الرئيسية / مقالات الرأي / أعياد الربيع فرحة بالخصب والنماء وسط تغير مناخي كارثي
الكاتبة سارة السهيل

أعياد الربيع فرحة بالخصب والنماء وسط تغير مناخي كارثي

= 1148

بقلم: سارة السهيل *

تحتفل العديد من شعوب العالم في الحادي والعشرين من مارس الجاري بأعياد الربيع، حيث الاعتدال المناخي وتفتح الازهار، وخروج الانسان والحيوان وكل الملخوقات من كآبة الشتاء وقسوة طقسه، الي الطبيعة ودفئها وعبيرها وحريتها وانطلاقتها بعد بياتها الشتوي.

وتتنوع مظاهر احتفال الشعوب بأعياد الربيع وهي اعياد قديمة ومتوارثة عبر الحضارات بحسب معطياتها الثقافية والتراثية، سواء فى مصر الفرعونية أو فى بلاد مابين الرافدين العراق وسوريا أو فى إيران وفى آسيا الصغرى (تركيا) وفى باقى دول آسيا الوسطى الإسلامية. وكذلك هو فى الأجندة الغربية الرومانية.

فالربيع كان اهم أعياد السنة لدى الشعوب قديما باعتباره رمزا لأمان الطبيعة ورمز لجلب خيراتها حيث الخصب والنسل والألوان. ولذلك مثلت بداية الربيع هى بداية السنة لدى عدد من الأقوام القديمة وعلى رأسهم البابلييين الذين اشتهروا بعلوم الفلك والآشوريين الذين كانوا اول من احتف بالنيروز عيدا لرأس السنة الشمسية.

الاضطربات المناخية

غير ان هذا الاعتدال المناخي السنوي للربيع باعتباره فصال يقع بعد انتهاء الشتاء بظلمته وبرده، وبين الصيف اللاحق بحرارته القائظة، قد تغير موعده ومظاهره خلال السنوات الماضية حيث ارتفعت درجات الحرارة فيه لنسب غير مسبوقة في السنوات القليلة الماضية، بينما جاء الربيع هذا العام قبل موعده بأسبوعين في بعض مناطق العالم، ويجيئ للبعض الاخر من دول العالم ومنها منطقتنا العربية مصحوبا ببرودة في الطقس وكأننا لا نزال نعيش في الشتاء.

فما الذي حدث لفصول السنة من تغيير؟ وما هو التغير المناخي وكيف يربط المتخصصون هذه التغيرات في الفصول بالتغيرات المناخية والكوراث البيئية؟ وهل سيأتي يوما يختفي فيه فصل الربيع بطقسه البديع والوانه الزاهية وتفتح ازاهيره؟

تعر ف التغيرات المناخية بأنها اختلاف المناخ الذي اعتدنا عليه، وهو ما تجلى في اختلاف بداية الفصول عن مواقيتها الرسمية، فأصبح فصل الصيف أطول مما اعتدنا عليه، وفصل الشتاء أقصر بكثير من الماضي، أما فصل الربيع فباتت درجة حرارته مرتفعة ليلا ونهارا على عكس المتعارف عليه.

فظاهرة تغير المناخ تعني اختلاف في الظروف المناخية المعتادة كالحرارة وأنماط الرياح والمتساقطات التي تميز كل منطقة على الأرض، ويؤدي حجم التغيرات المناخية الي حدوث تأثيرات هائلة على الأنظمة الحيوية.

وهذا قد يفسر لماذا بدأ الربيع مبكرا في مصر هذا العام، بحسب ما أكده المتخصصون في المناخ والارصاد الجوية، موضحين ان الربيع يوم 13 مارس في مصر، في سابقة مناخية لم تشهدها البلاد من قبل، بينما نشعر في الاردن ببرودة الطقس في هذا التوقيت، وذلك بفعل التغيرات المناخية.

لأول مرة يأتي فصل الربيع في مصر بدون هبوب رياح الخماسين، وهي ظاهرة معروفة منذ أيام الفراعنة، بجانب ظواهر ارتفاع شديد في درجات الحرارة يعقبها انخفاض موازي في درجة الحرارة مباشرة نتجة تداخل الفصول.

الدراسات الحديثة كشفت عن ان الاحتباس الحراري الناجم عن التغير المناخي سيؤدي الى حلول فصل الربيع قبل ثلاثة سابيع من موعده الاعتيادي في العقود المقبلة في الولايات المتحدة، من الجانب نفسه قال مكتب الأرصاد الجوية البريطاني في تقرير إن درجات الحرارة القياسية وتغير الأنماط المناخية في محيطات العالم من بين المؤشرات التي تؤكد انتهاء فترة هدوء في الاحترار العالمي.

فيما قالت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة إن العام الماضي كان الأكثر حرارة منذ بدء تدوين مثل هذه السجلات في القرن التاسع عشر وشهدت دول منها صربيا وبنجلادش وباكستان وجنوب افريقيا والمغرب والبرازيل فيضانات عارمة.

كما أثبت العلماء ان تغير المناخ يؤثر على نمو النباتات، مع بداية النمو في فصل الربيع، في وقت مبكر من كل عام، وحتى الآن.

هذا يعني ببساطة ان العالم يعبش كوارث بيئية لابد وان يتكاتف في ايجاد حلول عملية سريعة لمواجهتها، وهذا ما بدأ بالفعل، ولكن علي أيدي ناشطين صغار من طلاب المدراس في مناطق مختلفة من العالم، حيث نظموا أكثر من 1600 فعالية في اكثر من مائة دولة احتجاجا علي تغير المناخ وكوارثه، وانطلقت اولي في 15 مارس الجاري بخروج آلاف التلاميذ في إضراب مدرسي عالمي ضد تغير المناخ في نيوزيلندا لحث الحكومة على اتخاذ إجراءات ضد التغير المناخي.

احتفالات الربيع

وبالعوة الي احتفالات العالم بأعياد الربيع نجد انها احتفالات قديمة ومتوراثة ومتواصلة حتي اليوم، فلا يزال النيروز لدى العراقيين بكل طوائفهم عيدا رامزا لضوء الصباح يحتفلون به في أشكال مختلفة منها حضور الحفلات والصالونات الثقافية ومشاهدة البرامج التثقيفية وأكل الحلويات العراقية الشهيرة.

أما الشعب الكوردي، فيحتفل بين 18-21 مارس وينطقونه ( نوروز) ويعتبرونها أحد الأعياد القليلة القديمة التى ظلت حتى الآن يحتفل بها. وترتدى النساء فيه ثيابا شديدة البهجة وتضع أغطية رأس ملونة زاهية بينما يلوح الشباب بأعلام ملونة أمام النار التى يوقدونها بقية من تراث قديم.

كما ان لأكراد يعتبرونه عيدا قوميا وطنيا ويصفونه بعيد الربيع وعيد الارض، حيث بدأ الكرد في هذا اليوم تقويمهم. فهذا اليوم عند الكرد قد اتحد فيه أسلافهم الأكراد وثاروا ضد القوة العظمى الممثلة بالامبراطورية الآشورية والتى كانت آنذاك هى المسيطرة على المنطقة كلها من فارس وحتى فلسطين وقام أحدهم ويدعى ” كاوه” وقبض على عنق الملك “ضحاك” الشرير الظالم، فى يوم رأس سنة 612 قبل الميلاد بعد أن اخترق الحرس ودق رأسه بشاكوش وجره بعيدا عن العرش فانهارت المملكة الاشورية وانتصر الكورد وحصلوا على استقلالهم و(أضرمت نار عظيمة فوق الجبال) ومازالت النار الكبيرة من معالم الاحتفال الكردى بالمناسبة.

وفى أفغانستان يحتفلون بالنوروزو شعبيا لمدة أسبوعين ويبدأ التحضير له بعد آخر أربعاء قبل رأس السنة، ومثل باقى الشعوب يقوم الأفغان والأكراد والتركمان والقازاق والإيرانيون وباقى الشعوب بنتظيف البيوت تنظيفا دقيقا، وذلك اعتقادا بأنه قد تزورهم ارواح ذويهم الموتى فيعرفون أنهم على أحسن حال.

ترتدي هذه الشعوب جميعا الثياب الجديدة البهيجة ويتزاورون ويتبادلون الهدايا ويتناولون مأكولاتهم الشعبية القديمة الخاصة بكل منهم وان كان يغلب عليها أنواع الطعام الفارسية التى توضع على طاولة الطعام ويحرص أن تحتوى على7 أصناف تبدأ بحرف السين فتسمى (السبعة أو هفت سين) وبينها القمح والتفاح والبودنج وغيرها. وفى افغانستان يضعون السبعة من الفواكه المجففة بينها الزبيب والمشمش فى شراب واحد.

اما عيد الربيع في مصر يعود تاريخه الي 2700 سنه قبل الميلاد، وهذا يعنى أن عمره إلى الآن 4700 سنه مما يجعله اقدم عيد شعبي بالربيع يحرصون فيه علي الخروج للحدائق العامة والمتنزهات، كما تتجمع الأسر والأصحاب والعائلات لقضاء يوما اسريا جميلا.

كان الفراعنة يعتقدون أن ذلك اليوم هو أول الزمان أو بدء الخلق للعالم، ولذلك أطلقوا عليه اسم “عيد شموش” أي بعث الحياة، وحُرِّف الاسم على مر العصور، حيث تحول في العصر القبطي إلى “شم”، ولارتباط العيد ببداية موسم اعتدال الجو وطيب النسيم فقد أضيفت إليه كلمة النسيم نسبة إلى نسمة الربيع التي تعلن وصوله ليصير عيد شم النسيم أو عيد الربيع.

وتشير البرديات بأن قدماء المصريين كانوا يقيمون احتفالاً رسمياً وكبيراً بهذا العيد “بعث الحياة”، فيجتمعون قبل الغروب أمام الهرم من الناحية الشمالية ويترقبون قرص الشمس وهو يتجه للغروب مقترباً تدريجياً من الهرم، وبادياً للناظرين وكأنه يعتلي قمته وتبدو واجهة الهرم حينئذ كما لو أنها منشطرة نصفين جراء اختراق أشعة الشمس لها.

ويتوارث الشعب المصري الاكلات الفرعونية مثل البيض، والفسيخ (السمك المملح)، والخَس والبصل الأخضر، وكل من هذه الأطعمة كان له معنى ومدلول عند قدماء المصريين، إذ يرمز البيض إلى خلق الحياة، ويرمز البصل لديهم إلى إرادة الحياة وقهر الموت والتغلب على المرض، فيما كان الخس من النباتات المقدسة.

واعتبر الفراعنة أن تناول الفسيخ (السمك المملح) في هذه المناسبة يعبر عن الخصوبة والبهجة ورمز للخير والرزق.

وفى سلطنة عُمان (بضم العين ) يحتفل بتحضير خلطة معينة يعتقد أنها تحمى الإنسان باقى العام من الأمراض والعين .

ويحتفل التركمان فى كركوك العراقية وفى تركمنستان فى الحارات والأزقة بغناء الأطفال مع حمل المشاعل فى الشوارع وعلى اسطحة المنازل، كما يكسرون الجرار (وراء العام الفائت) إيذانا ببدء عام جديد مع الفرح وزوال الحزن.

—–
* كاتبة عراقية.

شاهد أيضاً

د. منى حسين تكتب: يعتقدون أنهم أحياء!

عدد المشاهدات = 1249— لأنهم يأكلون ويشربون وينتقلون من مكان لآخر يعتقدون أنهم أحياء ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: