الرئيسية / مقالات الرأي / تداخل الفنون والآداب يخلق تكاملا جماليا يرقي بالانسان ويسعده
سارة السهيل

تداخل الفنون والآداب يخلق تكاملا جماليا يرقي بالانسان ويسعده

= 2255

بقلم: سارة السهيل

خلق الله الانسان وحمله في البر والبحر وكرمه على جميع مخلوقاته، ووهبه منحا عديدة من العقل والتدبر والتأمل والتفكر والقدرة على المحاكاة وصولا للابتكار. ‎ورغم قدرة الانسان على ابتكار اشياء عديدة مدهشة الا ان ابتكاره ينطلق اولا من القدرة عل محاكاة الطبيعة، فالفنان التشكيلي بما وهبه من حس جمالي وتدفقات شعورية يستنطق جمال الطبيعة في مختلف الوانها وتشكيلاتها الفنية ويحاكيها ثم تتشكل لديه بصمة فنية خاصة به تشكل رؤيته لنفسه وللكون من حوله.

كما تحتضن اذن الموسيقي صوت خرير المياه وصهيل الخيل وتغريد البلابل واصوات البرق والرعد وتراتيل الكروان فيخزن في ذاكرته السمعية هذه الانغام ويحاكيها ثم يضفي عليها من ورحه الخاصة ما يشكل ابداعا خاصا به.

هكذا الانسان يتفاعل مع الطبيعة والكون والمجتمع ثم يشكل تجربته الفنية الخاصة به في مجالات الفنون والاداب، وكما يتفاعل الانسان مع محيطه الانساني ومع مفردات الطبيعة، يأخذ منها ويعطيها أثرا وتأثيرا، فان الفنون والاداب تتفاعل هي الاخرى مع بعضها وتتبادل التأثير والتأثر في سياق التكامل الفني والابداعي.

وفي خضم حياتنا اليومية وصراعاتها السياسية والاقتصادية والامنية ومادياتها الخانقة للارواح والانفس، فان انسان هذا العصر يجتاحه الحنين للجمال كوسيلة لتفريغ الشحنات السالبة في عالمه اليومي، وهذا الجمال نجده في كل ما هو طبيعي من مناظر طبيعية والوان زاهية وصفاء بحار وسماء وزقزقة عصافير، كما يجده في كل ما هو مبتكر وخلاق من الابداعات الفنية والادبية التي تغذي روحه وتحقق له الاشباع الفني.

من هنا تأتي اهمية الآداب والفنون في حياتنا لتسكب ماءا مثلجا بردا وسلاما علي عقولنا وارواحنا ومشاعرنا المتلهبة، فتطفيء لهيب الحياة وتمنحنا الاستقرار والهدوء النفسي، ونتشرب كئوس العلم والتذوق والجمال والمحبة بصفاء ذهني وقلبي وروحي معا.

فالاداب والفنون لاشك انها تسهم في تنمية مواهب الانسان و توسيع خياله بما يكتسبه من مهارات وخبرات. كما انها تؤدي ادوارا رئيسية في تهذيب الذوق انطلاقا من رؤيتها الجمالية التي تسمو بالانسان.

وهذا مما نجده من معاني الادب في ” المعجم الوسيط ” وحيث يعبر عن ثلاثة معان للفظ “أدب”:
المعنى الأول: رياضة النفس بالتعليم والتهذيب على ما ينبغي.
المعنى الثاني: الجميل من النظم والشعر.
المعنى الثالث: كل ما أنتجه الإنسان من ضروب المعرفة.

ولاشك ايضا ان تشرب الافراد والمجتمعات للأداب والفنون يغذي عقولها وينمي افكارها وثقافتها ومن يمنحها ملكات التمييز بين الجمال والقبح ويخلق ملكات النقد الموضوعي لديها بما تكتسبه هذه المجتمعات من قيم اخلاقية وحضارية تحافظ بها على رقيها الانساني وتحقق به الاستقرار النفسي والسياسي ايضا، خاصة وان متذوقي الفنون والاداب اكثر تحضرا وتوازنا نفسيا وسلوكيا ويميلون كما تؤكد الدراسات العلمية الى الالتزام بالقانون ورفض العنف.

المرآة العاكسة

وبقدر ما تشكل الفنون والاداب عقولنا ووجداننا، فانها في نفس الوقت تمثل مرأة تعكس واقعنا في افراحه واتراحه وانتصاراته وانكساراته وترديه وتطوره، فتوقظ ضمائرنا لنعرف عيبوبنا فنبادر الى اصلاحها، غير ان خيال المبدعين أيضا قادر على التحليق بنا الى اعلى درجات و ايضا إبراز القيم و زرع الاخلاق الفضيلة و غرس القيم والطموح بلا سقف مما يقود المجتمع للتطور والنهضة والأمان.

ولطالما كان الابداع الادبي والفني حافزا للشعوب على مقاومة المستعمر وحشد همة الشعوب نحو القضايا الوطنية والالتفاف لاعادة بناء الاوطان والحفاظ عليها.

ولان الاوطان العربية في معظمها مستهدفة التشظي الفكري والانقسام الفكري والمذهبي، فان الحكومات العربية كلها مطالبة بحشد طاقاتها في دعم الفنون والاداب لاعادة تشكيل المجتمعات ضد مخاطر الاعداء وعلى رأسهم الارهاب وتسميم عقول الشباب بفكر الموت.
فالاداب والفنون يمثلان الحياة وشاطئ الامان لكل المجتمعات يحفظ عليها امنها الروحي والعقدي والانساني.

حاجتنا للتنوع والتغيير

ولأن الانسان بطبعه ملول، فهو قد لا يشبعه لونا واحدا من الفنون او الاداب، فهو بحاجة دائمة للتجديد والترفيه والمتعة العقلية والنفسية، فيقبل على لون اخر من الفنون طمعا في اشباع حاجته للتتغير والتنوع وما ويوفره من ثراء جمالي متعدد المستويات.

فاننا، قد لا نندهش عندما نجد العبقرية البشرية قد اهتدت الى ما يسعد الانسان ويحقق له هذا التعدد الفني والجمالي، من خلال اهتداء الانسان الى توليفات فنية تجمع بين اكثر من فن داخل عمل فني واحد، حيث نجد قدرة بعض المبدعين على الجمع من جماليات الفن التشكيلي ادخل قصة قصيرة او رواية، وقد نجد قدرة شاعرعلى رسم الوان تعبيرية وتصوير ابدع بالكلمات عن تدفقات شعرية عميقة، وهو ما يعرف بتداخل الاجناس الادبية او الفنية.

وهذا يعني ان الفن والاداب قد تتبادل التاثير والتأثر الفني فيما بينها تحقيقا للتكامل الابداعي الذي يحقق الجمال، وهذا التاثير المتبادل يبدو موضوعيا تماما ويتسق مع عالم الطبيعة وزماننا المعاصرالذي تداخلت فيه العلوم مع الفنون والاداب، واذا كان بعض الاطباء النفسيين يستخدمون الموسيقى في علاج بعض الحالات المرضية، فانه من باب أولى ان تتأثر الاجناس الادبية والفنية ببعضها دون ان تلغي احداهما الاخرى.

هذه الطبيعة قائمة منذ تأثر الانسان بالطبيعة وتفاعل معها وعبر عن ارتباطه بها فالشعر الجاهلي رسم بالكلمات لوحات فنية عديدة في وصف الشمس والقمر والنجوم والزهور والبحار وتصوير جمال المرأة، وعزفت موسيقى الشعر أعذب الالحان وعبرت مضامين القصائد عن دفقات شعورية انسانية تعكس معاناة الانسان واحلامه وكانها مشاهد درامية وسينمائية.

وعندما ظهرالفن الروائي والقصصي في عالمنا العربي ابتكر مبدعو الفن التشكيلي رسومات على اغلفة القصص كانت مثابة نصا تعبيرا بالاشكال والصور موازيا في جمالياته ابداع النص الروائي.

وعندما انطلق المسرح اعتمد بشكل أساسي على نص روائي مبدع وخيال موسيقي وشعري وسينوغرافيا الاضاءة واللوجات التعبيرية الى جانب اداء الممثلين، ولكل واحد منهم ادوار رئيسية في نجاح العمل المسرحي، وابدع امير الشعراء أحمد شوقي مبكرا في المسرح الشعري.

وهكذا، فانه رغم تمتع الاجناس الادبية من شعر ونثر قصصي وروائي بخصوصية ادواتها وتفردها واستقلالها، الا انها في مجملها تتفاعل مع الالوان الفنية الاخرى من مسرح وموسيقى وسينما ودراما وتشكيل فني، وهو تفاعل عبر عنه فضاء فنون الآداب في عالمنا المعاصر بحيث كل منه يغذي الاخر وينميه دون ان يفقده تفرده واستقلاله.

هذه الحقيقة التي يدركها كل فاحص، قد اكدها الناقد جوزيف شتريلكا في كتابه «مناهج علم الأدب» موضحا ان التفاعل المتبادل بين مختلف أنواع الإبداع الفني لا يُنقص من استقلال كل نوع استقلالا ذاتيا.

وفي تقديري ايضا ان التفاعل الطبيعي بين الفنون والاداب مرتبط بالقيم الجمالية في كل لون منها، فالجمال يقود الى الجمال ويعانقه في اي بقعة في الكون، ولذلك غالبا نجد مبدع الادب ومتذوقه عاشقا للموسيقى او العكس.

فهكذا كان الشاعر شارل بودلير، الذي يقول إن «الموسيقى لتحملني كما يحملني البحر».
وكذلك الأديب رومان رولان، الذي يقول: «إذا كانت الموسيقى بالنسبة لنا شيئا غاليا، فلأنها كلمة الروح الأكثر عمقا».
أما الأديب الفرنسي فكتور هوغو فيعتبر أن «الموسيقى تعبر عما لا يمكنك قوله ولا تستطيع السكوت عنه».

وفي عالمنا العربي والاسلامي نجد كبار الادباء كتبوا عن الموسيقى، مثل ابن سينا والفارابي وأبو حامد الغزالي وطه حسين وفؤاد زكريا،. والكاتب الفلسطيني إدوارد سعيد كان عازفا بارعا لآلة البيانو، وكان يستعمل مصطلحات الفن الموسيقي في الدراسات الأدبية، ويعتبر الموسيقى فنا إبداعيا يحفز الإبداع الأدبي.

كما ارتبطت الموسيقى بالشعر عبر القصائد الغنائية، وعبر انماط عديدة من الفنون الشعرية مثل الأهزوجة والطقطوقة والمونولوج والأوبريت، فنجد كلاهما لايستغني عن الاخر فهو قائم به ويحقق الكمال الفني من خلاله.

وخلق هذا الارتباط الوطيد بين الشعر الموسيقي والغناء حالات عبقرية من الثنائيات الفنية الخالدة باعمالها في عالمنا العربي منها ثنائيّة الرحابنة وفيروز، ثنائيّة روائع موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب مع أمير الشعراء، وأحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، في المغرب نجد ثنائيّة الموسيقار عبد السلام عامر والشاعر عبد الرفيع الجواهري، التي خلّدت أروع الأغاني، في فلسطين ثنائيّة محمود درويش ومارسيل خليفة وغيرها. و في العراق كريم العراقي و كاظم الساهر.

ولاشك ان عبقرية الحناجر العربية مثل ام كلثوم وفيروز وفريد الاطرش ووديع الصافي ونجاح سلام وليلى مراد وفايزة أحمد كانت معبرا لتجليات الشعر والموسيقى لدى العباقرة امثال محمد عبد الوهاب وأحمد شوقي وأحمد رامي والقصبجي وزكريا أحمد والرحابنة وغيرهم.

الشعر والفن التشكيلي

يبدو ارتباط الشعر بالفن التشكيلي ارتباطا عضويا عبر عنه كبار الفنانين مثل خوان ميرو،الذي يقول: ” أنا لا أميز أبدا بين الرسم و الشعر. أحيانا أوضح لوحاتي بعبارات شعرية و أحيانا العكس” .

أما بيكاسو فإنه يعتبر نفسه رساما وشاعرا : ” بعد كل شيء، والفنون كلها واحدة. يمكن أن نكتب لوحة بالكلمات كما يمكن أن نرسم المشاعر في قصيدة “.
وقد رصد الباحثون المتخصصون عددا من النقط المشتركة بين التشكيل والشعر جعلتهما يتبادلات التأثير فيما بينهما، ومن أولى هذه النقاط ، ان الشعر ينتمي إلى الشعور، والحدس وإلى العاطفة، وأن أشكاله متعددة وتتغير، كما ان الشعر في جوهره متعدد المعاني ويركز على تحفيز مخيّلة القارئ الذي ينظر أو المتلقي الذي يسمع ويجعلها تمتدّ. وحين يكون التطابق أو التزامن بينهما كاملا لا نعرف إذا كنا نقرأ(أو نسمع) أم ننظر.

دلائل خالدة

ولذلك فقد لا نجد غرابة في ان يسجل تاريخ الإبداع العالمي عبقريات جمعت بين الفن التشكيلي والكتابة الأدبية من أهمها الفرنسي جان كوكتو (1889-1963م) الذي جمع بين كتابة الرواية والشعر والمسرح والرسم والتصميم، وكانت تربطه علاقات ودية مع أحد أعظم التشكيليين في التاريخ الرسام والنحات الإسباني بابلو بيكاسو (1881-1973م) الذي كتب الشعر هو أيضا.

ويظهر الموقع الرسمي لكوكتو والذي يتخذ من وصفه بالفنان المتكامل شعارا له، كيف أن تمازج الأدب والفن التشكيلي لديه، أنتج أحد أعظم العبقريات الفنية في التاريخ المعاصر وأحد أكثرها غزارة وانتاجا.

وكشفت البحوث العلمية ان العلاقة بين الأدب والفن التشكيلي إلى القرن الخامس قبل الميلاد، في جزيرة كيوس اليونانية، من خلال أقدم نص في تاريخ الأدب والنقد الغربي عن هذه العلاقة الساحرة بين الشعر والفنون التشكيلية هي العبارة المنسوبة إلى سيمونيدس الكيوسي(556-468م) الذي يقول فيه: إن الشعر صورة ناطقة أو رسم ناطق، وإن الرسم أو التصوير شعر صامت”.

*** ويربط الشاعر الكبير صلاح جاهين بين الرسام والشاعر- في تأكيده على براعة الشاعر الكبير فؤاد حداد فى رسم الصورة الأدبية وتجسيدها داخل النص الشعرى بما يتوازى ولوحة تشكيلية محتشدة بكل تفصيلات الحياة.

وصلاح جاهين نفسه جمع بين الرسم والشعر، وبرع في رسم صورة أدبية مبدعة تتوازى تماما مع اللوحة التشكيلية من خلال رباعياته.

يتجلي ذلك في قصيدة “إبريق ذهب” لصلاح جاهين:
أبريق دهب
ومخّده من ريش النعام…
تشرب سيادتك، تنجِعص آخر غرام
ترفع عينيك تلاقى منجه مدلدله
و فاكهه ياما متلتله
أصناف من اللى الكيلو مش عارف بكام
منجه، وفراوله، وموز، وتفاح يا وله
وخوخ و برقوق م التمام…
ياللعجب،
البرتقان ويا العنب،
فى غصن واحد… يا سلام

الفلاسفة المسلمون

وعندما ننتقل الي الفلاسفة المسلمين نجد انهم ربطوا بين الشعر والرسم، انطلاقا من الفكرة الأرسطوطاليسية في محاكاة الطبيعة مثل ابن سينا وعبد القادر الجرجاني والفارابي حيث ربطوا كلا من الرسم والشعر من خلال المحاكاة والتشبيه والتخييل كنقاط التقاء بينهما.

فالتماثل بين الأجناس الإبداعية جعلت واحد منها يتفاعل مع الاخر ويتناص معه رغم اختلاف ادوات كل منها، خاصة الشعر والتشكيل وهو ما دفع نقاد عصر النهضة (القرن الخامس عشر) إلى قراءتها بشكل آخر، كما يقول هوارس: “كما يكون الشعر يكون الرسم”.

وفي اواخر القرن التاسع عشر وحتى زماننا الراهن، تنامى الإحساس بشاعرية الرسوم، وبنزعة الشعر إلى الرسم والتشكيل، وهو ما تجلي السمات القصصية في أعمال الفنانين السورياليين منهم: جورجيو دوشيريكو – ماك إرنست.

وهناك العديد من القراءات التي ارتبطت بلوحة الجيوكاندا (الموناليزا) التي رسمها الفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي بين عامى 1500 و1504، والتي كانت مصدرا لالهام الشعراء وخروج العديد من القصائد من قصيدة “جيوكاندا ” لتوماس مكجرفي، بجانب الروايات العالمية التي تأثرت بالجيوكندا.
وكذلك قصيدة “الموناليزا” التي كتبها الشاعر الألماني كورت توخولسكي عام 1929، والتي قال عنها الناقد الادبي “هانز ما ير” هذه القصيدة المشهورة من الموناليزا قصيدة متشائمة على طريقة الفيلسوف شوبنهاور “.

وتقول القصيدة:
الموناليزا
لا أملك أن أحول نظراتى عنك
لأنك معلقة فوق الرجل الموكل بحراستك
وقد شبكت يديك الناعمتين
ورحت تبتسمين في سخرية
أنت مشهورة شهرة ذلك البرج في بيزا
وابتسامتك تؤخذ مأخذ الدعابة
أجل .. لما ذا تضحك الموناليزا؟
هل تضحك علينا بسببنا
على الرغم منا، معنا
ضدنا – أم ماذا ؟
أنت تعلميننا في هدوء ما ينبغي أن يحدث
لأن صورتك، يا ليزا الصغيرة تقول:
من خبر هذا العالم خبرة كافية
فلا بد أن يبتسم وأن يضع يديه على بطنه ويسكت

التشكيل والسرد الروائي

تجلت مظاهر الارتباط والتأثير والتـأثر بين الفن التشكيلي الروائي من خلال رواية “شيفرة دافنشي” للكاتب دان براون، حيث تعد اللوحة الفنية وهي “العشاء الاخير” للفنان دافنشي مفتاحا الى احداث الرواية.

وهذه الرواية تعتبر علامة فى تاريخ الأدب الحديث، حيث جسدت التأثير المباشر للفن التشكيلي على الأدب من خلال الحدث الدرامى الذى اتبعه الكاتب من خلال تحليل روز دافنشي.

*** وفي السرد العربى نجد ملامح تأثر الابداع لتشكيل دافنشي كما في رواية “ذاكرة الجسد” للكاتبة أحلام مستغانمى: ففى احد مقاطعها تستدعى الكاتبة شخصية دافنشى، وتؤكد على براعته وعظمته فى تخليد اسمه على لوحة الموناليزا كما يبرز في هذا لمقطع من الرواية :
“أتذكر وسط ارتباكي ” ليوناردو دافنشي”, ذلك الرسام العجيب الذي كان قادرا على أن يرسم بيده اليمنى و يده اليسرى بالإتقان نفسه، بأي يد تراه رسم ” الجو كندا ” ليمنحها الخلود والشهرة؟ و بأي يد يجب أن أرسمك أنا.
ماذا لو كنت المرأة التي لا ترسم إلا باليد اليسرى, تلك التي لم تعد يدي؟
خطر ببالي مرة أن أرسمك بالمقلوب، و أجلس لأتفرج عليك ِ, عساني أكتشف أخيرًا سرك.
فربما كانت هذه الطريقة الوحيدة لفهمك.

الألوان في الرسم والأدب

كما يبرع الرسام في استخدام الالوان ورموزها في التعبير من مشاعر الفرح او الحزن او الامل والصفاء او القبض، كذلك استخدم االشعراء هذه الألوان للتعبير عن مشاعرهم في القصيدة ، ويحفل الشعر العربي بالعديد من النماذج اللونية المعبرة منها اللون الأحمر لدلالته على الحرب وبشاعتها، واللون الأسود كما في قول امرؤ القيس يربط بين اللون الأسود والضيق والاختناق والقبح:
وليل كموج البحر أرخى سدوله على بأنواع الهموم ليبتلي
وتتجلي الالوان ورمزيتها في عالم نجيب محفوظ الروائى بصحبة ريشة الفنان حسين فوزى ورسوماته التي بلغت مائة رسما لفصول رواية ” رواية أولاد حارتنا” خلال نشرها بصحيفة الأهرام على مدى عام كامل، وقد حفلت اللوحات بالعديد من النغمات بالأبيض والأسود .. تنوعت فيها الإيقاعات مع التحليل المعمارى الذى يعطى الإحساس بالكتلة ويحفل بالتنوع والثراء”.

ولأن عالم نجيب محفوظ الروائى يزخر بفنيات التشكيل والرؤية، فقد جذب معه فنانين كثر ليلتقيا الأدب مع التشكيل ” ولا شك أن من أهم الأعمال الفنية التى تقابلت مع عالم نجيب محفوظ ما قدمه الفنان سيف وانلى من ترجمة تعبيرية لشخوص المرايا، التى صاحبت الرواية حينما كانت تنشر بمجلة الإذاعة والتليفزيون عام 1971.
ومن أعمال نجيب محفوظ الكثيرة التى التقت فيها الكلمة والصورة كان من خلال “أحلام فترة النقاهة” التى كتبها بعدما توقف عن الكتابة لفترة طويلة، تجلت خلالها رمزية الألوان والتشكيل البصرى على النحو التالى:

أفق داكن وسحابات خضراء، بساط أخضر، قط فرعوني يسير هادئا بثبات، أرجله القصيرة تتحرك فوق البساط الأخضر.
طيور بيضاء تجتمع فوق البساط الأخضر هي طيور ممتلئة سمينة أقرب شكلا إلي النغمات منها للطيور.
جسد أخضر لفتاة في حالة تجانس مع البساط، جسد شاب وشعر أسود كالليل يطير، ويد تحتضن زهرة حمراء تضفي بهاء ورونقا علي وجه برتقالي مجرد الملامح والتفاصيل، قمر مضيء بالأصفر والأحمر يحتل موقعا يربط الفضاء الداكن بزرقته بخضرة البساط، وشذرات من الأبيض المشوب بالبني تحيط جسد الفتاة وتحول البصر إلي شجرات أربع في الأفق تؤكد العلاقة بين فضاء وبساط.
وتتعدد مظاهر التشكيل البصرى ورمزية الألوان فى العديد من السرد العربى كما فى رواية “الضوء الأزرق” للروائى حسين البرغوثي فى تحليله لعناصر اللون ودلالتها عندما يقول:
عندي، الأزرق لون الغربة، والغيب، وسماء الطفولة. وربما أن لنواياي السيئة لوناً أزرق.. مرّة تعلّمت العزف على البيانو، و”ألفت” لحناً ساحراً قصيراً، وعزفته لمدّة طويلة جداً، يوماً بعد يوم. ولم أنتبه لسيّر حبي له حتى قرأت كتاباً لموسيقار أسود، يزعم فيه أن لكل “نوتة” موسيقية لوناً خاصّاً بها.
وعند السود في الولايات المتحدة، الأزرق لون المعاناة، “لماذا أنا حزين وأزرق؟”

علاقة الأدب بالسينما

يعد الابداع الادبي رافدا اساسيا في تغذية السينما، حيث اهتم كبار صناع السينما العالمية بتحويل الرويات الى افلام صنعت مجدا موازيا للمؤلف النص ولمبدعي الفن السينمائي معا بل وكانت ركيزة في حصد جوائز الاوسكار والعوائد المالية بالمليارات، كما في سلسلة هاري بوتر للكاتبة البريطانية ج.ك رولينغ، فهذه الرواية تصدرت لائحة أكثر الكتب مبيعا في التاريخ وتحولت بأجزائها السبعة إلى سلسلة أفلام حصدت إعجاب النقاد والجمهور معا عبر العالم.
كما جري تحويل روايتين من أكثر الروايات الكلاسيكية شهرة ونجاحا إلى فيلمين، الأولى هو البؤساء للفرنسي فيكتور هوجو، والثانية هي “آنا كارنينا” للروسي ليو تولستوي والتي تعتر الرواية الأفضل في تاريخ للأدب.

وفي عالمناالعربي اكتسبت روايات نجيب محفوظ صاحب جائزة نوبل شهرتها وذيعها بين عامة الجماهير من خلال تحويلها لاعمال سينمائية مثل الثلاثية، وكذلك اعمال احسان عبد القدوس وغيرهما.
وهذا مايؤكده “ايزينشتاين “بقوله ” أن الأدب كان له السبق في توظيف بعض التقنيات السينمائية حتى قبل ولادة السينما. ويعطي كمثال على ذلك الروائي تشارلز ديكنز الذي يوظف بشكل منهجي في بعض من رواياته تقنية المونتاج المتوازي (رواية غوستاف فلوبير مثلا) وهي التقنية نفسها التي يوظفها الروائي الفرنسي على مستوى الحوار في روايته الشهيرة «مدام بوفاري».

وتأتي العلاقة القوية بين السينما والنص الروائي من تقاسمهما مجموعة من الخصائص واهمها السرد.
حيث يتشرك الفيلم والرواية في الحكي وإعادة تركيب الأحداث بشكل أكثر واقعية. وتعد الموضوعية في الوصف من بين التقنيات الجديدة في السرد التي ميزت الرواية الحديثة التي يعود الفضل الكبير فيها إلى السينما.
يعتبر الكتاب الأمريكيون الجيل الرائد الذين وظفوا بشكل منهجي تقنية الوصف الموضوعي في رواياتهم. ومن وجهة نظر سلوكية، ترتكز هذه التقنية على الوصف الخارجي لسلوكات الشخصيات بدون إبداء أي تعليق، شرح أو تأويل للراوي لما يجري داخل سيكولوجية هذه الشخصيات. وتهدف هذه التقنية إلى إشراك القارئ ذهنيا وعاطفيا في عملية السرد متحررا بذلك من السلطة المطلقة للراوي.
لدينا نماذج مبهرة لهذا التأثير والتأثر بين الادب السينما كما فيلم «الحب في زمن الكوليرا» المأخوذ عن رواية غابرييل غارسيا ماركيز الأشهر بعد «مائة عام من العزلة».
وحققت السينما انتصارات مهمة باقتباساتها الروائية وحقتت شهر لمخرجيها وممثليها كما حدث مع «ذهب مع الريح»، «دكتور زيفاجو»، «زوربا»، وغيرها.
ورغم هذه التأثر والتاثير حافظت السينما علي خصوصيتها وجمهوها كما حافظت الرواية منجزها المقروء والتأثيري في المتلقي.

تماوجات الآداب والفنون في الاْردن

لايمكن ان نعزل حركة تطور المجتمع الاردني في ارتباطاته العصرية بما يجري في العالم الذي يشهد سيولة في الفكر والابداع والتمازج بين الفنون والاداب والعلوم والثقافات.

*** ومن امثلة ذلك رواية “دمعة ذئب” للكاتبة ميمونة الشيشاني التي تعكس هذا التماوج بين الفنون والاداب، وهي ( بالمناسبة أول رواية تتحدث عن هجرة الشيشان إلى الأردن خاصة، وبلاد الشام بشكل عام في أوائل القرن العشرين، وتصف الهجرة، وحال المهاجرين والمآسي والأهوال التي عاشوها )
هذه الرواية تعد أكثر تعبيرا عن التداخل بين الأجناس الأدبية والفنية، وفصولها تحظي بالعديد من اللوحات التشكيلية البصرية و المشاهد السينمائية والحوار المسرحي والموسيقى والرقص والغناء، والنحت والتراث الشعبي.

*** أيضا ، تأتي تجربة الشاعر والفنان التشكيلي محمد العامري الذي تعكس تجربته الادبية تشكيلا يجمع بين الكلمة واللون والصوت والحركة في تمازج بين الفنون والاداب بديع وتمكن من ادواته كما نجد ذلك في معظم اعماله ومنها ديوانه الصادر عام 2016 وهو ” ممحاة العطر ” الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر, ينفتح هذا الديوان علي فضاءات البيئة الريفية والبدوية بكل تشكيلاته اللونية والحركية والصوتية مستلهما منهما مفرداته المدهشة ليعبر من خلالها ثنائية الموت والحياة في اشكالها المختلفة واقعنا المعاش، كما عبر عن ذلك في قوله: ” «كأنّي الرّحى وهي تطحن أحلامَنا/ لنقدّم قُربانَها المُشتهى/ ونعودَ إلى خضرة الأرض كسلى/ كمن يترنّح في غبطة الخمر…/ كيف سأمحو سفرجلةً سقطت في كتاب».

وكان مبدعو الاردن ايضا من اوائل الادباء في العالم العربي الذين تواكبوا مع معطيات العصر الرقمي بكتابة الرواية التفاعيلية، حيث تتحقق فيها بعمق هذا التداخل بين الاجناس الادبية والفنون من خلال تجربة الروائي محمد سناجلة، في روايته المعنونة ب «ظلال الواحد»، 2001، و«شات»، 2005، ورواية أخرى بعنوان «صقيع».

هذا النموذج من الرواية التفاعيلية يستثمر خصائص البرمجيَّات الالكترونيَّة لانتاج نصٍّ سرديٍّ ، يسمح بالربط بين النصوص، والأعمال الفنِّيَّة، عبر وصلات وايقونات، ترتبط بنصوص، أو بصور ثابتة أو متحرّكة، أو بأصوات حيَّة، أو بموسيقى، أو بأنماط جرافيكيَّة، أو بخرائط، أو برسوم ايضاحيَّة.
هذه التجارب الادردنية وغيرها في العالم تخاطب الحواس البشرية من سمع وبصرمباشرة وتعالج ازمة تراجع القراءة عبر الصفحات الورقية التي قد لا يقبل عليها الاجيال الجديدة من مستخدمي الانترنت والعالم الافتراضي.

——

* كاتبة عراقية.

شاهد أيضاً

مرفت العريمية تكتب: الحذر يُؤتى من الخيال

عدد المشاهدات = 1365— نمكث ساعات طوال كل يوم في محطة واحدة، لا نفعل شيئًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: