الرئيسية / منوعات / فكر وإبداع / “رحلة للنسيان”..قصة قصيرة للدكتورة منى حسين

“رحلة للنسيان”..قصة قصيرة للدكتورة منى حسين

= 2175

د. منى حسين

“هدى”.. إمرأة ناضجة تشغل مركزا مرموقا اجتماعيا وعمليا ، كما أن لها صفات جمالية وبريق عينيها يجذب من حولها ، وحلاوة لسانها ، وتملكها لمفاتيح لغتها العربية بمفردات دقيقة ورقيقة ، وخلطها ببعض الكلمات الأجنبية ،

فهى كإمراة كل متكامل تعد أملا لكل رجل يتمنى الاقتراب منها ، بأى صورة ، تنتقل بين العمل والآخر ، تحظى بعلاقات اجتماعية جيدة فى كل مكان وفى كل عمل ، فهى بطبيعتها بسيطة وراقية ، تعيش بأجنحتها ، لا تطيق ان ترى شخصا حزينا ،أو وحيدا دائمة الحوار باحترام ورقى داخل عائلتها او فى مجال عملها ، يعدونها مرجعية أو مستشارة فى العديد من الأمور العملية والعلمية والاجتماعية وأحيانا الشخصية فهى مصدر ثقة للجميع ،

وهى مرتبطة ، وحين تتحدث مع الأخرين ، يحجبهم عنها خاتم زواجها الذى تتفنن فى إبرازه أمام الأخرين ، أنا مشغولة أو أكثر دقة أنا مرتبطة ، “ممنوع الإقتراب أو اللمس ” حتى إن أعجبتهم كامرأة ، وهى دائما ما ترسم الحدود لكل علاقة ، فجميعهم أصدقاء وزملاء وإخوة إن أرادت وأفصحت ، وكانت غالبا ما تعلن وهى تضحك بحب .

لكنها شعرت بضيق مما حولها ، حتى عملها الذى تقدسه وعلمها الذى أعطت فيه الكثير ، وأسرتها وأولادها التى ترضى إلى حد كبير عن أدائها فى مجملهم ، إلا أن ما ينغص عليها حياتها أنها ليست سعيدة ، على الرغم مما أنجزته فى كل مجالات حياتها التى تعيشها ، لكنها تتناسى وتشغل مجمل وقتها بالتنقل من مكان إلى آخر ومن عمل إلى آخر ، فهى حرة تطير كالفراشة ، خفيفة الظل وقورة ، بمظهرها مهابة ووقار ، الابتسامة لا تفارق وجهها ، يعشقها من يراها لأول وهلة ،

لكنها تفر من العيون والحوارات ، حتى لا تبهر الآخر ويزداد تعلقا بها وبالحوار معها . ويلتفون حولها ، وكما قال أحد أساتذتها ” إن الجميل لا يحتاج أن يبذل أى مجهود ليلفت النظر إليه عكس من هو غير ذلك ” ، تشعر بهذا وكثيرا ما تبحث عن أسباب للإنصراف فمن حولها يتمنون رضاها ،

حتى قرينها يعلم هذا ويحبها ، ويقدسها إلا أنه لا يستطيع أن يرضيها كل الرضى فهو يعلم أن بداخلها عدم رضى مهما فعل من أجلها ، لكنه ليس بملاك ،

هو رجل حظى بما يحظى به معظم الرجال الشرقيين ، الإلتزام وبعض السمات الشخصية الودودة والاجتماعية ، لكنه على العكس منها لا يحظى بروح المغامرة أو المخاطرة ، ، فهى مقاتلة ، وحين تدخل أى معركة تنتصر بها ، وإن بدأت بهزيمة فى إقترانها بهذا القرين ، لكنها بدأت معارك أخرى وإنتصرت فيها ، لكنها لم تنسى هزيمتها الأولى .

عاشت سنينا طويلة تصارع ، وترى أنها بهذا تحقق الآمال ، وبطريقة شرعية ، خاضت الكثير من المعارك الشريفة وإنتصرت لنفسها ولعقلها ، ومن نجاح إلى نجاح صارت حياتها ، لكنها تبدو اليوم حزينة ، ضاقت بما حولها عملها وعلمها وأسرتها الصغيرة والكبيرة ، احست بضجر غيرعادى وقررت الرحيل رغبة منها فى الإبتعاد عن المسار الذى تسلكه معلنة ” عايزة أفصل شوية ” أريد أجازة ، وبالفعل نوت وخططت وتأهبت لرحلة تغيير أو نسيان سمها كما تسمها .

وبالفعل بدأت رحلتها ولم تدرى أن بإنتظارها قصة لم تكن تتوقعها ، ففى المطار إلتقته ، وهى تملأ وثيقة الحصول على تأشيرة الخروج ،
لفت نظرها ، رجل ريفى بسيط يقترب من فرد يبدو من مظهره أنه شخص مرموق فى المجتمع وهيأته تؤكد هذا ، حتى بنيتة الجسمية ترسم صورة متكاملة عنه ، ويطلب منه أن يدون بياناته للحصول على تأشيرة الخروج ، فرد عليه لكن بإسلوب شديد إلى حد ما ” إنتظر حتى أنتهى” ، فنظرت إليه ولو كان الوقت مناسبا لطلبت من الريفى أن يعطيها الأوراق لتملأها له ، لكنها تذكرت أنها بأجازة والأمر لا يحتمل ،

فكتبت بياناتها وإتجهت نحو المسئول وأنهت إجراءات سفرها ، وإستعدت لصعود الطائرة ، ونسيت الرجلين وإن كان الموقف مازال عالقا بذهنها .

ركبت الطائرة ، وحين وصلت إلى وجهتها ، ذهبت لتستقل سيارة أجرة ، وركبت فعلا بها ، وبعد دقائق فوجئت بالرجل الذى لاحظته ولم تتحدث إليه يستقل نفس السيارة ، وأن وجهتهما واحدة .

لكنه فى نهاية الرحلة عرض تقديم المساعدة ، وأعطاها رقم هاتفه ، ورنت عليه من هاتفها ، وأمضت رحلتها أحست أنها غيرت لكنها لم تسعد ، وعادت من رحلتها ، وقد عرفت عنه الكثير من المعلومات خلال إنتقالهما وهو يتحدث مع السائق ، وهى تسمع ،

هى فى رحلة للنسيان ، لا تريد أن يعرفها أو أن يعرف عنها أحد ، علاها الصمت ، فهى تعرف أن حديثها يلفت النظر إليها وقد إستغرقت فى النوم فى رحلة الانتقال ولم تتحدث سوى مع أبنائها لتطمئنهم على وصولها ، فلم تجادل ولم تشترك بالحديث .

عادت هدى إلى حياتها التى أخذت منها إجازة ، لكن قلبها لم يشفى من الضيق والملل اللذين سافرت من أجلهما ، وتساءلت لماذا عدت ؟ كان الأجدر بى ألا أعود ، لم كل هذا؟ ، وقد رفضتى عروض السفر التى عرضت عليكى ، إهدأى فهذه حياتك عيشيها ، وإرضى .

وفى ذات أمسية وهى كعادتها تشاهد التلفاز ، سمعت رنين هاتفها ، فقد سجلت رقم هاتفه ، صوت يلقاها بلهف ، نعم تذكره كشخص عابر ، لكنه ألح فى حديثه معها ، وسألها : لماذا لم تتحدثينى فى رحلتك ، وماذا فعلتِ بها ، وأجابت الحمد لله ، وقضى وقتا طويلا فى روايته عن رحلته وعن برنامجه الطويل بها ، حكى وحكى ، وهى تسمع وطال حديثه ، وطلب منها أن تحادثه للتواصل ، إنه يريد أن يطمئن عليها.

وأصبح يلاحقها ، إعتادت سماع صوته وألفته ، وهو أحس بهذا ، فبدأ رحلة التعبير عن الإعجاب وبدأ همسه لقبها يلقى بعض الترحاب ، لكن وخز الضمير يؤلمها ، لم هذا التواصل ؟ لم هذا التعود ؟ لقد طلب رؤيتها ، فرفضت وتساءلت وما الداعى ،

لكنها فكرت و قالت ولم لا ؟ , لكنها بعد أن أنهت المكالمة أغلقت هاتفها ، فلا إتصال ولا تواصل ، أغلقت بابا لا تعرف أى رياح سيأتى بها . وكما أغلقت هاتفها أغلقت قلبها وعقلها ، لتعود إلى مسارها الذى رسمته ،

وكبلت نفسها وعادت لمسار القطار ، وبقلبها حزن زاد عدم رضاها ، لكنها عادت ، فالصمت سمتها . لا ترى بداخلها سوى حزن مهما إبتسمت ، عادت لحزنها ، ونوت الرحيل . فحياتها بلا أمل وقلبها لا يحتمل الحزن ، وتساءلت لم لا أرحل ؟

شاهد أيضاً

“أنت ماضي”..قصيدة للشاعرة عواطف العامري

عدد المشاهدات = 687— يا حزن حظك وانا منك بعيدة ما اجيك ولو يصير الي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: