الرئيسية / مقالات الرأي / مرفت العريمية تكتب: الحذر يُؤتى من الخيال

مرفت العريمية تكتب: الحذر يُؤتى من الخيال

= 2903

مرفت العريمي

نمكث ساعات طوال كل يوم في محطة واحدة، لا نفعل شيئًا سوى البحث عن إجابات عن أسئلة لا إجابات شافية لها .. المشاهد تتغير من حولنا المرة تلو الأخرى، ولا نحرك ساكنا، فالأفكار الكثيرة ثقيلة جدا لا نستطيع أن نغادرها ،أحيانا نرضخ لها ونعدّها الواقع والمصير، لأننا نخشى أن ننفض عن كاهلنا الأفكار الزائدة التي لا جدوى من ورائها غير التوتر، والقلق.

يقول علماء النفس بأن ظاهرة القلق المتزايدة في العصر الحالي تأتي نتيجة عدم تكيف العقل البشري مع متغيرات العصر الحديث، فالإنسان اليوم لا يزال يفكر بعقلية الإنسان البدائي الذي كان يعيش في بيئة مليئة بالمخاطر، والتحديات الواضحة، والمباشرة، فكان يخوض معارك مباشرة باستجابة فورية، كأن يهرب من حيوان مفترس، أو يختبئ في الكهف لتفادي الإعصار، وهكذا ، أما في العصور الحديثة، فإن التحديات اتخذت أشكالا متعددة منها: الخوف من المستقبل بعد التقاعد ،هل الراتب سيكفيني حتى نهاية الشهر مع الغلاء المستمر؟، هل سيحظى ابني بوظيفة بعد التخرج؟ ، هل من صراعات جديدة تؤرق حياتنا؟ … وهكذا

أي إن المخاوف هي مخاوف آجلة لكن تأثيرها ممتد، ويخلق التوتر، والقلق، والأفكار السلبية التي تؤثر في حياة الإنسان اليومية وتعيق تقدمه أحيانا، والأمر لا يتوقف عند الوقت المهدور، بل يمتد الى أمراض، وعلل نفسية تؤثر على حياتنا وحياة من حولنا، فقد ذكرت صحيفة ديلي تلجراف في تقرير علمي أننا تقريبا نستهلك نصف الوقت يوميا بمعدل 46.9% في الشرود الذهني دون أن نفعل شيئا، وبعض الشرود قد يسبب التعاسة، لأننا نكون في دوامة لا متناهية من الأفكار السلبية التشاؤمية لا نملك لها حلولا.

ذكر الطبيب ابن العباس في كتابه” الكامل في الصناعة الطبية” بأن المشاعر السلبية كالحسد والغم والغضب والتفكير الزائد، كفيلة بإنهاك الجسد، وهذا ما أثبتته بعض الأبحاث السيكولوجية الحديثة التي أكدت أن المخ والجسم يتأثران بالصور التي يشكلها الذهن، والمقصود هنا الصور السلبية التي تدور في أذهاننا.

“كن حذرا فيما تتمنى “مقولة مشهورة لدى المتخصصين في علم النفس، فما نتمنى قد يتحول إلى فكرة أو معتقد أو إيمان راسخ يسكننا، ومع الوقت نراه في كل سلوكنا وقراراتنا، فإن كانت الأفكار سلبية سنجني المزيد منها ، خيالنا يحدد واقعنا فنحن ببساطة نحصد ثمار أفكارنا التي تحولت في وقت سابق إلى سلوك وقرارات .

يعتقد البعض أن أحلام اليقظة هدرٌ للوقت لذلك يتعامل البعض مع الأحلام بشيء من السخرية قد يتحوّل إلى توبيخ، وقمع رغبات الحالمين بدعوى أنها مضيعة للوقت، لذلك قليلا ما نرى أطفالا حالمين، أو يسعون وراء أحلامهم فالأسرة والمدرسة والمجتمع بشكل أو بآخر أسهموا في عرقلة تلك الأحلام.

الأحلام هي مشاريع إبداعية مهمة لتكوين الخبرات الإنسانية ،وهي تعزز التخطيط المستقبلي عبر طرح أسئلة واحتمالات المؤسسة للخيال الإبداعي لذلك نما اتجاه آخر يشجع على التفكير والتصور والخيال كنوع للعلاج؛ فقد وجد العالم اريك كلينجر أن أحلام اليقظة عادة ما تدور حول الأحداث اليومية للإنسان ، وبذلك، فإن التفكير الزائد ليس كله مذموما ، فكما كانت أحلام اليقظة وراء الكثير من الابتكارات على مدار الزمن ، كذلك قد تكون متنفسا للتخلص من الضجر وتهدئة النفس كأن تستحضر موقفا جميلا أو أن تتخيل منظرا يبعث في نفسك الراحة والسكينة.

يقول اينشتاين” الخيال أهم من المعرفة ، فهو رؤية مسبقة لجاذبيات الحياة المستقبلية”، لذلك نجد أن أكثر الابتكارات والاختراعات والروايات العظيمة كانت مجرد أحلام يقظة!

الخيال قوة وعلاج لبعض الحالات، فتخيل الأشياء التي تبعث السرور في النفس تساعد على الاسترخاء وبالتالي تكون استجابة الإنسان للعلاج أفضل.

يُقال ليس هناك فاصل بين الوهم والحقيقة إلا أن استحضار الوهم قد يؤدي إلى خلق الحقيقة، حتى الأحلام الخلاقة لا تعد حدثا عرضيا تحدث مرة واحدة، فالتفكير الحاذق والتخيل يتطلب تعليما وتمرينا حتى نراه واقعا .. تخيل النجاح والتفوق والسعادة فهذا كفيل بأن يعزز من ثقتك بذاتك، لا تغرق تفكيرك في تخيل العقبات والمشاكل لأنك ستدور في دائرة مغلقة من الأفكار السلبية.

يجب أن نتعلم كيف نوجه أحلامنا إلى المسار الصحيح، وأن نفتح الصناديق المغلقة في عقولنا لاستقبال أفكار جديدة، ونسبح في فضاءات الكون الواسعة ..وتذكر دائما أن تكون حذرًا فيما تتخيل.

——–

* كاتبة عمانية.

شاهد أيضاً

د. رحاب الكيلاني تكتب: عن السعادة نحكي

عدد المشاهدات = 954— هل أنت سعيد..؟ هل أنتِ سعيدة..؟ سؤال لا نفتأ نكرره على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: