الرئيسية / منوعات / فكر وإبداع / “لحظة إعتذار”..قصة قصيرة بقلم الدكتورة منى حسين

“لحظة إعتذار”..قصة قصيرة بقلم الدكتورة منى حسين

= 12991

د. منى حسين

أويت إلى فراشى ، بعد قضاء عدة ساعات فى اداء بعض الأعمال المنزلية ،وغفوت ، فإذا بى أرى أننى فى عملى ، وأرى حبيبى يدخل فى مكتب مقابل لمكتبى ، وكنت أرقبه ، وكان من فضولى ، أن ذهبت لهذا المكتب ، لكننى رأيته مسجيا على الأرض مغمض العينين . تساءلت إنه نائم ام ماذا ؟
نهضت من نومى والقلق يساور قلبى ، ماذا به ؟ أهو مريض ، أم ماذا ؟
لم أهدأ ولكن ماذا أفعل ؟ ، لقد قطعت كل الطرق بينى وبينه ، ففى أخر مرة قررنا أن نلتقي حالت الظروف لدي دون اللقاء ، فأرسلت له رسالة مفادها أننى لن أستطيع لقاءه ، لكنى أعرف ردود أفعاله المبالغ فيها ، ونبرات صوته التى تتحول إلى صراخ يؤلمنى ، وأنا بطبيعتى لا أحتمله .

ترددت كثيرا فى محادثته ، واجلت الحوار حتى يهدأ ، لكنى دائما مشغولة ، فأنا الطبيبة وعضو هيئة التدريس ، لايكفينى الأربع وعشرون ساعة فى اليوم عمل ، لا أعرف كيف تمر أيام الأسبوع وكيف يمر الوقت بهذه السرعة ، وعندما أخلو بعض الوقت لمتابعة حسابى على الفيس بوك نادرا ما كنت أراه ” أون لاين” ، إلى أن وجدته ، فبدأت الحوار معه :
صباح الخير – أعتذر حالت الظروف دون حضورى
وكررت بالإنجليزية طالبة الصفح والغفران
وتساءلت لم هذا الصمت ، حاولت بما لدي من كلمات ، فباهتنى بردود مقتضبة ولوم
أهم حاجة الإحترام – إنت لم تحترمى ميعادى
وأنا أعلم أنى أخطأت لكن رغما عنى ، لكنى تأخرت فى الإعتذار . كان قاسيا فى ردوده ، حاولت معه ، إلا أنه فاجأنى بقراره “أن الكلام قد مات ” ، وكان بإمكانى أن أعلن أنى قادمة إليه ،
لكنى كنت قد سئمت صراخه وعناده فتحينتها فرصة لإغلاق الباب ، فكررت ” الكلام مات حتى لم ينتهى” ، إنك توصد الباب بوجهى ، وأنهيت الحديث عقب إعلانه ، فى تلك اللحظة قررت إنهاء علاقتى معه .
لكنى لم استطع نزعه من قلبى ، فكنت أطمئن عليه بين الحين والحين بأن أتابع صفحته على الفيس ، ووجدته قد نشر ” فيديو ” وكأنه عراك بين سيدتين بإسلوب ركيك ، وأنا بطبيعتى أرفض الشعبيات أو الحوارات المبتذلة ، فأحسست أنه يقصدنى أو يهيننى ، فبادرت بإلغاء صداقته على الفيس ، وأوصدت الباب ، وبقلبى حسرة .

لم أحببت ؟ فأنا دائما أعيش بعقلى ، كيف نفذ إلى قلبى و أدمى مشاعرى ، أشقانى بعد هدؤ نعمت به مدى حياتى ، حتى وأنا أخرجه من حياتى كأنى أنتزع قلبى من صدرى ، ألام ما بعدها ألام ،
الحزن يعتصرنى لكن كرامتى وكبريائى يمنعانى من أن أتوجع أو أئن ، وإن ظهر الحزن على ملامحى وتصرفاتى ، حتى أنى تأكدت أن للحب شقاء كما عرفت من قبل من حكايات صديقاتى ، لكنه القدر ، لم أسمع من الأخريات عن عذاب للحب كهذا الذى أراه ، لكننى اليوم أعيشه وأعانى منه ، أنا لا أقبل من أى إنسان أن يمسنى بكلمة تؤذنى أو تؤلمنى .

مرت ثلاثة شهور وأنا أراه و أرقبه من بعيد ، وفى كل مرة أصبر نفسى ، وأحاول إقناعها أن قرارى كان صائبا وأننى فعلت الأفضل ، وأنا ليس لدي وقت له فحياتى مزدحمة بما أحياه من أدوار فى عملى وفى بيتى .
ولاحظت أنه مسح الفيديو الذى نشره ، وكأنه إعتذار ، لكنه لم يتصل بى ، وكعادتى أتابعه لأعرف أخباره ، وأطمئن عليه ، حتى بعد أن أخرجته من حياتى .

لكن بعد هذا الحلم لم أستطع إنفاذ قرارى ، فعاد قلبى ينادى ويعلن الحب ، إطمئنى عليه ، إنه فى كل مرة حين تغضبى يبادر ويصالحك ، وإن كان حريصا على ألا يخطأ حتى لا يعتذر ، لكنه يراعينى ويحرص على رضائى، كفاكى عندا هاتفيه ، ولا تطيلى الحديث ، فقط للإطمئنان ، صراع بين عقلى وقلبى ، وإستجاب عقلى لقلبى أخيرا ، وإتصلت به :
= صباح الخير
صباح الخير
= كيف حالك
كويس
= وأخبار صحتك
الحمد لله
= وأخبارك فى العموم
الحمد لله
لماذا لم تحدثينى طيلة هذه الشهور ؟
= أبدا ظروف
= وبادرنى كعادته : إنتى في الكافيه
ورددت : لا ، لا أستطيع الذهاب إلى هناك دونك
ممكن أراكى ؟
= ممكن لكن ليس اليوم
= ممكن غدا
سأنتظرك غدا فى موعدنا
= إن شاء الله
وأغلقت هاتفى ، ونسيت فترات الجفاء والبعد ، كأنه أعادنى للحياة ، فإرتسمت على وجهى علامات الفرح والسعادة سأراه غدا ، سيعوضنى عن الحزن فرحاً ، إنه سامحنى ، ولم يطل العتاب لقد غفر .
لم أستطع إخفاء فرحتى ، فقد زالت غيمتى ، وتبدلت بإشراقة وإبتسامة ، تبدل حالى تماما ، لكنى يجب أن أستعد للقائه ، بعد غياب ، ماذا سأرتدى ؟ أهو الفستان الأحمر ، أم التايير البنى ، لا لن ألبس لونا غامقا ، أريد لونا آخر ، سأرتدى فستانى الأبيض .
وحان موعد اللقاء ، لكن الظروف عاندتنى ، فالشوارع مزدحمة ، والمرور متأزم ، لا أريد أن أغضبه .
هاتفته أنا قادمة لكنه الزحام .
وأجابنى ” أنا فى إنتظارك ” .

عدت أنظر فى ساعتى ، والقلق كسى وجهى حمرة ، لا أعرف أهو خجل البنات أم هو الحب وفرحتى بلقائه ، أم أننى أشتاق لرؤيته لأكبر وقت ممكن ، ضاعت أكثر من ساعة محسوبة من لقائنا .
أخيرا وصلت ، فإستقبلنى بحفاوة كعادته ، ووصفنى بأننى كعروس فى ليلة زفافها بفستانى الأبيض وبأناقتى ، ينقصنى تاج الملكة . ودعانى لتناول النسكافيه كما إعتدنا معا
لكنى مازلت متوترة ماذا بعد الإعجاب ، أيلومنى أم ينسى ، وكان قلقى له جذور فأنا أعرفه جيدا ” صريح إلى أبعد مدى لا يتردد فى كلامه وأنا أحب هذا فيه لا يعرف المواراة ” ، فبدأ بنصب محكمته ،
لمِ لم تحضرى ؟ لماذا لم تعتذرى فى وقتها أو حتى فى نفس اليوم ؟ أنا أحترمك وأقدرك ، وألغى مواعيدى لإجلك ، أنتى أهم ما فى حياتى ، إنك لا تحبينى –
واجبته ” إن لم أكن أحبك لم أتيت ” صدقنى غصب عنى .

لكن كان يجب عليكى الإعتذار فى حينها ، وإعتذار مناسب ، أما ما حدث فهو عدم إحترام ، أو إستهانة أو رفض لشخصى ، أترين أننى أقل منك ؟
لا أبدا بالعكس ، أنا أحبك وأحترمك ، لكنى أخاف رد فعلك ، لا أحتمله ، حتى رفع الصوت فى العتاب يؤلمنى ، من فضلك الناس حولنا ، لا تشوه هذه الصورة الجميلة ، حافظ على وعلى مظهرنا ، هدىء من روعك ومن صوتك ، لم كل هذا ؟
إنت لا تعرفين ماذا فعلت لإجلك ، لقد ألغيت كل مواعيدى ، أنا خفت أتأخر عليكى ، وأنتى تعلمين أنا أسهر لوقت متأخر من الليل ، أنا لم أنم لإجلك ، لحرصى على الإلتزام بميعادك .
حبيبى أنا أسفة .
وبعدها تغلقى الباب وتلغى صداقتنا على الفيس ، لماذا فعلتى هذا ؟ كان الأجدر بكى أن تتركى الباب مواربا .
أنا لا أحب رد فعلك ، من فضلك كفى ، ده مش عتاب ، ده حساب كفاك جلدا ، كفاك ، عموما أنا إطمأننت عليك .
ونهضت لأتركه وأغادر المكان ، فسارع بالإتجاه نحوى .
أنا فقط أردت أخبارك لو أنا الذى قصرت ، ولم أحضر فى ميعادى ، ماذا كنتى ستفعلى ؟ أكيد كنتى ها تغضبى ، أكيد ، إذا إعترفى إنك أخطأتى .
وتسامحنى وتغفر ، أعترف أنا أخطات ، ماذا بعد ، يرضيك هذا .
لا ليس كافيا
ماذا أفعل ايضا
” قبلى رأسى ” حقى
أهذا هو الإعتذار
نعم

وتصمت وتكف عن جلدى ، نعم سأفعل ، فنهضت من مكانى ، فبادرنى ونهض ، وإتجه نحوى مسرعا لم يقبل نظرة الإنكسار بعيني ، وراح يقبل جبهتى ، فأعاد لوجهى الإبتسامة ، وزادت حمرة وجنتيى فرحا وخجلا ، فقد نسينا أننا فى كافيه وسط غرباء لا يفهمون ما دار بيننا من حوار ، لكنها لحظة الإعتذار التى صفق لها من حولنا ، وإنتبهنا وجلسنا معا بعد إيماءة منه لمن حولنا ، وعلت البسمة كل ملامحى ، أخيرا عاد لى حبيبى .

شاهد أيضاً

“غروب”…قصيدة للشاعرة سميرة الجابرية

عدد المشاهدات = 2235  غروب… آهات عصافير… ونين نسمه.. أمواج شاحبه.. رمال باهته.. شوارع خائفة.. …

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: