الرئيسية / منوعات / فكر وإبداع / “نانا بنت مارينيت”

“نانا بنت مارينيت”

= 1694

——

كتبتها: أميرة الوصيف – مصر

عَضنى الكلب , كَتمت صراخى فى حَلقى , ونَبشت بأظافرى فى الحجر فكافأنى الخَرس , واذا بظِل زوج أمى يقترب.

بدا وجهه فى غايةِ القَرف , وبَديت له بَعوضة فَعصها حذاء , شعرت بأن “هاييتى ” سجنى العظيم , وبأن كوخنا أقذر الزنازين وأضيقها.

زَحفت على بطنى لأدفن وجهى بعيداً فى ملاءات الكوخ , لصقت عينى وجبينى بفَتحة الملاءة , والتى كنت أتلصص منها على الأراضى من حولنا , ولطالما بادلتنى الزَفرات بالزَفرات.

كنت أنتظر رَكلة من الخَلف أو سَحبة عنيفة بالحبالِ من أسفل قدمى إلا انه لم يَمسسنى سوء ويبدو أنه رَحل.

اسمي ” نانا ” , وأمي اسمها “مارينيت ” , أمي امرأة صالحة , كذلك أنا أخبرتني أمي بأني “طفلة صالحة “.

ذات نهار كنا نزرع البُن بمنحدر الجبل , وكان “مايكل ” – زوج أمي – مَربوطاً بالحِبال حتى لا يسقط , ومزارعي هاييتي يُثَبتون فى الجبل وإما أن يسقطون بالأسفل أو أن يسقط الجوع من حساباتهم ويأكلون.

قبيل هروب الشمس الى منفاها , هرع الينا المزارعون , وقالوا بأن “مايكل ” سَقط بالأسفل ! امتقع وجهي , وشعرت بأن قدمي انفصلت عن جسدي , وبأن الثلج محشور بمُقلتي ولا يَذوب , إلا أن أمي ارتجفت ولم تذرف الدمع , وحملتني بسرعة الصاروخ الى كوخنا , قَبلتنى على جبينى الشاحِب ثم قيدتنى بالحِبال, كَتفت يدي وساقي , ولم تضع لاصقة على فمي.

كنت فى وَضعية لا تسمح لي بالعناق إلا اننى عانقتها بعيني الزيتونيتين , أمسكت بأكتافي الصغيرة وهزتنى بلُطف قائلةَ بأنها ستعود اليّ بعد أن تتعلم الحياكة لتطعمني , وتكسيني , وكأى طفلة صالحة ينبغى أن أُصَدق أمي وينبغى أن أتقبل أصفادها.

أثقب أذني صوت “مايكل ” , ولفنى الفزع , فإذا بى أجده قُبالتى بسرواله الأزرق الوحيد مقطوعاً من المُنتَصف والأطراف , وعلى وجهه خدوش ودماء.

كانت عينه من تلك العيون الذئبية التى تَستشرف الحدث , اقترب منى ببطء , لم يَنبس ببنت شَفه , فك أصفادى ولطمنى على فكي ثم نَعتنى ب ” ابنة شارع “
اعتدت على اقتسام ثمرة الموز المشوية مع جارتنا “ديالا ” , تلك السيدة التى كانت تُقَبل أصابعي , وتضع السكر على يدى ثم تلعقه حتى تُنجِب طفلة تُشبهنى.

كانت تُمَسد لي شعري , وتقص لي حكايات البحر الكاريبى , وتحكى لى كيف كانت يائسة منذ أعوام , يائسة بجنون عندما أنجبت مولودتها الأولى فى الشارع من شاب لم تَلتقيه ثانيةَ عندها كانت فى السادسة عشر من عمرها , أقول لها : وأين طفلتك؟

فتقول : ماتت , كُنا طفلتين , ولم أفهم كيف أُرضعها؟!

وأسألها والآن ألستِ يائسة ؟ تومىء “ديالا ” برأسها فى خجل , وتقول : بلى .. يائسة بشكلِ أفضل.

بالأمس تحدث معى زوج أمي بوقاحة , قرصني من ركبتي , ورفسني فى بطنى , وصرخ فى وجهي لكي أرحل من الكوخ , أردف يقول أن أمي لن تعود , وأن بنات الشارع لا يمتن ميتة طبيعية , كنت أمتص كلماته بأذني , وأتوق لأن أقطع لسانه فلا يَزيد حرفاً.

فى المساءاتِ يَركلني “مايكل ” , وأهيم على وجهي أنتحب , وأضغط على نهاياتِ بُكاءاتي بحُرقَة , أعتبرها موهبتي الحالية حتى أنني صرت أستغرب الليلة التى لا أبتلع فى ثُلثها دمعي المالح.

فى منامات هاييتى العزيزة أرى نفسي بتَنورة زرقاء , أُفَتش دائماً عن شىء ما , وقبيل خاتمة المنام , يركض نحوي طفلات كلهن أنا ! يرتدين تنوراتهن الزرقاء ويحملن أكياساً من البُن وثمار الموز , وتخرج عليهن أسنانهن البيضاء ثائرة تبتسم ويمسكن بيدى ثم نتقدم جميعاً الى بوابات أقدم جمهورية سوداء فى العالم – هكذا كُتِب عليها – ثم نمضي وننتشي.

خبأت خوفي فى جبالِ هاييتى , وقطعت عهداً مع الزروع ألا أبرح الكوخ حتى تعود أمي “مارينيت ” , وأصخت السَمع الى اشارات البحر , فإذا بلغته عَصية على التَدبر لكنها ذكرتنى بإنقضاء عامين , ولم تعد أمي!

تُرى هل تعلمت الحياكة؟ أم ربطوها فى أعالي الجبال لتزرع؟
تُرى أتأكل الموز المشوي؟ أم تبكي على مولودها الجديد؟!

شاهد أيضاً

“ما هذا البرود؟”..قصيدة للشاعرة هتاف عريقات

عدد المشاهدات = 1082— تهملنى تارة تقتلنى بشرودك يوما وهروبك تعبث بيديك بأفكارى وتبعثر فى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: