الرئيسية / منوعات / فكر وإبداع / “عودة للحياة” ..قصة قصيرة بقلم د. منى حسين

“عودة للحياة” ..قصة قصيرة بقلم د. منى حسين

= 1283

د. منى حسين

حين تسرى دماؤنا فى شرايين حسبناها أفلت ، ونرى العيون قد فتحت ، ندرك أننا كنا رهن كهف ، أحكموا إغلاقه علينا ، فلم نعد نرى إلا ما هو فيه ، عزلنا عن حياة بلا أسوار ، حتى سادنا الحزن ، وإعتقدنا أنها نهاية الحياة ، سنصبر عليها حتى نرحل .

لم نر مسارات آخرى كى نختار ، فقد فرضت علينا حياة بين جدران ، لم نشعر بالسعادة ، لكننا نؤدى أدوارا ننسى بها أن بداخلنا قلبا ينبض ، ننحيه فليس الوقت وقته ، اليوم يوم العقل ، الذى ينظم ويخطط ، ويحملنا من دور إلى دور ، ونظن أننا حققنا ونجحنا ، ولا ندرى كم من السنين أضعنا .

لكنها عمر ضاع منا ، سرقه الآخرون ، كنا نعطى فيه بكل الرضا ، ومازلنا نعطى لكن الآن بحكم العادة ، فمن حولنا اعتادوا أن يأخذوا ، ومن اعتاد الأخذ لا يعرف العطاء ، لكن العقل أعلن إعتراضه ، وتساءل لم لا يعطه الآخرون كما أعطى سلفا ؟ ، حين صمت اتهموه بالتغير ، وتساءلوا : لم تغيرت ؟ ، لم يسألوا أنفسهم عن الأسباب ؟ جميعنا تغير لكنى أثرت ترك الكهف .

بعد أن رأيته أقسمت أنى لم أر رجالا من قبل ، فحديثه خاطب عقلى ، يعرف كيف يأسر امرأة ، حين تعطلت سيارتى ، وجدته يقف بسيارته بجانبى ، ويحاول إصلاحها وحديثه لا ينقطع ، حتى أحسست أنى أعرفه منذ ولادته ، تاريخ كبير بأحداث متنوعة عن أسرة وأخوات ومشروعات وتجارب حياتية ، تمنيت لو طال بنا الوقت معا ، حتى يكمل حديثه ، لم أستطع إخفاء نظرات السعادة والإعجاب بعينى .
فمنذ رحل زوجى وأنا أعمل كالآلة ، أذهب للعمل وأربى ابنى ، وليس لدى وقت لنفسى ، غير أنى أهتم بمظهرى كطبيعتى ، كما أن بصمات العمر على وجهى لا تكاد تراها ، فكما لم أشعر بمرورها السريع ، لم أعشها ، مرت بعيدا عن وجهى وقسماته ، أعرف الكثير من الرجال فهم الأقارب وزملاء عمل وجيران ، وآخرون التقيت بهم فى مناسبات لكنى كنت أضع على صدرى لافتة فحواها أنى لست امرأة ، فقد أغلقت عالمى حتى لا يفكر الآخرون أن يدخلوه .

لكنى مع هذا الرجل أرى أننى إنتزعت هذه اللافتة ، ووضعت مكانها لافتة أخرى ترحب بوجوده فى حياتى حتى نهايتها ، فقد نجح فى رسم البسمة على شفتى ، وجعل قلبى يرسم أجنحة ليحلق فوق رأسى ويحوم ، كأنه يتنفسه ، كيف حدث هذا فى مثل هذا الوقت القصير ، فوقفتنا معا لم تتجاوز الساعة ، لكننى أحسست أنها عمر كامل ، حين أصلح سيارتى طلب منى أن أسير أمامه كى يطمئن على مدى سلامتها .

نسيت فى هذا الوقت وجهتى ، ولم يوقظنى إلا صوت موبايلى إنه ابنى يطلب منى إحضار بعض الأشياء التى يحتاجها ، أفقت وقد اطمئن على وعلى سيارتى ، شكرته وودعته لكنه ألح فى أن يأخذ رقم هاتفى .

أديت كل مشاويرى ، وعدت لبيتى وبحلول المساء وجدت رقما غريبا على شاشة هاتفى ، حين أجبت وجدته يطمئن على وعلى سيارتى ،فأجبته أننى بخير والسيارة فى أفضل حال ، شكرته على ما فعل معى ، فلولاه ما عرفت كيف أتصرف ، وطال حديثنا لا أعرف كيف مر كل هذا الوقت فى حديث لم أمله وتمنيت المزيد منه .

وبعد انتهاء المكالمة ، وجدت إبنى ينظر لى وكأنه يتفقدنى ، فقد رأى على وجهى بسمة وإشراقة غابت عنى كثيرا ، وسألنى من هذا الذى كنت تتحدثين معه ؟، حكيت له ما حدث لى ، وكيف أنه ضحى بوقته وجهده لإصلاح سيارتى ، لكنى أفهم ابنى جيدا ، النظرة التى صاحبت سؤاله ، نظرة استفهام عن البسمة التى علت شفتى ووجهى ، أحسست بغيرة ابنى علىً من حديثى مع مصطفى .
تناسيت نظرته ، لكنى لم أستطع أن أنسى حديث مصطفى ، وموقفه معى ، أسدل اليوم ستائره وحان موعد نومى ، يوم مر بحلوه ومره ، إلا أنه ترك على ملامحى بصمة وسعادة افتقدتها زمنا طويلا ، وكعادتى أصحو مبكرا وأعد لابنى إفطاره كى يذهب لعمله ، وبعده أنصرف أيضا لعملى الذى يأخذنى فى دوامته عدة ساعات ، أعود بعدها للبيت وأدواره .
لكن مصطفى كان على موعد معى فى نفس ميعاد لقائنا بالأمس ، وجدته يتصل بى ويطمئن على حالى ، كنت أجيبه وكأننى طفلة ، فمنذ رحيل أمى وأبى ، لم أجد من يهتم بى ويطمئن على حالى ، ينقصنى أن يقبل جبهتى ، ويربت على كتفى ، لا يعلم كم السعادة التى بثها فى روحى على مدار الأربع والعشرين ساعة الماضية ، فقد غير حالى تماما.

أنهيت مكالمته لإنشغالى بالعمل ، وبعد انقضاء ساعات العمل ، عدت إلى بيتى كى أرتبه وأعد الغداء لابنى ، وبعدها ذهبت لفراشى كى أستريح بعض الوقت ، وما أن إستيقظت من نومى ، حتى سمعت رنين هاتفى ، إنه مصطفى يسألنى كيف أمضيت يومى ، ويحكى عن يومه ،بطريقة أضفت البسمة على وجهى ، فبدا كأنه إشراقة الشمس حين سطوعها ، فحديثه لا يخلو من النكات والقفشات ، حتى صوت ضحكته يذكرنى بضحكة بعض الممثلين القدامى ، بما بها من خفة دم .

وحديثه يكشف عن ذكاء اجتماعى وذكاء عام ، لا أشعر بالوقت معه ، فحواراته تبعدنى عن جو الصمت الذى أعيشه مع ابنى الجالس أمام شاشة الكمبيوتر ، تارة يضحك وآخرى يكتب ، كأننى لست معه فى نفس البيت ، أشعر بالسعادة وأنا أتحدث معه ، لكن ابنى يرقبنى من بعيد، وبداخلى سؤال ، منذ متى وأنت تهتم بمكالماتى ؟

فى الصباح وأثناء ذهابى لعملى ، تعطلت سيارتى ، لم أشعر إلا بيدى تمتد لهاتفى لتطلب مصطفى ، لاطلب مساعدته ، فوعدنى بأنه سيأتى فى خلال دقائق ، وجاء قبل أن يكملها ، وبدأ فى فحص سيارتى ، ودارت فى لحظة معه ، سألته كيف دارت ؟

أجابنى : ربما أخطأتى فى الضغط على مفتاح ما

انتبهت لنفسى ، أيكون هذا نداء منى له ؟ أم هو اختبار وضعته فيه كى أرى تصرفه إن إحتجته ؟ احمرت وجنتى خجلا ، فهذا عطل بسيط لا يحتاج لإصلاح ، ولكن فقط إعادة المحاولة فى تشغيلها ، ماذا سيقول عنى الآن ؟ شكرته لكنه تبعنى بسيارته حتى يتأكد من وصولى لعملى بسلام ، ودعنى وتركنى ليذهب لعمله .

كرر نفس عادته معى فى المساء بمكالمته ، لكنى وجدته فى الصباح أمام عملى بسيارته ، إتجه نحوى ليصافحنى ،ويطلب منى أن نتحدث معا بعض الوقت ، أحسست بالحرج أن أرفض طلبه ، فحين احتجته ولم أكن أعرفه توقف وساعدنى ، وحين طلبته لبى طلبى وكان بجانبى ، ابتسمت على استحياء ، وقفت سيارتى وركبت معه سيارته .

اتصلت بزميلتى وقلت لها إن لدى مشوار سأقضيه وأعود للعمل ، ذهب بى إلى النادى ، جلسنا معا ، وكنت أرقب قيادته وتعامله مع المارة بالشارع ، ومع السيارات المجاورة ، فهو هادىء الطبع ، إن نظر لأحد ابتسم ، يستخدم لغة الجسد بشكل متقن ، به رقى جعلنى أحترمه وأقدره أكثر وأكثر ،
بدأ كعادته بالاطمئنان على ،وبدأ يسأل عن أسرتى ، فسردت له شريط حياتى ، إنه يقاربنى فى العمر ، لكنه لم يتزوج ، كان يبحث عن امرأة بمواصفات رسمها وتمناها ، وحين رأنى أقسم أنه رأها فى ، فأنا من تمناها ، وأننى قدره الذى أرسله الله له ، وأنا قسمته ونصيبه ، أنا من كان يبحث عنها ، حبيبة وزوجة.

لا أكذب أن نفس الشعور انتابنى حين رأيته ، كأننى أعرفه منذ عقود ، وأنا بأمس الحاجة لمثله فى حياتى ، لقد عشت لابنى ، والآن أقبل على الزواج وسأعيش وحيدة ، وأنا مازلت فى سن يجعل الآخرين يطمعون فى ، ووجود مثل هذا الرجل فى حياتى سيسعدنى ويوفر الآمان لى ، ويعيد الروح لجسد جف من وحدته ، سمعته وفى عقلى تساؤلات كثيرة ، أهمها ، ماذا بعد ؟

وقرأ هذا فى عينى ، وبادر بالإجابة عن تساؤلاتى ، بطلب يدى للزواج ، لم أستطع إخفاء فرحتى ، فكشفت عيناى عن بريق يخطف الأبصار ، لكنى تمالكت نفسى ، وفجأة ظهرت صورة ابنى أمامى ، فطلبت من مصطفى إعطائى فرصة للتفكير ، جلسنا كثيرا ساعات مرت وهو يتحدث ، وأنا لا أمل من سماعه ، لكن عقلى لم يتوقف ، سأخبر ابنى ، وسأعد نفسى وبيتى لهذا الحدث الكبير.

فبدأت بأننى سأرتب له موعدا ليلتقى ابنى ، ويتحدثا معا ، وبعدها سأعلن قرارى ، وبعد يومين إلتقينا أنا وابنى بمصطفى فى النادى ، جلسنا حوالى الساعة ، ومصطفى يتحدث وملامح وجهى مؤشرا على رضائى عن كل شىء يقوله ، أما ابنى ففى أغلب الوقت كان لا يرفع عينه عن شاشة هاتفه ، ودردشاته مع الآخرين ، كأنه ليس معنا ، وكلما حاولت إشراكه فى الحوار يتوه منى ، حتى أصابنى ومصطفى احباط من تصرف إبنى فى لقاء كهذا ، انتهى اللقاء وعدنا أنا وإبنى إلى البيت ،

وسألته ما رأيك فى المهندس مصطفى ؟
رد ، بخصوص ماذا ؟
عموما
إنسان راقى ومحترم
لقد تقدم لخطبتى
وما رأيك أنت ؟ هل تريدين أن تتزوجيه ؟
لم لا ؟
وأين ستعيشين معه ؟
لم نتحدث فى تفاصيل ، إنه عرض على الزواج
ومتى ستتزوجينه ؟
لم نتفق بعد
هذا اختيارك ، وهذه حياتك
هل أنت موافق ؟
لا يهم رأيى الرأى رأيك
هل لديك أى مانع ، أو نقد لشخصيته
هل تعرفينه جيدا ؟
عن ماذا ؟
حياته الخاصة ، مكان عمله
لم يسبق له الزواج ، يعمل مهندسا فى شركة يمتلكها وصديق له
ويسكن قريبا منا
هل لديه شقة مناسبة تليق بكَ كزوجة ؟
تغيرت ملامحى ، فقد فهمت أن ابنى ليس لديه أى اعتراض على زواجى من مصطفى ، لكنه يريدنى أن أنتقل للعيش فى بيته ، لكنى لم أستطع أن أصمت ،
هل أنت موافق على زواجى ؟
نعم
هل تريد أن ننتقل لبيت مصطفى ؟
أنت من ستنتقلين معه ، أنا سأبقى هنا
تريد أن أذهب أنا وحدى ، وأنت تبقى هنا
نعم ، وأنا فى غضون شهرين سأتزوج وأترك المكان

بت ليلتى وعقلى لا يكاد يتوقف عن التفكير ، وما هى إلا دقائق ووجدت مصطفى يتصل بى ، أجبته ، ولاحظ تغييرا فى صوتى ، وسألنى ماذا بك ؟
لقد سألت إبنى عن رأيه فى زواجنا ، ولم يبد أى اعتراض ، أحسست بفرحة تغمره ، وراح يرسم خطوات لاتمام زواجنا ، وأن بيته يتزين لاستقبال أجمل امرأة فى العالم ، وأنا أسمعه وبداخلى إحساس غريب ، وصوتى الذى كان بالأمس تعلوه الضحكات ، اليوم صامت لا يعلق،
لاحظ مصطفى ذلك ، وبدأ يتحدث كعادته عن عمله وغيره ، وأنا بلا أى رد ، فقط أسمعه ، شعر بقلقى ، اكمل إتصاله ، وأنهاه كما اعتاد معى ، أغلقت باب حجرتى ، وتمددت بفراشى ، لعلنى أنام بعض الوقت ، لكنى ظللت أفكر طويلا إلى أن غلبنى النوم .

فقد وافق ابنى إرضاء لى ، لكنه يرفض أن يرى مصطفى مكان والده ، أعلم لكن مصطفى رأى أنها موافقة ، أما أنا فأعرف ابنى ، أعلنها على استحياء ، إذا كنت تريدين أن تتزوجى مصطفى ، فلتتركينى حتى أتزوج ، ولم يقل إبقى معى حتى أتزوج ، وبعدها تزوجى ، فسيكون لك حجة أنك وحيدة ، لكنى فهمت ما يعنى .

وما هى إلا ساعات قليلة ووجدتنى أردد ، نعم سأتحدث مع مصطفى لتأجيل زواجنا بعد زواج ابنى ،
وفى الصباح الباكر نهضت من مكانى كعادتى وذهبت لعملى ، ووجدت مصطفى يهاتفنى ، أجبته والحيرة مازالت تنتابنى ، ما هذه السرعة فى الارتباط ، ربما تأجيل الارتباط فرصة كى نفهم بعضنا أكثر ، ونتعرف على بعض عاداتنا ، وأحس مصطفى بى ، لكنه استبعد فكرة قلقى من الارتباط به ، فحاول بكل ما يملك من مهارة فى الحديث والتصرفات أن يطمئننى ويقترب منى أكثر ،

وبدأ يوطد علاقته بى وبابنى ، فاليوم يصحبنى للنادى ، وغدا لحفل بدار الأوبرا ، وبعده برحلة جماعية لى ولابنى فى شرم الشيخ والاسكندرية وغيرها . وفى كل مرة يهدأ قلبى ويستكين عقلى ، إلى أن زوجت إبنى ، وانتقل لبيته ، وقتها فقط لم أجد بجانبى سوى مصطفى، وشعرت وقتها أن وجوده فى حياتى شىء ضرورى ، وأن الفترة الماضية كانت كافية لمعرفة مميزات وعيوب مصطفى .

ففى المساء لا يتركنى مصطفى حين يتحدث معى إلا وأنا أغلق عينى للنوم ، وفى الصباح أصحو على صوته ليطمئن على وعلى أحوالى ، فأصبحت ابنته التى يرعاها ويخاف عليها ، وبعد عودة ابنى من رحلة شهر العسل ، ذهبنا أنا ومصطفى لنبارك له ، وكان ترحاب ابنى به على غير عادته ،
لقد كان قلقه على وهو فى سفره كبير ، وأحس أن وجود مصطفى فى حياتى سيكون بمثابة حارس أمين علىَ ، وأحس بالندم على تأجيله لزواجى ، وكنت قد أمنت أن علاقتى بمصطفى هى حب من أول نظرة ، لكن عقلى لم يرد أن يتركها دون تفكير ، واليوم أنا أريد مصطفى بالحب والعقل ، بلا تردد .

شاهد أيضاً

“طيف مخملي”..قصيدة للشاعرة عواطف العامري

عدد المشاهدات = 1477— في ليلة .. قمرى تلاقينا وتوجنا الفرح والنجوم قراب اشوفها الطرف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: