الرئيسية / منوعات / فكر وإبداع / “الجنة المزعومة”.. قصة قصيرة للدكتورة منى حسين

“الجنة المزعومة”.. قصة قصيرة للدكتورة منى حسين

= 3491

د. منى حسين

يحاجينى حبيبى حين أحادثه ، إن قلت هذا يقول لا ، وإن سألته لم ؟ يرد ليس من إهتماماتى ، أشعر كأننى أحدث طفلا ، فأضحك وتمتلىء أسارير وجهى بالإبتسامة ، وأكرر وأسأله عن شىء آخر ، وأتوقع إجاباته ، فتنفرط الضحكات من فمى كحبات لؤلؤ ، يراها ويضحك لضحكاتى ،هكذا حوارنا ،
وإن غاب عنى تبدلت ضحكاتى إلى وجوم وعبوس وقلق ، فأبحث عنه ، لأراه أو أسمع صوته ، هو حياتى التى يملأُوها الحب والهدؤ ، أشتاق إليه ، وأبعث بزهراتى إليه ، ولو طلب لأرسلت إليه حياتى وأيامى ليسعد بها.

معه أشعر أننى طفلة ، أتمنى ما يتمناه ، أتمنى ألا يغيب عنى ولو ثانية ، حين يهاتفنى كأنه فتح باب قلبى وسكن به ، وكأن عيناى تحرسه وتطبق عليه بجفونها ، هو حبيبى وحياتى يعرف كيف يرضينى ويسعدنى ، يفعل ما بوسعه لينال منى نظرة رضا أو حب ، يعيرنى عينه وأذنه ،
يلاحقنى بأسئلة يعرف إجابتها ، ليرى منى ردا على أسئلته ، رفضا أو إيجابا أو إستفهاما ، فى كل طلب يطلبه منى . فاليوم يطلب منى أن أعد له غداءه ، وغدا يطلب منى مصاحبته فى المحافل المختلفة ، وفى كل يوم يحاول أن يقربنى منه ، ويعلن أننى له وهو لى ، ويتمنى لو كنا معا ليل نهار ،
وأنا أشعر بهذا ، أفكر فيه وأدقق فيما حوله ، وأبدأ بنصحه ، وأتمنى لو كان بين يدى ، لأبعد بيدى عنه حرارة الصيف وبرد الشتاء ، وأسكنه قلبى كى أحميه من أى شىء يعكر صفوه.

حين إلتقينا كنت أبنى جدارا بينى وبينه ، وكلما وضعت حجرا فى هذا الجدار ينقضه ، أشعر كأنى لم أبنِ ، ويزيد على هذا أن يقترب بخطوات منى ، كثيرا ما صددته ، لكنه فى كل مرة يقترب أكثر ، إلى أن وجدتنى على صدره ، أبكى ندما على عمر ضيعته فى صده ، إحتوانى وجعلنى طفلته المدللة ، ومن يومها وأنا أحيا به وله ، روحا وجسدا ، وكل من حولى كأنى لا أراهم ، يكاد عقلى لا يدركهم ، أضحك وحدى وينظرون لى وأذكر أسبابا ليست الحقيقة ، إنما أنا أضحك على مداعبته وتعليقاته..

جميل حبيبى يعرف كيف يحاورنى ، كيف يخرج البسمة من شفتاى ، وكيف يوقظ أحاسيسى ومشاعرى ، أعلمنى أنه حين رأنى أقسم أننا سنكون لبعض ، وقد كتب لنا هذا اللقاء ، بداية لتعارفنا ، اليوم اعلنها أننى من سعدت به ، وأن لقاءنا كان لبث الروح فى جسدى وقلبى ،
حين أحببته أحسست أن حياتى بدأت وما سبق من عمرى لم يكن حياة ، اليوم أنا له وبه ، فقد خلق منى كيانا حيا ، فأنا صنيعة يديه ، وحبيبة قلبه ، وهو كل حياتى ، فهو من وهبها لى ، أيقظنى بعد موت حسبته حياة.

تقدم لخطبتى وبلا نقاش أو تفكير وافقت ، فهو حبيبى ، لا يعنينى أى شىء سواه ، سأفعل ما يعجز عن فعله ، لن أشعره بأى تقصير نحوى ، سأكون ملك يمينه ، زوجته وحبيبته ، أعددنا المنزل الذى سيضمنا ، الذى سيشهد على حبنا ، ستكون جدرانه جزءا منا ، نألفها وتألفنا ، وتم زفافنا ،
ولم أكن أحلم بحياتنا ، سوى أنى سوف أجعل بيتنا جنة ، سأنتظر حبيبى حين عودته من عمله بأبهى هيئة ، وأعد له ما يشتهيه من الوجبات ، وبعدها أعانقه حتى يغوص فى نوم عميق ، وأحكم الغطاء عليه..

وحين ينهض ، ستكون جلستنا فى البلكونة نحتسى الشاى معا ، ثم نخرج لنشاهد فيلما فى السينما أو مسرحية ، سيكون يومنا أربع وعشرون ساعة ، سنذهب لقضاء عطلة نهاية الأسبوع فى إحدى قرى الساحل الشمالى ، وإن كانت إجازة طويلة ، سنسافر إلى الشرق فى الشتاء ، وفى الصيف سنسافر إلى دول أوروبا أو أمريكا .

تم زفافنا ودخلنا جنتنا ، كانت إجازة زواجى حوالى الشهر ، فقد كنت أدخر أجازاتى لما بعد الزواج ، أما حبيبى فكانت أجازته أسبوعين فقط ،قضينا معظمها فى قرية بالساحل الشمالى ، وكانت أيامنا حلما ، وعدنا إلى جنتنا ، ونزل زوجى لعمله ، كان يستيقظ فى حوالى الساعة السابعة صباحا ، وينزل فى حوالى الثامنة ، ويعود فى الثامنة مساءا ، كنت أحاول جاهدة أن أحقق ما حلمت به..

لكن البرنامج تغير قليلا ، فلم يعد ما نتناوله معا غداء بل عشاء ، وحبيبى بعده يجلس أمام التليفزيون ، وتكاد عيناه تغفل بعد حوالى النصف ساعة أتوحشه وهو أمامى ، وأصبر نفسى إنه أمامى ، لكنى أراعى مدى إجهاده ، أصمت عن الكلام حتى تبدو عليه بوادر النوم ، أصحبه إلى غرفتنا وأغطيه بما يدفئه ،
وأخرج لأكمل سهرتى أمام التليفزيون ، وبعد فترة ألحق به ، وأتنازل عن حلمى أن أنام بين ذراعيه ، وبعد إنتهاء أجازتى عدت لعملى ، وبدأ فى إستنفاذ الكثير من الوقت والجهد ، وأعود لبيتى قبل زوجى بحوالى الساعة ، فأعد ما إتفقنا عليه ، ليحضر ونتناوله..

أما فى أجازة نهاية الأسبوع ، فكان يصحبنى مرة عند أسرته والآخرى عند أسرتى ، بدأت مرحلة التنازلات عن أحلام رسمتها لحياتى مع حبيبى ، لم أحقق منها شيئا ، وبدأنا حياتنا ببرنامج يتفق مع ظروف ومواعيد عمله ، وإنتقلنا إلى برنامج آخر كله فروض ، وإن كنت أرفض الكثير مما وصلنا إليه فى كثير من الأحيان ، لكن حبيبى يحاول جاهدا ألا يغضبنى أو يغضب أحدا من أسرته أو أسرتى ، وأنا أرقبه.

لكنه لم يغضبنى ولم يرضينى ، لم يحقق الحلم الذى حلمته ، بعد عدة شهور مررت بأزمة صحية وذهبنا إلى الطبيب ، وبشرنى بأننى حامل ، وإنتظرنا قدوم ما رزقنا الله به ، وبدأت رحلة متابعة الحمل وزيارة الطبيب بشكل دورى ، غاب زوجى عن هذا المشهد فى معظمه ، وكانت أمى تصحبنى للطبيب ، وتساعدنى فى أداء أدوارى المنزلية ، رويدا رويدا فتر حبى ، وضاعت أحلامى التى رسمتها ، وجنتى المزعومة ، فأصبح شريكى كوالدى ، رجل شرقى تقليدى ،
لكن هل أنا كوالدتى ؟ كثيرا ما مر أمامى المشهد ، ولم أتقبله أبدا ، فحاولت إقناع زوجى بأن نجلس سويا ، لنضع تصورا لمسار حياتنا ، وكيف نفعل ما يقربنا ، لأن مشوار حياتنا لن يكتمل بهذه الطريقة .

وفى أثناء حوارنا أحسست بألام الوضع ، وإنتقلنا إلى المستشفى لأضع إبننا ، وفى غمرة ألامى لاحظت وجوم حبيبى وحزنه وبكاءه على بكائى .وإصراره على الدخول معى غرفة الولادة ، وبشرنى الطبيب بقدوم إبننا ، ورأيت فى أعين الممرضات نظرات سعادة بحبيبى ، وحسد على حبه لى ، لم لم أر هذه النظرات من قبل ؟ لم يخفيها عنى ؟ أهى دوامة الحياة التى أخذتنا ؟ وأبعدتنا كدت فى وسط صراخى وألامى أن أعانقه وأخفف عنه ، إنه حبيبى الذى غاب عنى شهورا حسبتها دهرا .

لم يعد الحب بيننا كلاما بل أفعال ، تظهره المواقف ، أأفتعل المواقف لأرى حبه ؟ أم يجب أن يشعرنى هو بحبه ، ألا يعرف كيف يعبر عن مشاعره ؟ لا أريده قيسا و لا عنترة ، أريده فقط حبيبى ، يشاركنى وقتى ، ويحرك فى قلبى إحساسا تجاهه ، بدلا من أن يفتر الحب بقلبى ويتجمد ويموت ، ونعيش بلا أحاسيس أو مشاعر.

شاهد أيضاً

“ضاعت أحلامي”..قصيدة للشاعرة عواطف العامري

عدد المشاهدات = 7564— واشيبي شيباه منك يا تاركً نسم وهوى قلبي ما ظنتي برخص …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: