الرئيسية / الثقافة والفنون / ثقافة وأدب / قصص / حَيَاةٌ بِلَا حِكَايَاتٍ !

حَيَاةٌ بِلَا حِكَايَاتٍ !

= 124


قصة قصيرة بقلم: د. نهلة جمال

حِينَ يَحِيَنَّ التَّلَاقِي تَتَوَقَّفُ عَقَارِبُ السَّاعَةِ هَرِبَا إلي حَنَّيْنِ اللِّقَاءِ تَسْتَدْفِئُ بمقلتيك وَكَأَنَّ دَقَائِقَهُ الْمَعْدُودَةِ نُسِيمُ يُدَاعِبَ الرّوحُ وَيَطْرَبُ الْآذَانُ لِهُمِسَ التَّرْحَابُ الرَّقيقُ بَيْنَما تَحْكِيَ الْعُيُونُ قُصِّصَ عُشَّاقُ الْحَيَاةِ مُنْذُ عُرِفَتْ الْحِكَايَاتُ، وَكَعَادَتِهَا الصَّباحِيَّةِ تَفِيقُ السَّاعَاتُ عِلَّيُّ صَوْت إغلاق بَاب سَيَّارَتِهَا، وَهِي تَبْدَأَ الْغُيَّابُ الْيَوْمِيُّ حَيْثُ يَخْطُو بِتَرَدُّدِ مُغْلَقَا شُرْفَتِهِ الْمُطِلَّةِ عُلِيَ حَديقَتُهَا الْمُورِقَةِ بِالْأَمَلِ الْحَزِينِ، لِيَبْدَأُ فِي سُبَاتِهِ الْحَيَّاتِيِّ حَيْثُ لَا حِكَايَاتُ سَوِيّ الْاِنْتِظَارِ.

يَرْتَدِي بذلتُهُ الرَّمَادِيَّةِ الْأنِيقَةِ وَيَرْتَشِفُ قَهْوَتُهُ بِتَمَلَّلِ الْحَائِرِ مُخَاطِبَا صَوْتِ الْعَقَارِبِ الْمُتَخاذِلَةِ: كَمْ تَعْبِثِينَ بِي فتتمللين فِي نعَاسِكَ طُوَّالِ النّهَارِ، فُتِحَ بَابُ لِلنِّسْيَانِ بِاِنْهِمَاكِهِ فِي قِرَاءةِ وُجُوهِ النَّاسِ وَكِتَابَةِ سُطُورِ تقَاريرِ الْعَمَلِ، أنَامِلَ تَعْبَثُ بأدائية مُحْتَرِفَةُ لَكِنهَا بِلَا قُلَّبٍ.

قَدْ غَابٌ عَنهَا الْإِحْسَاسَ بِغُيَّابِ طَيْف بسمتهَا إلي هَذَا الْحَدَّ تَمَلَّكَتْهُ تِلْكَ السّمرَاءَ الْمَمْشُوقَةَ ذَاتُ الْبَهِجَةُ الْمَجْرُوحَةُ ؟

فَمُنْذُ أَنْ أَشَرِقْتِ بِمُوَاجَهَةِ شُرْفَتِهِ فِي صَيِّف مَاضِي تُقْرَأْ كِتَابُهَا الصَّغِيرِ وَتَرْتَشِفُ أحْلَاَمُهَا فِي سُكُونٍ، أَدَرَّكَ مَوْهِبَتُهَا الْجَدِيدَةِ فِي قِرَاءة حُزْنهَا وَوَحِدَتِهَا رَغْم أَسوَارِ السَّعَادَةِ الْخَادِعَةِ الَّتِي تَحِيطُ بِهَا مِنْ جِمَال وَرِقَّةَ وَأَنَاقَةٌ….. جُعِلَتْ مِنْ يراها يَظُنَّهَا أَميرَةُ مُدَلِّلَةُ بَيْنَما يراها هُوَ طِفْلَةُ يَتِيمَةٍ فَقَدَّتْ لِلتَّوِّ الدِّفْءَ وَالْحَنَانَ…

لَا يُدْرِي لِمَاذَا اِخْتَرَقَ هَذَا الشُّعُورَ قُلَّبَهُ وَتَعَالَتْ أَمْوَاجُ الرَّغْبَةِ فِي اِحْتِوَاء أحْزَانِهَا. بَعْدَ تَوْسُطَ شَمْسُ النّهَارِ بِالسَّمَاءِ خَرَجَ حِسَّيْنِ مَنْ دُوَّامَة الْأَوْرَاقِ يَلْتَمِسُ لَحَظَاتُ مَنِ الْهُدُوءَ النَّفْسِيِّ وَتَوَجُّهِ إلي كَهْف أمَانِيَّهُ يَنْتَظِرَ عَوْدَتُهَا.. بَلْ يَنْتَظِرَ عَوْدَةُ الْحَيَاةِ لِيَوْمِهِ طَالَ الْوَقْتُ أَمْ تَأْمُرَ عَلِيُّهُ وَاِسْتَسْلَمَ لِخُمُولِ مَقِيتٍ.. نِعْمَ مَازَالَ الشَّارِعُ يَحْفِلُ بِالْمَارَّةِ وَمَازَالَ الضَّوْءُ يَتَخَلَّلُ فَتَحَاتُّ النّوَافذِ يَحْمِلُ أَرِيجُ زَهْر الْيَاسَمِينِ مِنْ شُرْفَتِهَا يَعُلَّنَّ الْاِشْتِيَاقُ لِلْاِرْتِوَاءِ، وَبَقّي حِسَّيْنِ طَوِيلَا طَوِيلَا يَتَنَسَّمَ عَبِيرُ الْيَاسَمِينِ الذَّابِلِ بِشُرْفَتِهَا.

يُكَرِّرَ كُلُّ صَبَاحَ التَّحِيَّةِ مِنْ خَلْفَ الشُّرْفَةِ وَيَأْتِي ذَكَرُي هَمْسِهَا: صَبَاحَ النّشَاطِ أُسْتَاذ حِسَّيْنِ كَمَا كَانَ يَرْوَقُ لَهَا تَحِيَّتُهُ، فَيَعْقُبَ صَبَاحَ الرِّقَّةِ وَالسَّعَادَةِ سَيِّدَتَي، لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ اِخْتَفَتْ طُلَّتُهَا سَبْعَة أيَّام وَلِمَاذَا لَمْ يَقْتُلْ ذَلِكَ التَّرَدُّدَ الْقَابِعَ بِعُقُلِهِ مُنْذُ أَشْهُر لِيَطْلَبَ مِنهَا لِقَاء يَبْدَأُ بِهِ حَيَاةٌ مَعهَا يَعْبَرُ فِيهِ عَنْ مَفَاهِيم التَّمَاسُكِ الْأُسَرِيِّ وَأَسَالِيبِ تَرْبِيَة الْأَطْفَالِ الْحَديثَةِ لِيُطَمْئِنُهَا أَنّهُ مَشْرُوع زَوَّجَ وَأَبُ نَاجِحٍ، وَكَأَنّهُ الأربعيني الَّذِي فَقَدْ سنوَات رَشَدهُ وَعَادَ مُرَاهِقُا يَتَصَنَّعَ الصَّدَفُ وَيَسْرَقُ لَحَظَاتُ مُرَاقَبَتِهَا وَهِي تَحْتَضِنَ كُتَّابُهَا أَوْ تَعْبَثُ بِنَبَاتَاتِ شُرْفَتِهَا كَطِفْلَةِ تَحَدُّث أَقِرَانِهَا.

لِمَاذَا لَمْ يَطْرَدْ وَسْوَاسُهُ الشُّرْقِيِّ عَنْ مُخَاطِر اِقْتِحَام أَسوَارِ سَيِّدَةِ تَرْك بِنَفْسهَا أُخِّرَ ذكرُي حَيَاةٍ، قَصِيرَةٌ أَوْ طَوِيلَةٌ لَمْ تُعَدْ مَسْأَلَةُ فَارِقَةُ الْمُهِمِّ مِنْ هُوَ وَلِمَا وَمِنْ السَّبَبِ وَمِنْ الْمُحِبِّ وَمِنْ الْخَائِنِ لِلْعَهْدِ.. تَسَاؤُلَاتٌ لَمْ يَفْلَحْ حَبُّهُ فِي أَجَابَتْهَا وَعَجَزَتْ نَفْسُهُ عَلِيّ مُوَاجِهَتَهَا والآن……. صُوِّتَ اِرْتِطَامُ بِشُرْفَتِهَا يُوقِظَ نَشْوَةُ الْحَيَاةِ فَيَنْدَفِعُ لاهِثَا إِلَيْهِ..

عَمَّ إبراهيم الْحَارِسَ بِالشُّرْفَةِ يُحَاوِلُ مَعَ سايِسِ الْمَكَانِ تَثْبِيت لَوْحِ خَشَبَيْ يَلْتَفُّ باعلان اِبْيَضَّ ضَخْمُ مُزَرْكَشُ بِكَلْمَتَيْنِ…. يَقِفُ حِسَّيْنِ أَمَامهُ صَامِتًا… وَحُروفُ الْكَلِمَاتِ تَغْتَالُ أحْلَاَمُهُ وَتَعُلِّنَّ عَنْ ضِيَاع الْحِكَايَاتِ مِنْ حَيَاة التَّرَدُّدِ.. شُقَّةُ لِلْإِيجَارِ.

شاهد أيضاً

كتاب جديد يكشف أسباب “انهيار الحضارة الإسلامية وإعادة بنائها”

عدد المشاهدات = 139— كتبت: علياء الطوخي يحاول كتاب “انهيار الحضارة الإسلامية وإعادة بنائها”، للدكتور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: