الرئيسية / فنون / مسرحية “صولو” للمخرج المغربي محمد الحر..مناداة للتحرر من القيود الزائفة

مسرحية “صولو” للمخرج المغربي محمد الحر..مناداة للتحرر من القيود الزائفة

= 427

تونس – نورة البدوي

يبنى اللحن الموسيقي الكلاسيكي عادة على جماعية الأداء، لكن في أوقات كثيرة هنالك آلة تؤدي دور البطل للجملة المعزوفة بمساعدة باقي الاوركسترا أو دون مساعدتهم، و تسمى الجملة المنفردة بـ “صولو”.

و الآلة التي تؤدي “الصولو” عادة هي التي تنتزع الآهات من الجماهير أو ربما المشاهدين.

هكذا جعل المخرج المغربي الشاب محمد الحر عنوان مسرحيته “صولو” لتقدمها فرقة “أكون” على خشبة المسرح في غاية من الجمالية الفنيّة.

مسرحية اقتبسها مخرجنا عن رواية ليلة القدر للكاتب المغربي ” الطاهر بنجلون” ليقدمها شكل طرح دراماتولوجيّا يخاطب قضايا الأنا و الأخر في فردانيتهما التي يحيان بها بعيدة كل البعد عن التوافق جعلا لكل منهما عالمه الخاص الذي يحيا فيه بمفرده و بكل ما تحمله الأنا من أنات مثقلة القوانين المسلطة عليها من عادات و تقاليد و توظيف خاطئ للدين.

يقول الحرّ إلى مجلة أماد الثقافية “إن اختياري لعنوان “صولو” لأنه يعني العزف أو الرقص المنفرد و هي في علاقة بالكائن الوحيد فبالعودة إلى الرواية ” ليلة القدر” أو المسرحية في حد ذاتها سنكتشف أن الشخصيات كل منها تعزف بشكل منفرد و هذا ربما إشكال المجتمعات العربية أن كل منها يعيش في فردانيته”.

عزف منفرد انطلق به الحرّ من شخصيتنا الرئيسيّة “زهرة” هذه الفتاة التي كان ذنبها الوحيد أنها ولدت أنثى لتمارس عليها سلطة أبويّة في جعلها تعيش في جلباب ” ذكر”، سلطة الرغبة في إنجاب الولد و الرغبة في رسم خريطة قدرها أو بالأحرى تغيير الفطرة التي ولدت عليها…

سلطة جعلت شخصيتنا الرئيسية تعيش حالة الانفصام بين وجودها كأنثى و حضورها كذكر، و تأتي ليلة القدر بايحائيتها الدينية و مؤثثاتها الفنية المسرحية بين قيم ضوئية متناقضة أبيض/ أسود، اضاءة خافتة و عوالم متناقضة موت يقابله حياة، و حضور موسيقي ارتجاليّ مواكب لحالة الشخصيات زهرة و الأب و الأم.

جعل مخرجنا بكل هذه العوامل السينوغرافية من ليلة القدر ليلة لانقشاع ظلمة الفكر و الأسئلة و الحيرة و انقشاع ركام الكابوس و التمنّي لزهرة و ذلك بعد أن اعتقها والدها من سرّها و سمح لها بممارسة حياتها كفتاة و ليس كفتى.

ولادة جديدة، انطلقت بها شخصيتنا “زهرة” بعد موت والدها و بعد أن أعتقت من سرها الذي كان يكبلها، لتودع شخصيتنا حياتها القديمة ماضيها .. عائلتها .. و تبدأ رحلتها في حياة جديدة.

يؤكد الحرّ ” لا أنكر أن المرأة المغربيّة لها العديد من المشاكل التي يجب تناولها بشكل أوسع لان التربية و التعليم الذي تلقيناه و الأسس الأخلاقية فيها الكثير من الألغام، فان تولد المرأة و تعيش دون ملامح و دون شخصية وفق لمفاهيم مغلوطة دينيا و بتعلّة التقاليد و العادات و هذا الجانب المظلم الذي أبرزناه في المسرحيّة.

يتصاعد حضور المؤثثات السينوغرافية بين الخطاب المباشر و الإيحائي كسكب الماء في أول خروج “زهرة للحياة الجديدة” ليكون أول لقاء مع مغتصبها دون ملامح في الغابة و كأن مخرجنا يشركنا حيرة السؤال ” أي مصير سيلقى زهراء”؟ و ربما يجعلنا في محل سخرية من الأقدار ، من ليلة انقشاع ظلمة الفكر إلى أول مصافحة للولادة الجديدة مع ” الاغتصاب”.

تستمر زهرة التنقل في رحاب الولادة الجديدة و تتعرف على شخصية إحدى العاملات بالحمام لتذهب معها إلى المنزل و تتعرف إلى أخيها القنصل و هو فاقد البصر ، يخرجنا الحرّ بهذا اللقاء الجديد من النفس التصاعدي الذي عشنه منذ البداية مع الشخصية ليفتح باب الحوار بين الشخصيات و الحضور الكوميدي للقول ا و الفعل من حين لآخر… لم يغيب الحر الحس الفكاهي و كأنه يريد أن يكسر حاجز ” الأداء الفردي” أو “الرقص المنفرد” لشخصيات من خلال لغة الحوار ..

تنطلق زهرة و القنصل في رحلة الحب بين فاقد للبصر و زهرة التي عاشت في جلباب ذكر ، و كأنهما يعيدان ترتيب الفطرة التي نشأ عليها الكون، فطرة الحب و فطرة احترام الكيان.

ليتحول سريعا إلى علاقة مرفوضة من قبل أخته و نعود إلى عقدة أخرى في هذه الولادة الجديدة و القائمة أساسا على مبدآ الرفض، ينقل الحر صورة الحب و الرفض من خلال الجدران المتحركة و القيم الضوئية و العزف الموسيقي المنفرد و الحركة الرمزية لإشعال و إطفاء الشمعة و خطوات القدمين البطيئة و السريع و تمزيق الأوراق و لون الدماء… ” إن استعمال كل هذه المؤثثات السينوغرافية أولا لخلق الفرجة المسرحية و ثانيا لإبراز الزيف الموغل في التخفي تحت أقنعة الورع الديني و المحافظة على العادات و التقاليد التي في جوهرها هي ممارسات متناقضة و منحرفة في مجتمعاتنا العربية و هي ضدّ التحرر”.
تحرر أبرزه الحر من خلال شخصيات المسرحيّة بين موجود يكبلها و منشود يحررها، و بينهما تحضر الذات الإنسانية في جوهرها لتختار طريقها و ربما ولادتها الجديدة.

في النهاية تجدر الاشارة ان مسرحية “صولو” لفرقة “أكون لثقافة والفنون” في فعاليات مهرجان المسرح العربي بتونس في نسخته العاشرة، المتواصلة إلى السادس عشر من يناير الجاري.

وستدخل مسرحية “صولو” المنافسة للحصول على جائزة القاسمي، وذلك بعد أن توجت، أخيرا، بجائزتين خلال أيام قرطاج المسرحية.

شاهد أيضاً

النجمة نيللي كريم تشارك في منتدى «بداية مش نهاية» لأطفال السجينات

عدد المشاهدات = 250— القاهرة – آماد تشارك النجمة نيللي كريم في منتدى «بداية مش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: