الرئيسية / المرأة والطفل / أخبار المرأة / الحب بعد الزواج ..سؤال حائر!

الحب بعد الزواج ..سؤال حائر!

= 479


بقلم: د.علا المفتي

أتوقع منها دوما أسئلة لا تناسب عمرها ، فترهقني في البحث عن إجابات ، تتلائم مع عقلها الصغير ، الذي يبدو لي كبيرا ، مع كل مرة تسألني فيها ، سؤالا محيرا أو محرجا أو فلسفيا في بعض الأحيان.

هكذا هي عادة طفلتي الصغيرة ، المباغته باﻷسئلة ، التي تضحكني حينا ، وتدهشني أحيانا كثيرة. فطفل اليوم أنضج عقلا مما نظنه.

وجاء السؤال المباغت هذه المرة ، حائرا على لسانها ، حيث قالت وبدون أي مقدمات: ماما هو الحب بيروح ليه بعد الجواز؟!

وكعادتي أدهشني السؤال ، وأصابتني لحظة صمت حتمية ، حاولت فيها التوسل لعقلي ، كي يسترجع بسرعة ، كل ما تعلمته من نظريات ، وأسس تربوية ونفسية ، لأجيب عن سؤال طفلتي إجابة منطقية سليمة شافية ، تستوعبها وترضي فضولها المتأجج.

ولحسن حظي أني بالأمس القريب ، كنت أشاهد حلقة قديمة مسجلة مع المفكر والأديب والعالم الكبير د.مصطفى محمود رحمه الله على موقع اليوتيوب ، حيث كان يتحدث عن ذلك الموضوع. فكانت لحظة الصمت هذه كافية ، لتحضير الإجابة الممكنة ، فقلت لابنتي: لو كان الحب بيروح بعد الجواز ، كان كل الناس اللي اتجوزت اتطلقت على طول. لكن اللي بيحصل ،أن شكل الحب بيتغير بعد الجواز.

فقالت ، وقد احتلت الحيرة عينيها: يعني إيه بيتغير شكله؟!

أجبتها وأنا أشحذ تفكيري: فاكرة العروسة الغالية ، اللي كان نفسك تشتريها ، وحوشتي تمنها لحد ما عرفتي تشتريها ؟ فاكرة ساعتها كنتي مشتاقه لها أد إيه؟ وبتدوري على صورها وبتتفرجي عليها في المحلات ونفسك تجيبيها؟

قالت طفلتي متعجبة من تغيير موضوع حديثنا: أيوة فاكرة.

فقلت: فاكرة بعد ما جبتيها كنتي فرحانة بيها ازاي ومش عاوزة حد يمسكها؟ طيب فاكرة لما اتعودتى عليها بقيتي تسيبها وتلعبي بحاجات تانية وبعدين ترجعي تاخديها؟ لكن كل يوم مش بتنامي إلا وهي في حضنك ، ولو سافرنا لازم تاخديها معاكي. ولو ضاعت بتفضلي تدوري عليها ، وتبكي لحد ما تلاقيها. وده معناه أنك لسه بتحبيها ، بس شكل حبك ليها أتغير. كان حبك ليها قبل ما تشتريها شكله مختلف عن لما جبيتيها وكانت جديدة. واختلف شكل الحب كمان لما اتعودتي على وجودها معاكي. لكن في كل الاوقات أنتي بتحبيها ، ومش بتستغني عنها. أهو الحب قبل وبعد الجواز ، يشبه حبك لعروستك دي.فهمتي؟

فقالت لي: طيب ليه المتجوزين دايما بيتخانقوا؟!

فأجبت: مش كل المتجوزين دايما بيتخانقوا. واللي بيتخانوا دول قبل ما يتجوزوا ، ما اختاروش بعض بطريقة صح. يعني زي ما انتي بتختاري واحدة عشان تبقا صاحبتك ، غالبا بتختاريها تكون بتحب نفس الحاجات ، اللي انتي بتحبيها ، وبتفكر بطريقة تشبه الطريقة اللي انتي بتفكري بيها.كمان الزوج والزوجة ، لازم يكونوا كده بيحبوا نفس الحاجات ، وبيفكروا بطريقة متشابهة عشان يبقوا متفاهمين ، ومايحصلش بينهم خناقات ودايما يحترموا بعض.

فقالت ببراءة: طيب ليه في المسلسلات كل المتجوزين بيتخانقوا؟!

فأجبتها: أولا المسلسلات دي قصص مش كلها حقيقية. ثانيا مش كل حاجة بتحصل في المسلسلات تبقى صح وطبيعية. واحنا لازم نفكر في اللي بنشوفه أو نسمعه ، ونعرف عيوبه ومميزاته ، مش ناخده على انه كلام صح وخلاص. يا حبيبتي الجواز علاقة جميلة ، ربنا أوجدها في الدنيا عشان سعادة الناس ، وعمار الدنيا والأرض. وجعل بين الزوجين ، حب ومودة ورحمة. الجواز مش وحش زي ما بتشوفي في التليفزيون ، ولا بيضيع الحب ، بالعكس ده بيحافظ عليه.

أخيرا لمحت على وجه ابنتي ، علامات الراحة ، واحسست بأنني قد أشبعت جوع فضولها ، بوجبة أظن أنها صحية وخفيفة. لكن عدوى الحيرة انتقلت لي ، بعد أن برأت منها ابنتي. وداهمني سؤال أمسك بتلابيب عقلي: لماذا تصر وسائل الإعلام ، على تشويه صورة الزواج في عيون الناس ، على اختلاف اعمارهم ، ومستوياتهم التعليمية والاجتماعية ؟ بل وتشجع على إظهار العلاقات غير المشروعة ، باعتبارها نوعا من الحرية الشخصية؟

إن الزواج علاقة صحية ، شرعها الله لسعادة البشر. فحولناها نحن إلى معتقل للتعذيب. وبالغنا كثيرا في تشديد وتصعيب شروط حدوثه ، حتى بات تحقيقه ، أمرا يشبه المستحيل ، فدفعنا بابنائنا للانحراف والعنوسة.

والآن علينا أن نعالج مجتمعنا مما أصابه من أمراض اجتماعية ، ضربت جذور استقرار الأسرة ، التي هي وحدة بنائه ولبنته الأساسية ، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه ، بتغيير هذه الأفكار السلبية المغلوطة ، عند أنفسنا وعند أبنائنا. وحث وسائل الاعلام على اختلافها ، وكذلك المؤسسات الدينية ، والتربوية والاجتماعية ، على تقديم صورة إيجابية عن الزواج ، وتشجيع الشباب عليه.

وعلى الأسرة أن تيسر شروط زواج بناتها وابنائها ، كما أمرنا الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام. وأن ندع تلك العادات والتقاليد التي تهدد أمننا الاجتماعي والأخلاقي ، وتنافي صحيح الدين.

———-

* مدرس أدب وثقافة الطفل، بكلية البنات، جامعة عين شمس.

شاهد أيضاً

الفيلم الوثائقي وسيط للتنبيه بخطورة العنف ضد المرأة

عدد المشاهدات = 1139— تونس – آماد كيف يمكن للفيلم الوثائقي ان يساهم في التنبيه …

2 تعليقان

  1. مصطفى المفتي

    اعحبني الحوار بين نفسك ونفسك .. لكن تحليلك نمطي وكما تقولين من دراساتك والنظريات الاجتماعية
    الحقيقة ان التناغم بين الزوجين في الزمن الحاضر مفقود بدرجة كبيرة ليس بسبب عدم دقة الاختيار ولكن لضحالة الثقافات وانعدام لغة التسامح والاحتواء فصار الطلاق شائع في زيجات هذه الايام

    • دعلا المفتي

      شكرا للتعليق على المقال واحب ان اوضح لسيادتكم ان الدراسات النفسية والاجتماعية قامت على تجارب حياتية واقعية وليست من بنات افكار واضعيها. واتفق معك فيما ذكرته من أسباب لفشل العلاقات الزوجية لكن ما ذكرته سيادتكم يدخل ايضا في معايير الاختيار التي انحصرت في هذا الزمن في الجوانب المادية واهملت الجوانب الاخلاقية والثقافية والنفسية الخ
      ملاحظة اخيرة لم يكن حواري بيني وبين نفسي لكنه كان حوارا بيني وبين طفلتي المتسائلة المتأملة في الحياة دوما ..
      تحياتي لحضرتك واتمنى مزيدا من مشاركاتك وتعليقاتك القيمة
      شكرا جزيلا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: