهت أراء تدعونى للسير نحو الخلف، وشاهدت نظرات كادت تقتل أصحابها ومن ينظرون إليهم.

ما كل هذا الحقد؟!، ما كل هذه الكراهية بين الزملاء؟!، إن رأيتهم وهم يتعايشون معا، ويتناولون وجباتهم ويتشاركونها، حسبت أنهم كالأشقاء في حب ووئام، وحواراتهم التي لا تنضب.

أمّا أمامي فيخلعون أقنعتهم، لينتقد هذا الآخر، ويغتابه ويكاد يسبّه، من كلا الجنسين، وبطبيعتي لا أعطي مثل هذه الأمور أي وزن.

علاقتي بكل من أرؤسهم لا يحكمها إلا عملهم وأداؤهم، وعلى مدى فترات عملي المختلفة عرفت كلا منهم بمنتهى الوضوح، وأميّز؛ فنحن بشر بكل منا الميزة والعيب.

فحرصت كل الحرص على أن أخرج من تصرّفاتهم وعملهم أجمل ما فيها، والكل ينظر لي، وكأنه يريد أن يعرف كيف وازنت الأمور بهذه النظرة، في رأيي أن هدفي الأسمى هو أن يقوم كل منهم بواجبه، ونحقق هدف شركتنا.

مر برأسي وأمام عيني كل ما دار اليوم، لكنني فجأة، وجدتهم جميعا حولي، يرتدون أقنعة مخيفة، وكأنهم أشباح مرعبة، أو فصيل من الجان، وبأيديهم أسلحة، كادوا ينهالون بها عليّ، وأنا مازلت في حالة الاسترخاء، وكأنني مكبّلة الأيدي والأرجل، وبحوارٍ هادئ سألتهم: لِم؟، ألم أوفِّ كلا منكم حقّه؟، ألم أعدل بينكم في المعاملة وفي المكافآت؟، ألم أتعامل معكم كزميلة؟، ولم أحتدّ أو أرفع صوتي على أحدكم، ألم أنجح في النهوض بشركتنا لنصبح من أفضل الشركات حتى أصبح انتماؤكم لهذه الشركة نقطة بيضاء في سيرتكم الذاتية، ألم أحفظ أسراركم؟، واغتيابكم لبعضكم البعض؟.

فأتى من خلفهم شاب أمَّن على حديثي، ودافع عني، فتبدّلت بعض الوجوه، لتتعاطف معي لكنها تراجعت فقط عن مهاجمتي، ولم تمنع الآخرين من مهاجمتي.
غرسوا سيوفهم في قلبي وفي عيني، نزيف أغرق مكتبي وفاض، ولم تستطع قدماي أن تحملاني؛ لأنجو من هذا الخضمّ، دماء تكاد تنطق، لا تستجدِ ولا تستعطف، فقد أحكموا قتلى وأزهقوا روحي، وفقأوا عيني، حتى كدت أشكّ أني على قيد الحياة، أرى وأسمع وأجتاز الخطوات.

أصبحت كغريق والكل حولي ينتظرون سقوطي وإعلان نهايتي.

صدمة آلمتني وتمنيت وقتها سرعة السقوط، لم كل هذا الكره والحقد؟ لم هنت عليهم؟ ليتها اللحظات الأخيرة فإذا بصوت الكأس يهوى من على مكتبي وينكسر. فتحت عيني، كابوس رهيب، سأرحل، لم يعد قلبي يحتمل، ضاق بي المكان، وضقت بكل من به، سأعود لمنزلي، وسأخذ قسطًا من الراحة ربما أفهم ماذا يعني هذا الكابوس، أو تفسّره المواقف التالية لكلٍّ منهم وبعدها سأتّخذ القرارات المناسبة.

شاهد أيضاً

“اسقيني حبًا”..قصيدة للشاعر المهندس سعيد الصقلاوي

عدد المشاهدات = 3802— اسقيني حبًا يكفيني وانا اسقيك حنان عيوني وحدك تعنيني اسقيني افتحي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: