الرئيسية / مقالات الرأي / مرفت العريمي تكتب: الموظّف السعيد..!

مرفت العريمي تكتب: الموظّف السعيد..!

= 660

——

في بيئة العمل بمجتمعاتنا العربيّ، بالكاد ترى موظفا سعيدا، وعلامات السعادة تزين ملامحه، ومفهوم السعادة من وجهه نظري أن يعمل الانسان، وهو مدفوع بالحب، والحماس ينجز وظائفه في أوقاتها مبادرا في تقديم الحلول للتحديات، ومبتكرا أساليب لتطوير عمله، يقابل الناس بابتسامة بيضاء لا صفراء، يحظى بالكثير من الدعم، والثناء من قبل مرؤوسيه، والاقران والزملاء..

فقد أصبح مألوفا رؤية الكثير من التذمر من مرارة الوظيفة من الكبير قبل الصغير، من الموظف المستجد إلى الموظف المخضرم!

والعجيب في الأمر ان المشكلات التي يتذمرون منها هي ذاتها لا تخرج من بوتقة عدم الرضا الوظيفي مع تنوع الوظائف، واختلاف بيئات العمل، والحوافز، فكلما فكرت في البحث عن واقع أفضل أكثر حماسا وإثارة، أرى أن المؤسسات مقيدة بسلسلة من النظريات الادارية العتيقة التي لم يطأها قلم المشرع منذ عقود حتى باتت غير فاعلة.

الأمر قد يكون مختلفا بعض الشي في القطاع الخاص، والشركات العالمية التي تسعى إلى تحقيق الربحية من خلال رفع مستوى انتاجية الموظفين، فتسعى المؤسسات إلى جذب الكفاءات المبدعة، وتخلق لهم بيئات عمل نموذجيه حتى يقدموا أفضل ما لديهم، الا أن منظومة القطاع العام في العالم النامي بشكل عام والمنطقة العربية بشكل خاص لا تكترث كثيرا بمسألة تطوير وتبني التطبيقات الإدارية الحديثة، وأعتقد أن جلّ المسألة تتعلق بثقافة الاقتصاد الريعي المتأصل في جذور مجتمعاتنا.

لو عدنا قليلا إلى الوراء سنرى أن من أهم أسباب انقراض المؤسسات، التقوقع أمام المشكلات بانتظار أن تسأم المشكلة، وترحل، وتتلاشى من تلقاء نفسها أو شكلا من أشكال مقاومة التغيير، والتطوير، ومواكبة التغيرات المفروضة بحكم التقدم العلمي.

إن التقدم التكنولوجي المتسارع، والتنافس المحموم بين المؤسسات جعل المؤسسات تنتقل من مفهوم إدارة الموارد البشرية إلى اداره الناس، والمفهوم الأخير يراعي الجانب الانساني في الأطر الادارية والتشريعات المنظمة للعمل، لذلك نجد أن إدارة المواهب، واستقطاب الكفاءات يحدث في وقت مبكر من المراحل التعليمية، وأصبحت المؤسسات تتنافس في البحث عن النوابغ، والكفاءات من مختلف دول العالم، وتقدم لهم كافة التسهيلات حتى يبدعوا خوفا من خروج من سباق الزمن، والتحول إلى ديناصورات، والركون في زاوية عتيقة من متحف الحياة.

من المحزن أن نرى ان السياسات الإدارية، والعملية المستهلكة في القطاع العام العربي تعمل على أفول المبدعين، وتطرد الكفاءات إلى فضاءات أكثر رحابة في الوقت الذي يشهد العالم العربي أكبر موجة من الهجرات القسرية في التاريخ الحديث نتيجة عدم الاستقرار الأمني والاجتماعي، إلا أن بسبب قضايا الارهاب التي طالت بعضا من الدول العربية قيدت توظيف المهاجرين الجدد.

أين نحن من خلق بيئة عمل سعيدة للموظفين لتسريع وتيرة الانتاج للخروج من الأزمات الاقتصادية التي ما زالت أغلب الدول العربية تعيش تحت رحمة برامج التقشف، والزيادة الضريبية، كيف لموظف غير سعيد أن يكون طبيبا يداوي المرضى، أو أن يكون معلما يعلّم الأجيال القيم الأخلاقية، والمعارف الاساسية في الحياة، وهو يعايش النقيض؟

إن القدرة على العطاء ترتكز على سمات نفسية، واجتماعية، ومادية مستقرة للإنسان فكيف لنا أن نتوقع الابداع من الانسان المقهور!

من المؤسف حقا ان نرى المؤسسات الإنتاجية الحساسة كالمؤسسات الصحية، والتعليمية، والعلمية، والأمنية تدار بمفاهيم ديناصورية افقدتها روح العطاء، بالأمس القريب، وفي تجربة مثيرة عايشتها عندما تلقيت دعوة من صديق سنغافوري للانضمام إلى اجتماع شهري لموظفي الشركة، الفكرة لم تكن مستساغة بالنسبة لي لأننا لم نعتد أن يقتحم غريب الاجتماعات، فما بالكم أن يكون الغريب من دولة، وثقافة أخرى؟ لكن فضول، وحب المعرفة سبقاني، فقبلت الدعوة بعد أن شدني عنوان اللقاء، وهو (سوشيال كوميونتي) بترجمة غير حرفية مجتمع متواصل اجتماعيا!

والاجتماع عبارة عن لقاء يعبر فيه المنتسبون إلى الشركة عن تجاربهم الوظيفية، وأحلامهم، وقيمهم، وطموحاتهم، والتحديات التي يواجهونها أو واجهوها في المهنة، يتحدث فيه أي موظف بكل حرية عن تجربته الحياتية، وما اكتسبه من مهارات، ماذا تعلّم؟ وبماذا يحلم؟

أجمل ما في الاجتماع أن الموظفين كانوا يتحدثون بحرية، وثقة أمام الرئيس التنفيذي، وملاك الشركة وكانوا يعبّرون عن قصورهم، ونقاط ضعفهم بثقه دون خوف أو أدنى شعور بالعار!

الكل كان سعيدا ! وهو يتحدث بشفافية مقننة عن المواقف الجميلة، أو الأيام الصعبة الذي قد مر بها، والقاسم المشترك بين الجميع أنهم بعد أعوام من العمل قرروا أن يكتشفوا مجالا آخر للعمل مبني على سماتهم الشخصية، ونقاط قوتهم! فانضمّوا إلى برامج التي تطرحها الشركة في مجال التوجيه الحياتي، والوظيفي المبني على سمات الشخصية للفرد، رأيت مهندسا معماريا ترك وظيفته كي يعمل منسق نباتات وزهور إلى جانب تدريسه الأطفال مهارات التخطيط بعد أن خضع لبرامج تخصصية في مجال التخطيط، وباحث في علم الأديان اتجه إلى دراسة علم النفس، وأصبح ينظم برامج تدريبية لمعالجة المشكلات الزوجية.

ما لفت انتباهي في اللقاء أن جميع المشاركين كانوا يحملون روحا ايجابية واحدة على الرغم من أنهم ينتمون إلى ثلاثة أجيال مختلفة ويحملون مؤهلات علمية متنوعة بعضها بعيده عن مجال العمل خلال الساعتين من عمر اللقاء بقيت مستمعة ولأول مرّة في تاريخ حضوري للاجتماعات، والمحاضرات!! وكنت أحاول أن أركز في كل كلمة تقال حتى لا يفوتني شيء، وكلّي رغبة في أن أتوصل إلى سر الحماس الذي رأيته في عيون الحاضرين باختلاف أعمارهم، وثقافاتهم.

وأجمل ما في الأمر أن الرئيس التنفيذي للشركة الذي دعاني إلى الاجتماع لم يتجاوز الأربعين يدير العمل بحماس، واستطاع أن يوسّع من نشاط الشركة في أكثر الأسواق تنافسية، وأصبحت تمتلك خمسة فروع عالمية بعدد موظفين ثابتين لا يتجاوز عن ١٢ ومئة من موظفين بعقود مرنة، وهو على مدار العام يقوم بجولات حول الفروع لحل مشكلات الزبائن من الشركات الادارية لشركات عملاقة! وإلقاء المحاضرات أسوة بزملائه، فهو قد وجد البيئة التي احتضنت مهاراته، واستفادت من امكانياته بعيدا عن العاطفة، والصورة النمطية حول من يجب أن يشغل الوظائف العليا..

صاحبة الشركة وهي دكتورة في علم النفس ألغت مفهوم المكاتب المغلقة فرأيتها تقدم الدعم، وحتى الضيافة أحيانا لفريقها، وكانت حريصة على مساعدة الجميع، والوقوف على راحتهم طوال فترة الاجتماع.

وبعد الاجتماع سألت الرئيس التنفيذي عن سرّ السعادة، والروح الايجابية بين الموظفين، فقال لي أن فلسفة العمل مبنية على التعامل الانساني البحت مع الفريق، لا على اعتبارهم موارد تمتلكها المؤسسة، بل رأس مال أساسي، ومحور النجاح، وأشار إلى أن التحفيز من العوامل المهمة في تعزيز نشاط المؤسسة لذلك اعتمدت الشركة على نظام الرواتب، والحوافز تراكمي يتوقف على مهارات الموظف ونشاطه، وليس مؤهلاته، أو منصبه، وبإمكان موظفي الشركة أن يتشاركوا في الحوافز فيما بينهم لو احتاجوا إلى الدعم الفني والاستعانة بالزملاء لإنجاز صفقة ، وأخيرا، فإن هذه الشركة لا تمتلك مكاتب فخمة، أو مباني شاهقة، لأن التكنولوجيا ساعدت على توفير المال، وهاتف المحمول وجهاز الكمبيوتر كفيل بإنجاز العمل من أي مكان .

حينها علمت أن مسلسل التعثر المؤسساتي مبني على التمسك المستميت بأنماط إدارية اندثرت من الفكر الاقتصادي الحديث، وأن حلمنا بتحقيق التقدم علينا أن نتخلص من التراكمات الإدارية، والتشريعية التي تعوق الانتاجية وبالتوظيف الحقيقي للتكنولوجيا، وليس عبر اقتناء أجهزة وبرامج مع الاحتفاظ بالفكر العتيق.
——————-
* كاتبة وباحثة عمانية.

شاهد أيضاً

المؤسسات والمجتمع مسئولان عن “ضحايا البحر الميت”

عدد المشاهدات = 357— بقلم: سارة السهيل * عاش ويعيش شعب الأردن وشعوب العالم التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: