الرئيسية / الأسرة والمجتمع / أخبار الأسرة / د.علا المفتي تكتب: دقيقة سكوت لله..!
د. علا المفتي

د.علا المفتي تكتب: دقيقة سكوت لله..!

= 471

في ذات صباح رقيق جميل ،دعاني للنزهة ،فلبيت مهللة سعيدة ،فأنا أعشق الانطلاق. وعندما سألني: إلى أين تفضلين الذهاب؟ أجبته:أختار أنت المكان. ففكر قليلا ،ثم أمسكني من يدي الصغيرة لنذهب سويا إلى تلك الحديقة الجميلة ،التي تجاور المنزل.

كان الجو بديعا. فأشعة الشمس حنونة ،والهدوء يحتضن المكان. بينما تغني الطيور من أن ﻵخر ،على لحن حفيف أوراق الأشجار ،التي تتراقص ،بفعل دغدغة نسمات الهواء المتهورة.

جلسنا في هذا الجو الرائع لعدة دقائق ،نكتشف ما حولنا ،ونتبادل النظرات ،إلى أن أصابني الملل ،فقلت له في ضجر واضح: بابا أنا زهقت ما تقول حاجة!

فرد والدي ببساطة: تأملي الطبيعة الحسناء. لم أفهم المغزى وراء تلك الكلمات حينها ،باعتباري طفلة لم تتعد العشرة أعوام ،تتوق للعب والعدو والثرثرة. بل شعرت أيضا ،بمزيد من الضجر والملل.

كنت كذلك لا أعي الحكمة ،من وراء بعض المقولات الشهيرة ،التي يلقنوننا إيها بالمدرسة من مثيلات: الصمت حكمة ،واذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب .. إلخ.

لم استطع أدراك أو تذوق متعة الصمت في ذلك الوقت. والآن أدركت أني أعيش في عالم ،يعج بالثرثرة ،والضجيج واللغو الخاوي ،من أي معنى حقيقي وقيم.

إن الصمت لغة ،كأي لغة في هذه الحياة ،لها جمالياتها ومعانيها البليغة. وتكمن عبقرية الصمت ،في أنه يحمل معان شتى. فقد يعني الرضا ،حسب المثل القائل: السكوت علامة الرضا. وقد يحمل عكس هذا المعنى تماما ،فيعبر عن الاعتراض ،وعدم القبول. وقد يعني الحزن أو التجاهل ،أو التفكير أو غيرها من المعاني. إنه يتشكل في معانيه ودلالاته ،ويتغير باختلاف وتعدد السياقات ،التي يظهر فيها. لذا فالصمت لغة راقية معبرة ،فيها من البلاغة ،ما قد يفوق الكلمات المنطوقة.

لحظات من الصمت ،قد تحملك على اكتشاف جمال ما حولك. أو تسمح لك ،بأن تستمع إلى الآخرين ،فيزيد فهمك لهم ،ويشعرون باهتمامك بهم. أو أن تتأمل دواخلك ،لتكتشف ذاتك. أو تهديك فرصة ،للتفكير في حلول ما يواجهك من مشكلات.

وإنه لمن المؤسف حقا ،أن مجتمعاتنا في هذا العصر ،قد أصيبت بحمى اللغو ،ووباء الثرثرة. فالكل يتحدث للكل. ولا أحد يستمع لأحد. مما خلق فجوة في التواصل ،والتفاهم. وأصبحت النقاشات مجرد جدل عقيم ،ومضيعة للوقت. بل تصل أحيانا ،إلى معارك كلامية ،والتي قد تسفر عن ضحايا. فقد يصاب أحدهم بازمة قلبية ،أثر مناقشة سفسطائية هنا ،أو حرب حوارية هناك. وقد يصبح الصديقان عدوين ،بسبب لغو تافه. وقد يصل الأمر إلى ،أن يقتل أحدهما الآخر بسبب هزار تافه ،أو يطلق زوج أمرأته ،بسبب نقاش احتدم فيه الخلاف.

فبالله عليكم لنصمت قليلا ،فالصمت فضيلة. وهو علاج وسكينة للنفس. بل إنه يحمل قدسية ،تصل به إلى حد العبادة. فقد قال رسولنا الكريم ،عليه أفضل الصلاة والسلام “فليقل خيرا أو ليصمت” . وفي الصمت تأمل ،وتدبر وتفكر. فهو وعاء الخيال. فلا يحدث التخيل ،إلا أثناء لحظات الصمت. ولا تخرج الأفكار الإبداعية ،إلا من رحم دقائق الصمت.

لذا فقد أشتهر الحكماء والمفكرون ،والعلماء النابهون ،والمبدعون عموما ،أنهم قليلوا الكلام. لأن حديثهم الداخلي الصامت ،يغنيهم عن اللغو الفارغ مع الآخرين. إنهم أناس قدروا قيمة الصمت ،وأحسنوا استخدام الكلام.

إن المجتمعات المتحضرة ،تكثر من الصمت والعمل. أما المجتمعات المتخلفة ،فتتخذ من مقولة “دعونا نعمل في صمت” مصدرا للتندر والهزل.
فلنحسن الكلام. ولنحسن الصمت. فالكلمة الطيبة صدقة. والصمت حكمة. والآن .. فلنسمح لأنفسنا بتذوق متعة الصمت.

————-

* مدرس أدب وثقافة الطفل بكلية البنات – جامعة عين شمس.

شاهد أيضاً

المؤسسات والمجتمع مسئولان عن “ضحايا البحر الميت”

عدد المشاهدات = 347— بقلم: سارة السهيل * عاش ويعيش شعب الأردن وشعوب العالم التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: