الرئيسية / مقالات الرأي / “بلا قيود”…زواج على ورق سوليفان!

“بلا قيود”…زواج على ورق سوليفان!

= 1900

د. منى حسين

بقلم: د. منى حسين

أنا الآنسة مها تجاوزت الخمسة وثلاثين عاما ، أعمل محاسبة فى بنك دولى ، ودخلى مرتفع ، ولى شقتى التى خصصها لى أبى رحمه الله فى عمارة يمتلكها ، ولى سيارة موديل العام ، ولدى من الأموال ما يضمن لى حياة كريمة ، لى حياتى وصديقاتى ، كل ما أريده أفعله، من رحلات وحضور حفلات وخروجات ، لكنى عندما أوى لفراشى أشعر بالوحدة ، كما أنى أتمنى أن يضمنى رجل يحنو على ويحبنى، أو ضمة طفل احتويه وأهتم به وألبى كل متطلباته، ولن يأتى هذا الطفل إلا بإقترانى برجل، لكنى لا أجرؤ على إتخاذ هذا القرار ، لن أرمى نفسى تحت طائلة رجل، يفرض على سياج حتى لو من ذهب.

فقد تألمت كثيرا لصديقات لى ، تزوجن وعانين مع أزواجهن ، من آفات كثيرة تصيب الرجال ، النزعة الذكورية التى تجعلهم الحاكم الامر فى كل شىء ، وبخلهم إن لم يكن المادى يكن فى التعبير عن المشاعر، ناهيك عن إهمالهم لزوجاتهم ، وتحميلهن كل الأعباء من رعاية منزل ورعاية الأنباء، فى الوقت الذى يفعلون هم ما يريدون ، فهم يسافرون مع أصحابهم فى رحلات بشكل شبه منتظم.

وعندما يعودون إلى بيوتهم ، يتعاملون مع زوجاتهم على أنهم العائدون بالنصر ، ولا يقدرون ما فعلته زوجاتهم فى غيابهم ، وما تحملته فى حفظ الأمانة ، نفسها وأولادها وبيتها .
وإن ضاقت منه ، وأحست أنه بدلا من أن يكون عونا لها ، أصبح عبئا عليها ، كأبن من أبنائها ، فتضيق به وبطلباته وحقوقه التى لا يتنازل عنها ، وفى كثير من الأحيان تطلب الطلاق ، وتصر عليه وتفعل ما بوسعها لإتمامه ، حتى إن تطلب ذلك التنازل عن كل حقوقها ، أو حتى تدفع له مقابل له للحصول على حريتها ، وإن كان عنيدا ترفع قضية خلع .

وبعد أن تتخلص منه ، وتمتلك حريتها التى حاربت من أجل الحصول عليه ، تفاجأ بأنها فقدت متعتها التى كانت تشترك فيها مع صديقاتها ، لأنها لم تعد بمفردها كما كانت بل أصبحت تعول ، ولديها ابناء ، وهم فى مراحل تعليمية مختلفة ، إن تركتهم لمن يرعاهم بالمنزل ، تقلق عليهم ، وإن لزمتهم حرمت ما كانت تتمتع به من حفلات وسهرات ورحلات .
كلما أمعنت التفكير فى هذه التجارب التى أراها ، أتراجع أميالا ، عن فكرة الزواج والإقتران بآخر ، لا أعرف من أى نوع هو ، فكلهم يبدأون بحلو الكلام ، وبالإهتمام بمظهرهم ، ومجاملتهم الرقيقة للمرأة التى يريدونها ، هم مهرة فى نصب الشباك ، وما أن يضمنوا أن فريستهم دخلت الشباك ، يحكمون غلقها ، ويفرضون عليها القيود والأوامر ، مرة بدافع الحب ، وأخرى بدافع الغيرة ، وغيرها بضيق ذات اليد .

لكنى أطمح فى أن يكون لى شريكا ، بت شهورا وسنين تراودنى هذه الفكرة ، إلى أن وجدتها ، لم لا أتزوج وأضع أنا شروطا ، تسمح لى بالفكاك من هذا الشريك فى الوقت الذى أريده ، ولن يكون ذلك عنوة مع شريكى ، لكن سيكون ذلك بإتفاق بيننا ، تحتويه وثيقة زواجنا .

لكن كيف سأصيغها ، سنعقد قراننا على ورق سوليفان ، لكل منا نسخة ، كلما غضبت منه وإستحال الغفران ، قطعت جزءا من هذا العقد ، وهو أيضا سيفعل مثلما أفعل ، وهذا يكفل لنا حرية الطلاق ، وذلك تنفيذا لإتفاق مكتوب ، وعليه شهود ، بوثيقة زواج .

عندما وصلت لهذه الفكرة ، أحسست براحة غير عادية ، ولكن بمن سأرتبط لدى الكثير من الزملاء والأقارب والأصدقاء ، وأعلم بحس الأنثى أنهم يرغبون فى الإرتباط بى ، وأنا فى كل مرة أتهرب بسبب أو بآخر ، ومن منهم سيوافق على مثل هذا الإتفاق ، سأعلن أن عريسا تقدم لخطبتى ، وبذلك أحرك الماء الراكد ، فمن يريد منهم أن يتقدم لى ، ويعلن عن رغبته فى الإرتباط بى.

وبالفعل أصبحت أستشير المقربين منى ، والذين أشعر أنهم يحبوننى ويتمنون الإرتباط بى ، وساعتها تقدم لى عدد منهم ، وأخذوا يهاتفونى ، ويؤكدوا أنهم من سيسعدونى ، وما على إلا الطلب وهم سينفذون ، من حواراتهم المختلفة ، توقفت عند ثلاثة منهم ، مجدى – ماهر – مدحت “.

إنهم الأكثر تحررا من السابقين ، إنهم يعرفون كيف يستمتعون بحياتهم ، إنهم الأكثر لباقة ، فعرضت الأمر عليهم ، وأنه إتفاق من يخل بالشروط ، كأنه فسخ العقد ، لكن الحوار مع كل منهم فى كل مرة يبعدنى عن هذا ويقربنى من هذا ، والذى وجدته منهم قادر على فهم حوارى وربما قبل أن أتلفظ بالكلمة هو مجدى ، وإتفقنا على كل شىء ، فنحن سوف نتزوج فى شقته ، وقد أعدها بالشكل الذى يفوق قدرتى وذوقى كأنثى فى تجهيز منزل الزوجية ، وأعلنا عن حفل زواجنا ، ودعونا كل أقاربنا وزملائنا ومعارفنا وأصدقائنا.

وتم زفافنا ، وسافرنا لقضاء شهر العسل ، فى جولة طفنا بها معظم دول أوروبا ، وفى كل يوم ينجح مجدى فى جذبى له وتعلقى به ، فكنت لا أريد أن أغمض عينى حتى لا يغيب عنها ، ولا أنام إلا على سماع أنفاسه ، أحسست أن قلبى إنشطر ، نصفه بصدرى والنصف الآخر بصدره .

وعدنا إلى منزلنا ، وقد كان مجدى يبذل أقصى ما فى وسعه ، لإرضائى ولراحتى ، وأنا أفعل مثله ، فكما تقاسمنا عقولنا تشاركنا مشاعرنا وأحاسيسنا ، فنحن بلغنا من العمر ما يعطينا الخبرات فى التعامل ، وفى فهم من حولنا ، فما بالك بمن نحتويه ويحتوينا ، فكان يساندنى إن ضاقت بى الظروف وبدا الغضب على ملامحى ، ويخفف عنى ، وإن زاد إنفعالى يتركنى حتى أهدأ ، وعندما يرحل ضيقى وغضبى ، أذهب إليه وأعانقه وأطبع على جبينه قبلة ، فيدرك أن هذا إعتذار عن لحظات بعدت نفسى فيها عنه ، وإن مر هو بضيق أو غضب فعلت مثلما يفعل هو معى.

وبعد مرور عدة سنوات لا أدرى كم عددها ، وجدنا أن ورق السوليفان الذى يحمل عقد زواجنا لم يمس ، وينقص بل صرنا نحفظه بين جفوننا ، وكان لنا ما طمعنا فيه ، فقد صارت لنا عائلة ، وقد رزقنا الله بالبنت والولد ، وكلانا يبذل قصارى جهده لإسعاد الآخر ، ولإسعاد أبنائنا ، لأن ما بيننا حب وليس حكم قضائى بحياة مؤبدة ، يعتقد كل طرف منهما أنه سجن للآخر ، وأنهما فرضا على بعضهما ، وليس هناك نوافذ ، لأخذ إستراحة ، بل هو حكم بالسجن حتى الموت ، ” كم تمنيت هذا الحلم القابل للتحقيق.

كلانا يضج تحت هذا الحصار ” نساء ورجال ” ، نشعر بالعجز ، فنقتل بداخلنا المشاعر ، والأحاسيس لنحيا أندادا ، وأحيانا أعداء، ونربى الأبناء على أننا فى صراع دائم ، يعلوه الصياح والصراخ ، ونرفض إحتمال الآخر ، لا لأنه السىء ، بل لأنه لا يعرف كيف يحتوى أنثى ، ولا يعرف كيف يخفف عنها ، ولا يعرف قيمتها إلا بعد أن يفقدها ، وتضيع من بين يديه ، إما بالموت أو بالفرار .

ويتعجب الكثيرون من إرتفاع نسبة الطلاق ، هذا نتاج طبيعى لعلاقات فاشلة ، بين أثنين لم يبذلا أى جهد لفهم شريكه فى الحياة ، بل كل منهما يبحث عن ضالته فى الزواج ، ودستورهم حقوق وواجبات ، مع أنها ليست هكذا بل هى شركة ، نعطى فيها بحب قدر إستطاعتنا ، لتكبر وتنمو ، أما نعيشه فهو يهدم لا يبنى.

شاهد أيضاً

الرواد الكبار في جولة بمدينة الحصن الأردنية

عدد المشاهدات = 11065— بقلم وعدسة: زياد جيوسي بدعوة من اللجنة الثقافية في نادي الحصن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: