الرئيسية / الثقافة والفنون / ثقافة وأدب / الكاتب التونسي عبد الحليم المسعودي مؤلف مسرحية “الروهة”: نعيش زمن الظلمة والخلاص في استخدام العقل

الكاتب التونسي عبد الحليم المسعودي مؤلف مسرحية “الروهة”: نعيش زمن الظلمة والخلاص في استخدام العقل

= 1605

تونس – نورة البدوي

هو الكاتب و الأكاديمي و الإعلامي التونسي عبد الحليم المسعودي عرف باهتمامه بقضايا الفضاء العمومي و الجماليات و الصورة و الفرجة و لقد صدرت له الأعمال التالية ” القماط و الاكفان” و هي مقالات في الشان العام و بازارات، بورقيبة و المسرح قراءة في أطياف بيان تاسيسي و كتاب جمهورية الحمقى ، و النار و الرماد و المسرح التونسي .. مسارات حداثة.

و اخرها اصدار جديد معنون بمسرحية الروهة، صادرة عن “دار مسكلياني للنشر و التوزيع “، يرسم لنا المسعودي في نصه المسرحي لحظات من الهزل المكشوف و التراجيديا من واقعنا العربي في قاع مظلم مليء بالجثث من كل مكان و اتجاه، قعر لا يوجد فيه غير ست شخصيات هاربة من تنظيم الدولة الاسلامية و يبحثون عن الخلاص من هذا القاع بلغة المسعودي.

في هذه الروهة اجتمعت العواطف و الشهوات و المتناقضات و الثنائيات كما اجتمعت فيها الحيوانات، بهذه الثيمات يقدم لنا كاتبنا نصه المسرحي في غاية من الغرابة و الواقعية مستفزا في ذلك صوت العقل فينا و حيرة السؤال تجاه الوجود و العدم ليستنطق أبعادا تأملية في عمق إنسانيتنا التي سقطت في هوّة الرداءة و اللاانسانية .

عبد الحليم المسعودي

عن هذا الاصدار الجديد التقت مجلة اماد الثقافية الكاتب التونسي عبد الحليم المسعودي ليكون الحوار التالي:

بدأت الروهة بتصدير فلسفي لامانويل كانط لماذا؟

كانط يتحدث عن الانوار في الثقافة الغربية و في تاريخ الفكر الغربي من الاغريق الى عصر كانط .
المستفز في المقولة الكانطية انها مقولة شرقية بالاساس نابعة من الثقافة العربية الاسلامية قبل ان تكون فكرة انسانوية.
و هذه الفكرة تحدث عنها كبار الفلاسفة في الثقافة العربية الاسلامية من بينهم ابن سينا الذي يكفر و الفيلسوف ابن الوردي الذي يكفر و الفيلسوف المتصوف الاندلسي ابن العربي الذي يكفر دون الحديث عن التنوير العقلي الذي نشا في الثقافة العربية الاسلامية مع المعتزلة .

هذه المسالة الاساسية و المحيرة اليوم يعود كانط و لا يعود ابن الوردي، يعود كانط و لا يعود ابن العربي و يعود كانط و لا يعود ابن سينا، اليوم يكرر كانط مسالة اساسية متعلقة بالدين و الاخلاق يذكرنا ان الاخلاق سابقة للدين و ليس العكس.
فكانط يضعني امام هذا الاستفزاز و هذه المفارقة التي جعلتني افكر كيف اترجم هذه المفارقة في نص ليس بنص فكري و نص ليس بنص فلسفي و انما هو نص محمول على الانشاء على الشعر عن الابداع فكان المحمل المسرحي لانه اقرب الى الفلسفة منه الى السرد.
فالمسرح فيه الحوار و الحوار هو قلب المحاورة الفلسفية، فهذا الحوار سمح لي ان اعيد صياغة هذه المفارقة الفكرية:
كيف يكون كانط اكثر اجابة لواقعنا و انت بالمقابل لك في خلفيتك كل هذه الاطروحات الانوارية التي همشت باسم التدين و باسم المحظور و باسم المقدس..

اذا هل يمكن اعتبار هذا الاستفزاز الكانطي لك هو الذي جعل عبد الحليم المسعودي يعيش لحظة تأمل لوقعنا اليوم كلل بالنص المسرحي الروهة؟

فعلا، الروهة هي لحظة دعوة ملحة لتأمل ما وصلنا إليه في وجودنا اليوم نحن المنتسبون للثقافة العربية المعاصرة دعوة لتأمل مدى الفظاعة التي وصلنا إليها و مدى عمق القاع.
الروهة هي استعارة على الهة الظلمات و الشر المطلق و طبعا هذه استعارة من ديانة الصابئية المندئية فلما نضطلع على كتاب ” كنز ربا ” و هو الكتاب المقدس لهذه الديانة التوحيدية المذكورة في القران و هذه الديانة القائمة على فكرة الطهارة الدائمة و ليست الطهارة المطلقة..

الطهارة الدائمة لان الطقوس تكون في الماء الجاري نجد في هذا النص المقدس ذكر لهذه الميتولولجيا و هي الصورة المكثفة لما يمكن ان اتكون عليه الظلمات ممثلة في الهة سفلية هي الروهة.
فالروهة اذا هي الظلمة المطلقة و الشر المطلق و اعتقد اليوم في هذا التاريخ المعاصر نعيش زمن الظلمة المطلقة بامتياز.

تذكرين يا نورا مرة حدثتك عن الكهرمان و الكهرمان في اصله يعني في اللغة الاغريقية ما نسميه اليوم بالكهرباء، و علماء الكهرباء يعرفون ان خيط الكهرباء هو خيط غير متواصل، فكأنه مجموعة من النقاط المتواصلة في خيط دقيق و خيط الضوء هو خيط استثنائي ليس دائم لا بد من تغذيته دائما الاصل هي الظلمة و العرضي هو الضوء.

و اعتقد أن رسالة الإنسان اليوم على هذه الأرض مرة أخرى و دوره هو إعادة سرقة النار المقدسة كما فعل برومثيوس في الأسطورة الإغريقية و إعادة منحها للبشرية هذه البشرية التي تعيش اليوم في الظلمات المطلقة.

هذه الظلمات التي تابعتها لما حدث من اجتياح في سوريا و العراق هذا الاجتياح الماغولي الجديد لمنطقة من اهم المناطق في تاريخ الانسانية و هي منطقة الهلال الخصيب مهد الحضارات و الديانات و اللغة و الفكر و الجمال .. و انا اقرا الاخبار و المقالات الاستقصائية حول هذا الموضوع رايت مرة خبرا مصورا في احد القنوات التلفزية يتحدثون على ان الدواعش من كثرة ضحاياهم بداوا يتخلصون من الجثث في قعر موجود الخصفة و هي اخدود لا متناهي يتم فيه رمي الجثث كم يوجد قعر اخر لرمي هذه الجثث اسمه الهوت، و هناك اخبار تقول انهم يدفعون ضحاياهم و هم احياء في هذا القعر.

فتخيلت قسوة انه كيف يسقط شخص في جب عميق لا متناهي مجروح في ظلمة و لا منفذ له.

استقرت هذه الفكرة في ذهني و تخيلت كما تساءلت ما الذي يحدث لو تقابل مجموعة من الأحياء و ماذا سيحدث بينهم و كان هذا المنطلق الأول لفكرة مسرحية الروهة.

من أي منطلق جمعت بين ستّ شخصيات في قعر الروهة ؟

تخيلت أن هنالك ست شخصيات تلتقي في هذا القعر و كل شخصية هاربة من هذه الفظاعة و على أساس هذا الالتقاء يحدث ما يحدث ، ست شخصيات تنويعا على عنوان بيراندلو عندما كتب ست شخصيات تبحث عن مؤلف و انا كتبت عن ست شخصيات تبحث عن الخلاص.

و هي شخصيات أخذتها من الواقع: شاه بانو الكردية الهاربة من داعش/ صاحة التومي الداعشية التونسية / شمس الدين العياري الداعشي التونسي / امير ” استاذ الموسيقى في اكاديمية بغداد الذي يبحث عن حبيبته/ كجة مجة الشخصية المحركة .

ففي تقنيات كتابة الأشياء المغلقة من الصعب جدا ان تحرك الشخصيات لان الشخصيات في مكان مغلق ليس لها هامش كبير من التحرك فبالتالي لا بد من استنباط هذه الشخصية المحركة الاستفزازية فكانت شخصية كجة مجة هذا القزم العجيب و اللاذع اللسان ذو الاسم الغريب و الذي لا نعرف اسمه الحقيقي الى اخر المسرحية و هو أيضا إحالة على يأجوج و مأجوج.

أما شخصية عبد الحي فهو معدن الكهرمان الذي يضيء الظلمة من تلقاء نفسها فهو الذي سيبشر بالخلاص، بهذا البديل الانواري و الروحاني لا ننسى انه من الصابئية و انه شخصية يعيش في هذه المنطقة منذ الاف السنين اذا ما اعتبرنا ان الثقافة الصابئية غير منقطعة عن الحضارة البابلية و الاشورية حتى عن الثقافة الزاردوشتية الفارسية.

فعبد الحي غير منقطع هو كأنه موجود و غير موجود هو مفتعل فكريا هو شخصية ذهنية و ليست شخصية حقيقية فهو العمود الفقري لبناء الفكرة لمسرحية الروهة و هو جوهر المحمل الاستفزازي الذي يتحدث عنه كانط في التصدير لمسرحية الروهة فكرة الأنوار فكرة الأخلاق فكرة التدين.

و هذه الاطروحة تتبلور اكثر في نهاية الفصل عندما يتحدث عبد الحي مع شاه بانو عن موضوع الحب و الخوف و الغواية، فشخصية عبد الحي الصابئي مر بمحنة و هي محنة الغواية و السلطة و فقد كل شيء .

و ظهوره هو ظهور الحي الخارج من الميت يعني الضوء الخارج من الظلمة .

فالمعركة التي قام بها هي معركة صراع النور مع الظلمة فكان كل هذا يحوم عن كل ماحدث في داعش التي لا تعتبر مجرد موضوع نكتفي فيه بتحليل الحركات الجهادية او الاسلام السياسي الجهادي التكفيري، و انما السؤال المهم هو كيف نصيغ كل هذا في سردية شعرية تكون الحقيقة كاملة فيما تقول نصف الحقيقة .
هذه هي لعبة المراوغة تقول الحقيقة كاملة فيما هي مراوغة لنصف الحقيقة.

لعبة المراوغة هذه أقحمت فيها شخصيات حيوانية أيضا لماذا؟

لا يمكن الحديث عن هذا دون الحديث عن الحيوان فالحيوان جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان خاصة في الثقافة العربية، كم كتب العرب عن الحيوان، كالجاحظ في كتاب الحيوان و الدمياغي كتب كتاب اسمه الحيوانات الكبرى، و كتاب القزويني عجائب المخلوقات و غرائب الموجودات… كل هذا لا يمكن إلا نفكر في الحيوان.
فهذا الإنسان في هذا الخراب الذي حدث في العراق و سوريا اضطر الى اكل الحيوان من الجوع.. هذه علاقة عضوية و اضطر الحيوان أن يأكل جثث الإنسان المقتول و هناك إشارة لهذا في النص.. إذا كيف لا أتحدث عن الحيوان؟”
مع العلم و أن المسرحيون في نصوصهم المسرحية نكاد لا نرى حيوانات، و أعتقد أن أجمل ما قيل في الحيوان أن ليس هناك امم بشرية فقط و إنما أيضا هناك أمم أخرى ” أمم الحيوانات” من هذا المعنى العميق لم أكن أتصور أن يكون هذا القاع من دون حيوانات و هناك أيضا إلى جانب شخصية الكلب و القردة و العصفور شخصية القنفد هذه الشخصية المحببة إلي خاصة في حواره مع كجة مجة ليقول شيئا واحدا ” إن هذه اللحظة المأساوية في سقوطنا للقعر و تنازلنا عن إنسانيتنا فنحن عندما نتنازل عليها لا ندخل عالم الحيوان، و نحن نتحدث عن التوحش و الوحوش فالحيوانات بريئة من سقوطنا في هذا القاع بل نسقط في لا إنسانيتنا، و ليس السقوط في الحيوانية هو السقوط في اللاانسانية.

هذه هي الفكرة الأساسية لذلك كانت حيوانات الروهة حيوانات حالمة ربما وجودها يشكل بارقة أمل مفترض ينطلق من الخلاص و العودة إلى الطبيعة.

من قاع الروهة جمعت بين شخصيات بشرية و حيوانية و اثتت هذا القعر بمؤثثات سينوغرافية شتى و رسمت لنا ثنائية الحقيقة و الخيال حتى افقدتنا في كثير من الاحيان القدرة على التميز بين الحقيقي و المتخيل، فالى ماذا ترمز هذه الثنائية؟

بالنسبة الي هذه الثنائية هي حيرة، فيمكن كتابة أشياء موغلة في الواقعية فلما تتأملها أكثر تجدها ليست واقعية و العكس صحيح، هنالك أشياء يوهموننا أنها خارج المألوف و عندما تتأملها ستجدها تافهة و ساذجة، فهذه الحيرة هي جزء من الكتابة فليست هناك حقيقة في الروهة.

لاحظي أن ليس هناك حل ،كل الحلول المقترحة في الروهة هي حلول غير مقنعة فالحل الذي تقدمه شخصية عبد الحي في نهاية المسرحية ” غير مقنع” هذه الرحلة نحو المجهول، و الذين خرجوا من القاع لان الجيش العراقي تدخل هذا ايضا ليس حلّ.

فنحن نكتب لكي لا نجد حلا بل نكتب لنستوعب المأزق، و هذا ربما اهم دور للكتابة، فهي لا تقدم حلولا ، الحل الوحيد يكمن في ادراك المشكل و تشخيصه .

هل نجحت انا في تشخيص المشكل ؟ انا شخصيا لا اعتقد. فانا لو كنت شخصية من شخصيات الروهة يمكن كان الحل الذهاب مع عبد الحي او الذهاب مع الجيش العراقي .
و الحل الحقيقي هو في التصدير ” مقدمة كانط” و المتمثلة في استعمال العقل لادراك المشكل و لكن ينبه الى استعمال العقل بشجاعة.

حدثتنا عن دور الكتابة و وجدنا تاثرا لعبد الحليم المسعودي بكتابات و نصوص روائية لم تخفيها في هذا النص المسرحي للروهة كتأثرك بالمسرح الشكسبيري ؟

لا اخفي تاثري بالمسرح الشكسبيري، و كلامك هذا مدح بالنسبة إلي، فان يحيل نصي على شكسبير فهذا شيء كبير جدا، فشكسبير عالم لا ينتهي.

و لكن الى جانب شكسبير هناك ايضا احالة الى تشيكوف، هناك ايضا بيرندلو الكاتب المسرحي الايطالي الكبير ، هناك ايضا الادب الروائي احالة على القصص التي كتبها لوكالفينو في مسالة القنفذ.

انا اعتقد ان الكتابة تتاثر فاذا لم تتاثر فليست كتابة ليست هناك كتابة من لدن حتى بشكل علمي لا اعتقد ان هناك كتابة من فراغ بما في ذلك النصوص المقدسة.

لكن المهم في كل ذلك ان النص يخفي سلسلة من النصوص و ليست بالضرورة نصوص مكتوبة و انما كذلك طبقات متراصة من الصور المخزنة سواء من الذاكرة و الخرافة و السينما و من الفن التشكيلي و من الايقونات و القصص المصورة.

فنحن نتاج تراكم من الصور و النصوص و من المقولات و هنا يطرح السؤال يا نورا: كيف نتخلص من هذا الركام الكبير ؟

الاجابة بسيطة : تتمثل في القدرة على استيعاب كل هذا الركام.

ايمكن القول ان هذا الاستيعاب الذي تحدثت عنه هو الذي جعلك تعتمد اسلوبا بجعل رؤيتك المسرحية نهاية مفتوحة؟

ما هو محمول على الاسلوب يراد به الشكل و ما هو محمول المضمون يراد به المعنى، فالطمانينة لهذه الثنائية لا تستقيم مع ما ينبه عنه كانط من استعمال العقل.
فالثابت في ذهني ان الاسلوبوي هو المعنوي لا يمكن الفصل بينهما، لان هذا الفصل هو فصل تعليمي اكاديمي و لكن في الابداع لا يمكن الفصل.

لذلك ان اعتبرتي ان النهاية هي نهاية مفتوحة فليكن و ان اعتبرتي ان النهاية نوع من التجريب على كسر البنية الكلاسيكية فليكن.

و لكن المهم بالنسبة اليا شخصيا ان حجم فشل امير في علاقة حبه مع لحاظ ذروة التراجيديا فبعد ان فات الاوان تعود لحاظ من جديد و تتصل به لتخبره انها في برلين … و هذا ليس تنويعا اسلوبيا او تنويعا في خلخلة البنية لكي تبدو ان هذه المسرحية معاصرة.

فانا ما يهمني استكمال المعنى الذي لم يكتمل و لا بد من جدتنا شهرزاد ان تكمل الحكاية و هي مسالة متعلقة بالسرد، بما معناه ان هذه الحكاية نهايتها لم تنتهي بعد على قدر ما علمتنا اياه جدتنا السردية شهرزاد.

شاهد أيضاً

الفنانة زين عوض ضيفة شرف مهرجان “ضيافة” في دبي

عدد المشاهدات = 456— دبي – آماد بحضور لافت ، برزت النجمة الأردنية زين عوض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: