الرئيسية / مقالات الرأي / أهلا أيها الفشل..!
د. علا المفتي

أهلا أيها الفشل..!

= 1053

بقلم: د. علا المفتي *

وصلت ذلك المساء إلى منزلي، منهكة بعد يوم عمل طويل، مليء بالإخفاقات والطاقات السلبية، التي جعلتني أتوجه مباشرة إلى حجرتي، متحاشية الحديث مع أفراد أسرتي. فقد كنت أود، أن أنعم بقليل من الوحدة والهدوء، في محاولة لإعادة ترتيب أفكاري، والتخلص من حالة الإحباط التي انتابتني.

جلست باسترخاء أنظر للا شيء، فإذا بعيني تقع مصادفة على نملة صغيرة، كانت تحاول أن تحمل قطعة من فتات خبز، ملقاه على أرض الحجرة، لتصعد بها على الحائط، كي تصل إلى جحرها. كانت النملة تتعثر كثيرا، في كل مرة تحاول فيها، أن تحمل فتات الخبز، وتصعد به على الحائط. فتارة تسقط قطعة الخبز منها على الأرض، وتارة أخرى تسقط هي، وقطعة الخبز معا على الأرض. ولكنها ما إن تسقط إلا وتقوم مجددا، وتعدل من وقفتها، وتحاول أن تحمل قطعة الخبز، وتسير بغية الوصول إلى هدفها. وتكررت إخفاقاتها. وتكررت أيضا محاولات النجاح. إلى أن مللت من متابعة تلك النملة، وسئمت منها، حتي خاطبتها وكأنها تسمعني وقلت لها موبخة إياها: كفاية بقا، أنتي لسه ماتعبتيش ومازهقتيش؟ سيبي العيش، وشوفي غيره!

ثم تركت متابعة تلك النملة، وأغمضت عيني للحظات. فقد شعرت بالضجر من تلك النملة الغبية، التي تحاول بلا جدوى. لكن الفضول أكلني، وعدت أنظر حولي، بحثا عنها في الركن، الذي كانت تتعثر به. لكني لم أجد لها أثرا. فزاد فضولي لمعرفة مصيرها. فجالت عيناي سريعا في جنبات الحجرة إلى أن وجدتها أخيرا، قد صعدت على الحائط، حاملة قطعة الخبز في ثبات ودأب. فابتسمت، وقلت لها بصوت مسموع: برافو عليكي .. لو كنتي سمعتي كلامي، كان زمانك قاعدة جنبي، وحاسة بنفس الإحباط اللي أنا حاسه بيه دلوقتي.

هذه النملة، جعلتني أخجل من نفسي كثيرا. فقد امتلكت تلك الحشرة الصغيرة، كثير من الأمل والمثابرة. وكانت مؤمنة بهدفها، وواثقة من قدرتها على تحقيقه. فلم تنهكها المحاولات الفاشلة. ولم يصبها الملل. ولم يتسرب إلي نفسها اليأس. أما أنا، فقد شعرت بالإحباط والملل، لمجرد مواجهتي لبعض الإخفاقات الصغيرة، التي كانت تقف، في سبيل تحقيق مآربي لإنجاز بعض أعمالي. وبدلا من أن أفعل مثل النملة وأحاول مرارا وتكرارا، اخترت الطريق الأسهل، وأعلنت استسلامي، وقررت أن أبحث عن أهداف أخرى، سهلة المنال.

إن قصة تلك النملة الحكيمة، ما هي إلا رسالة من الله، جاءتني في الوقت المناسب، كي أنقذ نفسي من حالة الإحباط والفشل. وأحاول من جديد، عملا بقوله تعالى “إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ” (يوسف ، 87) ،وعملا أيضا بقوله تعالى “إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ” (الرعد ، 11).

ومنذ ذلك الحين، اتبعت “روشتة” ناجحة، لعلاج حالات الإحباط والفشل، وقد أحببت أن أشارككم فيها. وتتلخص في خطوات بسيطة، لكنها فعالة، وهي:

– عندما تقابل الفشل، رحب به، وقل له “أهلا”. فنحن لسنا ملائكة، ولسنا معصومين من الخطأ والإخفاق.
– تقبل فشلك وضعفك. ففي تقبلك له، اعتراف بإنسانيتك. واعترافك بفشلك، دليل على شجاعتك وقوة شخصيتك.
– كن على يقين تام، بأن النجاح لا يحدث فجأة. وأن الفشل أول درجة، من درجات سلم النجاح.
– اسمح لنفسك بالفشل. ولا تجلد ذاتك على هذا الفشل. ففي كل مرة تفشل فيها، فإنك تتعلم وتكتسب خبرات جديدة.
– حلل مواقف الفشل، وتأملها جيدا، كي تشخص أسبابه، وتبحث له، عن طرق علاج جديدة لتجربها.
– لا تلقي بالان للوم الآخرين، أو سخريتهم من فشلك. فهم بشر مثلك، ينجحون حينا، ويفشلون أحيانا.
– كلما تكررت إخفاقاتك، فاعلم أنك اقتربت جدا من أبواب النجاح. فلا تدع اليأس أو الملل يصبك .واعط نفسك فرصة للراحة، وإعادة التفكير، لتصحيح مسارك نحو هدفك المنشود.
– ترو، ولا تكن عجولا متهافتا، على تحقيق هدفك. لأن التسرع لا يسمح لك بالتفكير السليم، وبالتالي يكون الفشل، أقرب إليك من النجاح.
– عندما تقابل أكثر من مشكلة في وقت واحد، عليك أن تبدأ بالتركيز على أكثر المشكلات إلحاحا. وأن تبدأ كذلك بالمشكلات البسيطة، ثم الأكثر تعقيدا، حتى لا تهدر طاقاتك عبثا، وتصاب بالتوتر واليأس.
– عندما تتعثر، لا تجزع. وامنح نفسك فرصة للتفكير. وحفز نفسك، واستنفر قواها بكلمات إيجابية، وعلم أنك تستطيع اجتياز هذه العثرات. وتذكر قوله تعالى “لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا” ( البقرة ، 286 )
– اعلم تمام العلم، أن الله لم يخلق مشكلة، إلا وخلق معها حلا لها. وتذكر قوله تعالى “إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا” ( الشرح ، 6 ).

وأخيرا، علينا أن نتذكر، أن كل الناجحين في كافة المجالات، أصابهم الفشل في بداية الطريق. وكم من مثال في هذا الصدد، أعطاه لنا تاريخ البشر، كإديسون وهيلين كيلر، وغيرهم الكثيرين. فلتصنع من فشلك، مصباحا يضيء لك طريق النجاح.

————-
* مدرس أدب وثقافة الطفل – جامعة عين شمس

شاهد أيضاً

تهى العبري تكتب: موقعك من الإعراب… أين؟ّ!

عدد المشاهدات = 1880— تهى العبري تعوّد أن تعطي نفسك وروحك وعداً بأنك سوف تسعدها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: