الرئيسية / منوعات / فكر وإبداع / “الصفقة”…قصة قصيرة بقلم د. منى حسين

“الصفقة”…قصة قصيرة بقلم د. منى حسين

= 4085
د. منى حسين

اعلم أنك أحببتنى حين رأيتنى لأول مرة ، فكم من الصور التقطها لى ، وكم من المتابعة التى لاحقتنى بها ، حين تحدثنا أحسست أنك انجذبت لى ، وما هى إلا أيام ، ورأيتك تدعونى لقبول صداقتك على موقع للتواصل الاجتماعى “الفيس بوك” ، فقبلت وصرنا أصدقاء .

وحين تحدثنا كان حديثنا يقربنا أكثر وأكثر ، فمعظم عاداتنا متماثلة ، فكلانا يبدأ يومه مع بزوغ الفجر ، حياتنا سخرناها للعمل نوصل النهار بالليل ، المهم إنجاز العمل ، كم من الوفاق بيننا ، رقيق المشاعر ، تنتقى من الألفاظ أرقاها .

تقاربنا كثيرا ، ففى المحافل الثقافية والأدبية كانت لقاءاتنا ، لكنك تطرقت لحياتى الخاصة ، فأخبرتك ، وحاولت أن تقحم نفسك فى دائرتى الخاصة ، لكنى أخبرتك أن حياتى مكتملة .

فلدى زوج توأم روحى ، أعلم أنه ليس مثلك ، لكنه اقتحم قلبى ، وأصبح ملازما لعقلى وفكرى ، كلانا يفهم الآخر بنظرة العين ونبرة الصوت ، من أجله هدمت معبدى ، وتخلصت من قيودى وكسرتها ، كى نكون معا ، ودخلت القفص الذهبى بإرادتى .

حين سمع حديثك معى جن جنونه ، لماذا يتحدث معكى بهذه الطريقة ؟، وبنى بينى وبينك جدارا ، حاولت التقريب بينكما لكنى فشلت .

حين علم أننا سنلتقى ، صاحبنى ومنعنى من لقائك ، إنه يغير على حتى من أقرب الناس لى ، فقد إتخذته إبنا لى مع أنه أكبر منى ، وها هو يتعامل معى هكذا.

يرفض اقتراب أى شخص منى ، يريدنى على مدار اليوم ، ما بين اتصال أو رؤية إن لم أكن معه ، كلما تحدثت مع غيره ، تنتابه حالة من الغيرة القاتلة ، ويفصح عن تساؤلات واستفسارات ، ومن كثرة غيرته وضيقه من تواصلى مع الآخرين ، سألنى “ألا أكفيك ؟” ، ” هو أنا مش مالى عينك ؟” .

مهما بررت بأن هذا التواصل من أجل العمل ،
يقول : لا
كيف ؟
ماذا تريدين منهم ؟ أنا سأفعل ما تريدين

الحق أنه فعلا يفعل ما يعد به ، وكل ما بوسعه ليرضينى ، ويلبى كل احتياجاتى ، لكنه يدفع كل من يقترب منى ، تارة ينهرنى ، وأخرى يبتعد عنى ، إن حاورته يصمت ، يعاقبنى بصمته حتى أعتذر ، ولا يرضى ، إلى أن أكون بين يديه ، أحايله فهو حبيبى وزوجى ، شاء أم أبا .

فى كل يوم لنا معا حياة بأكملها ، اليوم بمحافله الرسمية ، وغدا فى جلسة مع صديق له ، وبعده يصحبنى فى كل مكان ، ويمسك بيدى ليعبر بى الطريق ، كأننى طفلته ، يخاف أن يفقدنى ، يدى بيده ، ولو يعلم أن قلبى أيضا بيده ، يحركه كيفما يشاء .

فأنا بين يديه قلبا وقالبا ، لا أرى فى الكون غيره ، هو رجلى الذى اخترته وتمنيته ، معه أتخلص من مخالبى وأنيابى ، لكن غيرته قاتلة ، يدعونى لهجر كل ما هو حولى وأستجيب له.

وبعد كل الحصار الذى فرضه على ، وإستجابتى له ، حتى يفض من حولى عنى ، وأصبح دميته بلا شريك ، رأيته يقولها بملء فمه ، أن هناك من حاولت أن تأخذه منى ، ابتسمت إبتسامة ربما فهمها ، من يملكنى يعطى نفسه لأخرى ، كيف ؟

فهم ابتسامتى وتدارك فضفضته ، مجيبا أنه رفض عرضها ،
من هى ؟ وكيف كنت تحدثها ؟ حتى تعرض عليك الزواج منها ،

استعرت صمته ، حتى يكمل ما بدأ ، لكنه أتبع كلامه بأننى فقط التى يحبها ويهواها ، لكن لماذا فعل هذا ؟ لماذا تحدث مع الأخرى ؟ فى كل يوم يحكى عن علاقاته قبل زواجنا ، وأنا أسمع ، لكنه لا يدرى ما يدور بعقلى ، انتابتنى حالة من الشك ، وأصبحت أتابعه ، أين هو ؟ ومع من ؟

لكنى ضقت بشكى فيه ، هو من يحاصرنى ، حين وثقت به ، جاء يحدثنى عن عروض الأخريات ، هو من يمنع عنى الهواء ربما يكون مر بصدر رجل آخر ، كيف أباح لنفسه التحدث مع الأخريات ، فهذه كانت تشتكى من أفعال زوجها ، والأخرى تشتكى من هجر زوجها ، وثالثة تبكى حسرة على طلاق زوجها لها ، إنه الصدر الحنون لكل النساء ، لكنى عاهدت نفسى لو كررها ، سيكون قرارى بلا رأفة ، لقد حرم علىُ حتى علاقات العمل ، كيف أباح لنفسه هذا ، صبرت نفسى كثيرا لكن صدرى ضاق بما يفعل ، وأخيرا هدانى عقلى .

فلنعقد صفقة بسيطة وسهلة ، سأعلمه أنه إن رأى لديه ميلا نحو أخرى ، ألا يكترث بوجودى، لكن فقط يخبرنى ، ساعتها أعلم أننى سأضع قلبى فى خزانة وأحكم غلقها ، وسأفتح الباب على مصراعيه ، إن شاء بقى معى ، وإن شاء رحل إلى امرأة أخرى ، لأننى حين أحب لا أضع قيودا على حبيبى ، حتى لا يلجأ إلى الخيانة ، أنا له طول الوقت إن أراد ، أما إن اختار غيرى ، فله ما أراد لن أجبره على ما هو ضد رغبته .

ساعتها نظر لى نظرة استفهام ، هل من الممكن أن تتركينى بهذه السهولة ؟
وأجبته لن أكون قيدك ،
آلا تحاربين من أجل الاحتفاظ بى ،
لا ، إن لم أكن غايتك وحبيبتك ، فقصرى بلا أسوار ولا أبواب

من يريد البقاء فليبق ، ومن يريد الرحيل فليرحل ، لأننى لن أبقى بقلبى حبيبا مترددا ، أهو حبيبى باختياره ؟ أم هو مجبر على حبى ؟ حين ينفد حبى من قلبك ، أو تشرك امرأة غيرى فى قلبك ، هذا عهدى ولن أتراجع عن موقفى .

لكنه بعد فترة بعفويته المعتادة ، أعلن عن حوار دار بينه وبين أخرى ، سمعته حتى انتهى وبعد أن نفد كلامه ، راح فى نوم عميق ، تركته كما هو ، فتحت حقيبة السفر ووضعت بها بعض ملابسى وتركته ، معلنة له أننى تحدثت مرارا و تكرارا ، واليوم يوم التنفيذ لما تعاهدنا عليه ، عدتٌ لنفسى مرة آخرى ، حياتى وعملى ، لكن ينقصنى صديقاتى وأصدقائى الذين أبعدهم عنى .

سأرتب حياتى كما أردتها دونه ، فقط سأنتزعه من قلبى ، ولن يرجعنى إليه نزيف قلبى ، أو صراعه مع عقلى ، فقط سأضع أهدافا ، سأقتل أيام عمرى فى العمل ، وفى مسارات مختلفة ، لن أتجه إلى فراشى لأنام فى موعد محدد ، بل سأنام دون أن أخطط لنوم ساعات معينة ، فقط استراحة ، لأبدأ عملى ثانية ، ربما لو نجحت فى خطتى أنساه .
ربما ألحق بقطار النجاح الذى تركته لأجله .
وداعا..!

شاهد أيضاً

“زهرة ليثوبس”…قصة قصيرة بقلم طاهرة فداء

عدد المشاهدات = 4032  اتجهت صباح يوم السبت وهو يوم الإجازة من عملي إلى مقهى …

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: