الرئيسية / منوعات / فكر وإبداع / “الرحيل”..قصة قصيرة بقلم الدكتورة منى حسين

“الرحيل”..قصة قصيرة بقلم الدكتورة منى حسين

= 3232

د. منى حسين

على رصيف القطار المزدحم ، وسط أجساد من البشر شبه ملتصقة ، وفى لحظة دخول القطار إلى المحطة ألقت امرأة نفسها أمام عجلاته ، فمنا من صرخ ، ومنا من بكى ، ومنا من أغمض عينيه ، منظر رهيب ، لا يحتمله أى فرد عادى ، سادتنا جميعا دهشة ، كيف هانت على القطار كى يصرعها ؟ كيف لم يستطع التوقف؟ ليتها ما فعلت ، لم أتمالك نفسى كاد يغشى على ، فأجلسونى على كرسى على رصيف القطار..

جلست لفترة ، أتت سيارة الإسعاف لتجمع أشلاءها ، وبعد أن غادر رجال الإسعاف ، وجدت نفسى أنهض من مكانى ،لأتفقد المكان ، فوجدت نظارة شمسية كانت ترتديها هذه المرأة على جانب القضبان ، فطلبت من أحد المارة إحضارها لى ، كما وجدت بعض الأوراق المتناثرة ، جمعتها وعدت إلى الكرسى الذى كنت أجلس عليه .

قلبت فى الأوراق ، لأجد أنها كتبتها نتاج ألم نفسى تعرضت له ، بدأت بقراءة الأوراق ، لكنها غير مكتملة ، ربما أخذ بعض رجال الإسعاف عددا منها ، رتبتها لأفهم ماذا تقول ، وجدتها أنسة لم تتزوج وهى فى عقدها الرابع ، عاشت مع أخواتها بعد رحيل الأم والأب ، وقامت بكل هذه الأدوار فهى الأخت الكبرى ، ربت وعلمت ، نثرت الحب فى أرجاء البيت ، صنعت عائلة بإخوة وأخوات .

كبروا وراح كل منهم يبحث عن طريقه ، زوجت البنات وتزوج البنون ، كل حسب اختياره ، وكانت الأم لهم جميعا ، والجدة لأبنائهم ، بالرغم من صغر سنها ،
وحكت قائلة : مر بى العمر لا أعلم كيف مر ، تعجلت أيامه فسبقتنى دون أن أدرى ، ورأيت أن أيام شبابى قد ولت ،وأن العمر ولى فى رحلتى مع إخوتى ، وعندما حاولت اللحاق بقطار العمر ، لم أستطع ، فقد فقدت الحبيب الذى تمنيته ، لأنه لم يستطع أن يحمل معى إرث أبى لضيق حاله ، وذهب ليتزوج بآخرى ، ويرحل عن مدينتنا .

لكنه عاد بعد سنوات فقد ماتت زوجته ، ولم يرزق أطفالا ، فأتى به حنينه إلىً مرة آخرى ، وأكد أنه لم ينسنى ، وأنه أكمل تعليمه ، واليوم هو مهندس مشهور ، وله شركته وأعماله ، لا ينقصه سواى ، وأنا أيضا أتممت مهمتى على الوجه الأكمل ،

فحدثنى عن رغبته فى الارتباط بى ، وبعدها سيصحبنى إلى المدينة التى يعيش فيها ، وأنها الأجمل على الإطلاق ، وأن له بها بيتا جميلا ، كما تمنيناه معا ، كما رسمنا تفاصيله من حوالى عقدين ، وكأنه يعلم أننا سنلتقى مرة آخرى .

أخبرت إخوتى أن هناك من يريد الزواج منى ، وإنه يريد أن يلقاهم ، فلاحظت وجوما ارتسم على وجوههم ،
كيف ؟ لقد سبق له الزواج ، أنت بكر ، لم لا تتزوجين من هو مثلك ؟
ولم لا أتزوجه هو ؟
دعينا نراه

حضر مراد وكان حديثه كالنغمات فى أذنى ، أن حلمه كان الارتباط بى ، وقد عاد ليحققه ، وتحدث كثيرا عن عمله وعما حققه ، و أنه قادر على إسعادى ، ولديه ما يطلبونه ، وأنا أتأمل الموقف ، يسودهم جميعا الوجوم ، وكأنه يتحدث مع جماعة من الخرسان ، وأنا أتأملهم ، أنا من كنت أستقبل ضيوفهم بحفاوة ، أنا من كنت أحمل الهدايا لخطيباتهم ، كنت أفعل هذا بكل الرضا ،

قلبى يرقص سعادة ، وعيناى بها بريق غاب عنها كثيرا ، الفرحة تغمرنى ، وهم يخنقونها داخلى .

صمت وانتظرت الحكم فى أخر الجلسة ، رأيتهم يسوفون ، ويمنحون لأنفسهم مهلة للتفكير ، ولدراسة العرض ، ونسوا أنى صاحبة الشأن ، وأن هذا الرجل حلم عمرى ،

انصرف مراد ، حاولت جاهدة أن أفهم قرارهم ، وهل لهم قرار ؟ القرار قرارى ، هذا مستقبلى أنا ، ليس مستقبلهم هم ، كل منهم له طريقه وشريكه ، أنا لا .
كشرت عن أنيابى وصحت فيهم ، من أنتم حتى توقفون قطار عمرى مرة ثانية؟ ، صمتوا وقالوا: لم تقولين هذا ؟ نحن فقط اقترحنا فرصة للتفكير ، والرأى رأيك أنت ، قلت : هى حياتى ، وهذا شريكى الذى ضاع منى واليوم عاد ، قالوا : لك ما تشاءين ،

تحدثت مع مراد ، وكان حديثنا يشبه الأساطير ، سعدنا معا بساعات لم أكن أحلم بها ، وفى اليوم الموعود ، انتظرت مراد ، وانتظر إخوتى معى ، لم يحضر ولم يتصل ، يوم يومان ، وقرأت بالجريدة أنه أصيب فى حادث مروع ، حين كنا ننتظره ، سافرت إلى مدينته لزيارته بالمستشفى ، ورأيت أن حالته سيئة ،صاحبته عدة أسابيع فى مرضه ، وقد يئس الأطباء من شفائه ، فأهملوه ، ورحل وترك بقلبى جرحا ، لن تداويه سنين عمرى الباقية ، التى لا أعرف كم هى؟
برحيل مراد شعرت أن الحياة قد انتهت ، وأنى قمت بكل الأدوار مع إخوتى ، حتى الحب الذى عاد ليحيى القلب اليوم رحل ، ” هذا ما كتبته ”
فهمت من كلماتها أنها كتبت هذه النهاية لحياتها ، بعد أن مات حلمها بالحياة ، و حرمت من السعادة ، فاكتفت بما قدمت ، فلم يعد لها بالحياة أمل ،

وكانت النهاية التى روعتنا جميعا رجالا ونساءً، لماذا لم تصنع أملا تحيا به ؟ لماذا لم تر أن للحياة وجوها آخرى ؟ تعجلت فى اتخاذ القرار ونفذته دون حوار أو نقاش ، على أمل أن يتحقق حلمها فى عالمها الآخر ، ربما يلتقيان هناك .

أوقفت قطار حياتها الدافىء المعطاء ، بقطار بلا قلب ، يدهس من أمامه لا يفرق بين عزيز أو ضعيف ، بين سعيد أو حزين الكل عنده سواء ، رحلت بدفء قلبها .

شاهد أيضاً

سوف أحيا”… قصة قصيرة بقلم د. منى حسين

عدد المشاهدات = 4447— جلست على أريكتها كعادتها تستمع للمذياع ،وحين أدارت مؤشره سمعت أغنية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: