الرئيسية / منوعات / فكر وإبداع / تهى العبري تكتب: من الماضي الجميل!

تهى العبري تكتب: من الماضي الجميل!

= 5178


تهى العبري

تواقةٌ هي نفسي إلى ذلك البستان اليانع باخضراره ، الملوّن بثماره، حيث زقزقة العصافير والتي ما كادت أن ركنت اعشاشها على قمم النخيل وأشجار الليمون والمانجو والموز. تتموج الاغصان فوق بعضها البعض وتسلم على بعضها ببهجة، وهناك في الأُفق ضوء الشمس الذي يتغلغل ويسرق مكاناً بين الاطراف والاغصان ليشعشع بنوره مختلطاً مع الهواء النقي والذي يبعثان الراحة النفسية والتي تدفعك للمكوث طويلاً وتستشعر فيها المكنونات وما عليها، بالمختصر هو جنّة مصغرة.

هناك كنتُ أرى جدي “رحمة الله تغشاه” وهو متعلعلاً قمم النخيل وقد استوسط خصره “الصوع” الحبل المتين الذي يلبسه لصعود النخلة ،وقد أعطاه كل ثقته ليقف شامخاً بدون أن يسقط، يجني ويُنزل “العدّة” ما يوضع فيه الرطب وتكون مربوطة بحبل لينزله في الاسفل ويسكب الرطب الشخص الآخر ، يأخذه للبيت ويضعه على “الدعن” وهو مصنوع من خيزران النخيل يوضع فيه ويتم تنقيته والباقي يصنع منه تمراً عن طريق عملية توزيعه في اكياس و اواني خاصة كلٌ حسب نوع التمر حتى يستوي الى موسم استخدامه. أعمال جبّارة لأفراد بشرية اختصرتها في سطرين تقوم بها اليوم مصانع خاصة للتمور.

ولا أنسى ثمار المانجو التي تحيط بالمنزل من كل جوانبه كل الثمار تجدها وقد سقطت في الفناء ونتسابق لاخذ أكبرها واجملها.. وعلى ضفاف الفلج الذي يخترق الفناء وتنعكس فيه صورة أوراق وثمار المانجو اللامعة ، نلعب جميعنا بالماء ونأخذ منه الى الطين لنصنع منه دمى واشكال لا نعرف مسمياتها ولكن تعتلينا تلك الضحكة البريئة الخالية من الشوائب. سأخبركم أيضاً عن المرجوحة وهي ليست مرجوحة الحديد المطوّرة ولا ذات المظلة المبطنة بالقماش الزاهي ، وإنما مرجوحة طرف النخيل التي لطالما تعلّقنا به وطرنا عالياً غير ءاهبين شيئاً والفرحة تتشقق من صدورنا وتعترينا الأُلفة والبهجة رغم اجتماعنا من اخوة وأهل وجيران الا ان الشعور وكأننا من بيت واحد.

ولا أُخفيكم أمراً .. كل ما ذكرته لا يحلو إلا بوجود الأعمدة والساس، ألا وهم الاجداد. كنتُ أرى جدتي “حفظها الله” بجمال محياها وعظيم شأنها وسخاءها وكرمها وشغلها الدؤوب، وقد زيّن وجهها الجميل ” المحلب والزعفران” وكأنها ملاك، كانت تحافظ على التجمع الأخوي لجاراتها اللاتي عِشن معها عمراً ليس بالقصير، ذلك هو وقت الترفيه لهن من أعباء وأشغال البيت والمسؤوليات التي لا تنتهي ، فلا خدم ولا حشم ولكن خادم نفسي وأهلي ومن أحب . الكل منهن يتقمص شخصية متفردة عن بعضهن في الاسلوب ولكن التشابه يكون في اللبس الموحد وطريقة وضع المحلب والزعفران على الوجه ، وكذلك القلب الأبيض السموح المزوح والذي بالكاد بدأ يتبدد في هذا الزمن ويذهب أدراج الرياح. كان هناك تَمْرٌ ودلة قهوة ونار في الوسط في برد الشتاء حيث رائحة الدّخان المختلطة مع رائحة القهوة العمانية استنشاقهما يجدّد الروح، وهنا يأتي السمر والفضفضة والتعبير والحديث لبعضهن فيرجِعن بيوتهن وقد سقط حملٌ كبير من همومهن بعد ان ضحكْنَ وتغيّر مزاجهن. بساطة تصقلها جمال وهيبة وحب وتقديس لا يُقاس.

نسيت أن أخبركم عن أجمل طراز ذو دقة تصميم وجودة عالية، إنه بيت الطين، رغم صغر سني وقصر الفترة التي كنت ازور جدي وجدتي فيه قبل انتقالهم للبيت الجديد ذات الطراز الحديث ، الا أنني اتذكر كل شي ، فهي راسخة كالحبر على الورق، بناؤه لم يُستند على مهندس معماري ولا مقاول ولا استشاري، ولكن اجدادنا هم من تولوا كل هذه الوظائف بخبرتهم وبدون شهادات. حُجرات كثيرة متقاربة ومتقابلة ، وكل منها تحكي قصة وآباؤونا هم من يروونها وكلنا شوق وحماس لسماعها ويأخذنا الخيال أن نرى كل شيء وكأنه امامنا.

جماليات غابت بعضها بأُناسها ومكانها وملامحها ولكن ذكراها ووقعها باقٍ، وقد اختصَرتْ حروفي نقطة في بحر من جماليات الماضي. طبتم وطاب مثواكم يا من رحلتم عنا واطال بعمر من يعيش وسطنا بأجمل اللحظات ، هذه الحياة محطات وكل محطة ولها بيئة وديباجة خاصتها، لا يمكننا ارجاع شيء ولكن بإمكاننا تقديم الكثير ، عِشْ اللحظة واغتنمها واستمتع بتفاصيلها ومن ثَمّ دوّنها وانتقل لمحطة أخرى. وكما قال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه):

ازرَعْ جَميلاً ولو في غَيرِ مَوضِعِهِ — فَلا يَضيعُ جَميلٌ أينَما زُرِعا
إنَّ الجَميلَ وإن طالَ الزَّمانُ بِهِ — فَلَيس يَحصُدُه إلّا الذي زَرَعا

شاهد أيضاً

“حبيب القلب”..قصة قصيرة للدكتورة منى حسين

عدد المشاهدات = 8989— كنت أستعد للذهاب إلى عملى فى الصباح ، وكعادتى أتفقد ملامحى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: