الرئيسية / مقالات الرأي / المرأة العراقية..منهل الابداع الغنائي الموسيقي

المرأة العراقية..منهل الابداع الغنائي الموسيقي

= 831

بقلم: سارة السهيل

شكلت المرأة العراقية عنصرا فاعلا ومؤثرا في الاغنية العراقية الشعبية والتراثية والحديثة والمعاصرة، وبفعل ما هضمته من معطيات حضارية بابلية وأشورية وعباسية وما خلفته هذه العصور من كنوز معرفية وثقافية وفنية جعلت من الفن الغنائي الموسيقي العراقي نهرا خالدا متعدد الروافد والمقامات والمذاقات.
فقد أبدعت المرأة العراقية شعرا غنائيا في المحبوب والطبيعة، كما ابدعت تلحينا بمختلف المقامات، وابدعت شدوا وغناءا وأبحرت مع الشعر الصوفي تلحينا وغناءا، ناهيك عن انها كانت ولاتزال ملهمة لخيال مبدعي فن القريض ومبدعي بحور النغم فصدحوا بأعذب الانغام والكلمات في محياها وجمالها وعشقها.
وتميَّز الغناء العراقي بالتنوع فقد غنى مطربوه المقام العراقي باختلاف أنواعه وغناء (البستات) القديمة والحديثة، و(الأبوذيات) و(المربعات) و(العتابة) و(النايل) و(الركباني) و(المنولوجات) و(الموشحات) وأغاني الزفة، الزورخانة، الجوبي (الدبكة)، وأغاني رمضان، وأغاني الأطفال، والكسلات وأغاني الأعياد وغيرها ، وكان للمرأة العراقية اسهامات كبيرة فيه.
فقد حفل التراث الشعري الشفهي العراقي بخصوصية الشعر الدارمي الذي ابدعته المرأة العراقية، ويتألف هذا الشعر الدارمي من بيت او بيتين تعبر بهما المرأة عن لحظات فرحها او حزنها في سياق شعر الغزل وما يرتبط به من تفريعات، ومن أنماذجه التي سجلها التراث العراقي، قصة اعياء الفتاة ومرضها لغياب المحبوب وكيف ان أهلها يسقونها الماء قطرة قطرة ويسألون الله سرعة موتها رحمة بحالها، لكنها لن تموت الا اذا حضر محبوبها، وهو ما عبرت عنه هذه الابيات:
ديرولي ميه راس … نكطولي ألف ماي
أتعبكم وما موت …. لمن يجي أهواي
وهناك أنموذج أخر لفتاة تلوم الباكيات وتدعوهن لخفض أصواتهم حتى لا يسمع الحبيب صوت البكاء فيصيبه مكروه ، كما في انشودتها :
كل مرض مايباش …. خاله استريحن
يرعب كلبي هواى … لمن اتصيحن

ميحانه ناظم
وتتعدد روافد الشعر الشعبي النسوي وغنائه بالعراق من محافظة الى اخرى ومن قرية الى اخرى ايضا، فقد حفظ التراث الشعبي أغنية ميحانه التي شدا بها العبقري الراحل ناظم الغزالي، وتعبر عن قصة حب عذبة ورقيقةلامرأة من الكوفة تدعي “وشله بنت اجريو” التي احبت رجلا من اهالي الحله يمكن كان اسمه عبدالله وكان يمتلك مركبا شراعيا ينقل فيه الحبوب والحيوانات.
كان الرجل يمتلك حول الحديث جميل المعشر عذب الصوت يجذب الناس اليه، و نشأت قصة حب شديده بينه وبين ” وشله “.
كان غرامهما سرا أول الأمر ولم يعرفها الى” ميحانه صديقة وشلة، بينما كانت ميحانه تشجع وشله على الافصاح بحبها…ولكن وشله رغم انها تعلم ان الرجل يبادلها الحب فانها خشيت ان يفتضح أمر عشقها.
تعرض المحبوب لحادث اودى بحياته، فحزنت عليه وشله حزنا شديدا، وفي أحد الايام كانت وشله جالسه مع صديقتها ميحانه على شاطىء النهر وهي تغسل الاواني .. فمر المركب الذي كان يشتغل عليه حبيبها مرورا صامتا احزنها وهيج ذكرياتها .. فألتفتت الى صديقتها ميحانه وكانت الشمس تميل نحو الغروب وقالت … ولج ميحانه تغرب شمسنه والحلو ماجانه، فبكت ميحانه لبكائها وقصت قصة وشله على والدتها..التي سمع بها أخ ميحانه فجاء هذا الاخ الى وشله بعد ايام متوددأ.. مقتربا.. منها .. وقال ,, ميحانه ..ميحانه .. غابت شمسنه الحلو ماجانه
التفتت اليه وشله وصدته..عندها قرر أن يثأر على اهانتها فتقدم لخطبتها من أهلها ولكنها رفضته.. فأقسم على الانتقام منها,, فكان ينقل عنها كلاما سيئا وقد اصبح كلاهما .. مدارا لحديث الناس لسنوات طويله ..
من أبيات هذه الاغنية:
غابت شمسنه الحلو ماجانه
هذوله العذبوني هذوله المرمروني على جسر المسيب سيبوني…
واليكم كلمات الاغنية كاملة والفديو الخاص بها للمطرب ناظم الغزالي رحمه الله ..
ميحانه ميحانه
ميحانه ميحانه… ميحانه ميحانه
غابت الشمس وللحين ما جانه
حيك.. حيك بابه حيك .. الف رحمه على بيك
هذوله العذبوني .. هذوله المرمروني
وعلى جسر المسيب سيبوني
عافت عيوني النوم .. عافت عيوني النوم
بعدك حبيبي العين ذبلانه
بلوح القدر مكتوب .. بلوح القدر مكتوب
بهجرك حبيبي الروح ضمآنه
وعلى جسر المسيب سيبوني
ضليت انا سهران .. ضليت انا سهران
وارعى نجومي ليش ماجانه
واتسامر ويا الليل .. واتسامر ويا الليل
واجمع همومي وروحي تلفانه
حيك.. حيك بابه حيك .. الف رحمه على بيك
هذوله العذبوني .. هذوله المرمروني
وعلى جسر المسيب سيبوني
خلى الدموع اتسيل .. خلى الدموع تسيل
من عيني دمه الروح ضمانه
واللي فديته الروح .. واللي فديته الروح
روحي ظلمه بسكَم خلاّنه

عمق وجدان
عكست أغاني المرأة العراقية عمقا ملتهبا في المشاعر يقود الالم والابتلاء في الهوى جسدته لغة عنيفة، كما في أغنية المطربة الساحرة عفيفة اسكندر متوعدة حبيبها ” الله لو تسمع هلي / شلون بغرامك مبتلي “، و تنبه فيها، حبيبها من خطر ان يعرفوا أهلها بما سببه من ألم لها.
والمطربة “زهور حسين” تشتكي من الهوى، و تقدم شكوتها لأهل الهوى نفسهم، وهي ترتجي أن يعينوها، تقول ” انه عدكم دخيل / من عذاب الخليل ” .
وللشعر النسائي الجنوبي مذاق خاص في تذوق الحب والتلذذ بعذاباته، فتقول المرأة الجنوبية وهي تدير رحاها
” ما تنسمع رحاي بس ايدي اتدير / اطحن بقايا الروح موش اطحن شعير”.

خصوصية
احتفظت كل مدينة عراقية بخصائص غنائية وموسيقية تميزها عن غيرها، وكان للمرأة الدور الاكبر في الحفاظ علي هذه الخصوصية، فيبنما اشتهرت مدينة الموصل بالأغاني السويحلي والليالي والمقامات الخفيف.
فان غرب العراق اشتهرغناء النايل والعتابة والهوسات والأهازيج الشعبية الأخرى.
بينما تنوع الغناء في كركوك تلونا ب الطيف القومي والعرقي الأنثي الذي يسكنها ومن ذلك نجد الأغاني الكوردية بمقاماتها الأصلية التي تأثرت بها المقامات العراقية و البغدادية و الألحان الشجية التي تحكي انكسارات الحب بغياب الحبيب او موته او قصص الحب التي تفشل بسبب عدم موافقة اهل البنت او الشاب و الألحان الفرائحية بالأعراس و الأعياد مثل النوروز و اعياد الربيع وايضاً الأغاني التركمانية والمقامات الخفيفة مثل مقام (القوريات) والمخالف كركوك..

فان جنوب العراق عرف الغناء الريفي العربي الأصيل، من أبوذيات ومربعات وموشحات وأغاني الرقص الشعبي العربي. ومن أعذب ما في هذا الغناء ما نجده في مدن الناصرية والديوانية والكوت والعمارة وفي البصرة الفيحاء نجد غناء المنكَّر وغناء الهيوة والخشابة والأغاني الريفية وبعض المقامات العراقية بنمط البحارة…
وتميز تراث الغناء العراقي بأسماء رائدات نسوية عديدة منذ عشرينات القرن الماضي سواء من العراقيات او من العربيات اللواتي سكنّ العراق تركن تراثا فنيا زاخرا ومن هؤلاء :

صديقة الملاية، وهي صوت رنان عميق قوي يعتبر كنزا من الكنوز اجادت غناء بعض المقامات العراقية السهلة و الأغاني العراقية القديمة واشتهرت بعدة أغان منها “ياكهوتك عزاوي بيها المدلل زعلان” وهي مقهى معروفة في منطقة الميدان.

وسليمة مراد، مطربة العراق الأولى، وهي الفنانة الوحيدة التي نالت الباشويه، وكانت تعقد في قصرها صالوناً ادبياً وسياسياً وموسيقيا، وتقيم الحفلات الغنائية وتشرك معها بعض المطربات المعروفات والمطربين المعروفين منهم ناظم الغزالي الذي نشأت بينه وبينها علاقة حب سريعة تزوجا على أثرها ويلقبها المقربون منها سليمة باشا.

ومن اشهر أغانيها “قلبك صخر جلمود”، وهي أغنية أثارت شغف أم كلثوم، التي طلبت من “سليمة” أن تغنيها، عندما كانت في زيارة للعراق عام 1935، ويُقالُ بأن أم كلثوم سجلتها بصوتها على إسطوانة نادرة.
وزهور حسين، التي اشتهرت بالصوت الرخيم العذب في الخسمينيات وغطت أغانيها سماحات كبيرة من البث الاذاعي العراقي، وانتشرت صورها على جدران المقاهي خلال بث أغنيتها الرائعة “لو للغرام حاكم” أو “غريبة من بعد عينك يتيمه” بصوتها الشجي الشاكي الباكي.

وكذلك أميرة الغناء الريفي “مريم عبد الله جمعه” بنت ألبصره الفيحاء التي لقبت نفسها في ما بعد وحيدة خليل واشتهرت بهذا اللقب، وأجادت أطوار الابوذيه ببراعة الحياوي والمستطيل..الغافلي..الدشت..العنيسي، كما أجادت أيضا في ألوان أخرى مثل السويحلي والنايل والبسته. واشتهرت بأغاينها الرائعة مثل ” من وصلك من دلاك” و ” عين بعين ..جا وين أهلنه.. ” وغيرها.

ويخلد تاريخ الغناء العراقي اسم ” عفيفة اسكندر ” نجمة الغناء العراقي طوال نصف قرن قدمت فيها كل ألوان الغناء بجمال وإثارة مستفدية في ذلك من تذوقها الموسيقي المبكر وثقافتها الواسعة وحبها للشعر والأدب عبر مجلسها في منطقة المسبح في الكرادة، وكان يضم ابرز رجالات السياسة والأدب والفن والثقافة في البلاد.
وعكست التجربة الغنائية للمطربة “أنوار عبد الوهاب ” تأثير الم التجربة السياسية وجراحها في اغانيها، فهي من مواليد الناصرية جنوب العراق وابنة احد أشهر الكتاب السياسيين في عهد الجمهورية 1958، وهو عبد الجبار وهبي الذي استشهد في انقلاب (8 شباط 1963).

وامتلكت ” أمل خضير ” تجربة عميقة في الطرب الاصيل ربما تأثرا لأسرتها الفنية نشأتها، حيث تأثرت مبكرا بالغناء ومطربات الزمن الجميل؛ وحيدة خليل، سليمة مراد، وسلطانة يوسف، وبدرية أنور، ومنيرة الهوزوز وزكية جورج. تربعت” أمل خضير ” على عرش الغناء الرومانسي ذو الطابع الحزين مع محافظتها على الأصالة.

ومن اشهر أغانيها : “يا ألف وسفه ويا حيف – وفدوه فدوه- وتعال” و” واتوبه امن المحبة”، و” يا يمه آثاري هواي”.
وتعد ” فريدة محمد علي ” من أشهر النساء اللواتي سجلن حضورا متميزا في أداء المقام و الأغنية العراقية مستفيدة في ذلك من دراستها الأكاديمية المتخصصة في علم الغناء فأبدعت من خلال هذه الملكات في أداء مجموعة كبيرة من المقامات العراقية قاربت العشرون مقاما.

ولاغرابة ان تلقب ” فريدة محمد ” بسيدة المقام العراقي لأدائها المتميز لهذه المقامات وكونها الأمرأة الوحيدة التي تمكنت من أداء هذه المجموعة من المقامات وتقديرا لدورها المتميز في نشر هذا الموروث الغنائي العراقي الى العالم لقبت بصوت الرافدين خلا ل مشاركتها في الملتقى الثقافي العراقي الأول الذي أقيم في العاصمة البريطانية لندن، كما لقبت ب ” قيثارة دجلة”.

مقام التصوف
ويحفل السجل الغنائي العراقي بالعديد من المبدعات العراقيات شعرا وغناءا وتلحينا جيلا بعد جيل ومنهن ” سحر طه” التي تبحر بانغامها مع الشعر النسوي الصوفي ايمانا منها بخصوبة وثراء الشعر الصوفي وما يحتويه من شجن انساني عالي المذاق، وجاءت تجربتها في هذا المجال بعد ماجذبتها تجارب النساء العاشاقات لله وفيضهن بالشعر الصوفي في تجليات وثمرة هذا العشق الالهي.

ورغم انها قدمت اكثر من اربعين عملا فنيا بين غناء وتلحين لكنها تري نفسها اقرب الي تلحين الاغاني الصوفية رغم من صعوبتها. فهي تري ان المقام العراقي يتضمن الكثير من القصائد الصوفية ومن اللحن الصوفي.

كلمة اخيرة

المرأة العراقية كانت منبعا للخصوبة الابداعية شعرا ولحنا وغناء كما كانت ولا تزال ملهمة للابداع في كل جوانبه الموسيقي والشعري، ولعل تجربة سحر طه واقتحام مجال شديد الجدية والصعوبة انما يؤكد ما تتمتع به المرأة العراقية من ثراء حضاري وثقافي وروحي يشع في ظلمات ايامنا، وستظل المرأة العراقية مشعلا للنور والفن والابداع يضئ سمواتنا ويغذي ارواحنا وعقولنا معا ويحافظ على موروثنا الثقافي للأجيال المتعاقبة.

شاهد أيضاً

أعياد الربيع فرحة بالخصب والنماء وسط تغير مناخي كارثي

عدد المشاهدات = 1463— بقلم: سارة السهيل * تحتفل العديد من شعوب العالم في الحادي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: