الرئيسية / الثقافة والفنون / ثقافة وأدب / رحيل..! “قصة قصيرة”

رحيل..! “قصة قصيرة”

= 163

بقلم: د.نهلة جمال

في مقعده الوثير بجوار نافذة تتزاحم من خلالها المباني والطرقات وتتدافع نحو اجابات مبتورة لاسئلة ملحة تتلاعب بتركيزه بين الحين والأخر ، تغتال فرحته وهي في اوجها وترسم بنظراته علامات تعجب . جاءته نغمات الهاتف المزدحم باشارات واسماء لأشخاص جمعته بهم المصلحة لا الحياة.

تملل في الرد مكتفيا باصدار ايماءات بالقبول أو الرفض، فتح زجاج نافذته ..بعثرت أوراق ذات اطراف بالية مصفرة علي مقاعده الثرية بأحلام الناس ، لمح فيها قصص قديمة لمشاعر صبي عشق الفرحة البريئة بعيون الاطفال ، وجدائل الصبايا الممشوقة ومزينة بشرائط ستان بيضاء تلمع مع أضواء الشروق وهن يعبرن الواقع الفقير لمدرسة القرية أملا في غد متميز.

وكبر الصبي وما أن تعدي الخامسة والعشرين حتي هجر تلك القصص وأغلق عليها في سرداب نفسه وفتح كفوفه لسلب الأحلام وبيع الأوهام ، كانت البنوك هدفه منذ عجزه عن الاحتفاظ بأسطورة فؤاده حبيسة عيونه، لن ينسي قنابل الاتهام بانتهازيته وسوء تصرفه من عمدة القرية ..والدها..مما اعاد لذهنه مشهد علي في فيلم “رد قلبي” إلا انه اراد صياغة جديدة للاحداث ….بدأت في القاهرة بتجارة كل شئ حتي الاحلام وانتهت بأرصدة وعقارات وشعيرات بيضاء زحفت لمقدمة رأسه بلا خجل لتفصح عن سنوات هجرته وغابت عن وجهه شمس الحياة وراء نظارات قاتمة حرص علي حيازتها ليل نهار.

انحني الطريق في مسار معوج متكسر تفوح منه نسائم خير الحقول الممتزجة بعبق الماضي، وضاقت المسافة بين جنباته لتتدافع موجات شهيقه وزفيره وكأنه محاصر في نفق مظلم ضيق، تعالت أصوات الاشجار الحاضنة لاوراقها ..لماذا أتيت؟،،،سؤال ملأت اصداءه الطريق وازدادت حدته تباعا وضع كفيه علي أذنية محاولا المقاومة،،، ابطأ محرك السيارة الفارهة للحذر من غيوم الشتاء ،، نظر للسماء الدامعة ملامح بشرية تبدو له تتكون اوجه …تتتابع الوجوه … أمي ..أبي ، حبيبتي هل هذه أنت؟

لكن لا اجابات …،كلها وجوه قاطبة غاضبة ، أشتدت الغيوم في هجومها علي الضياء ، وازداد حجم الوجوه .. تكاد تبتلع السيارة … حاول أن تسرع .. اخرج من هذا الطريق ….حاول أن يصرخ بكلماته للسائق لكن لم تستجيب احباله الصوتية وكأن الوجوه التهمت كل زيف ……قاوم احساسه بالاختناق …..دقائق ويتفرع الطريق إلي مسارين كحياته الماضية والآنية…..فهل له الاختيار مجددا مع عودة أشعة الشمس للظهور؟

عادت تلك النغمات الغامضة لمسامعه ….ألو ….متي وبكام؟ اتفقنا.

انفتح الطريق المتفرع …..نادي علي السائق .. …عد للقاهرة حالا….!

شاهد أيضاً

تعرف على برنامج فعاليات مهرجان “الكميت الأدبي” بالعراق

عدد المشاهدات = 197— كتبت – شاهيناز جمال أعلن رئيس فرع إتحاد الأدباء والكتاب العراقيين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: