الرئيسية / منوعات / فكر وإبداع / “سيدة النادي”..قصة قصيرة للدكتورة منى حسين

“سيدة النادي”..قصة قصيرة للدكتورة منى حسين

= 2288

د. منى حسين

لفتت نظرى إمرأة فى عقدها الرابع ، تجلس وحدها فى النادى ، تأتى كل يوم فى الحادية عشر صباحا ، تحتسى فنجان القهوة ، وتقرأ جريدة فى يدها أو كتاب ، وما هى إلا ساعة أو ساعتين وتنصرف.

رشيقة القوام ، رقيقة الملامح ، يعلو وجهها إبتسامة حين تخاطب النادل ، أو حين يقترب منها طفل أو طفلة ، وكأنها على موعد مع عاداتها فى نفس المكان فى النادى . حاولت التعرف عليها ، لكنى لم أعرف كيف أبدأ ؟ وأكتفيت بملاحظتها من بعيد . وكانت غالبا ما تجلس بوضع معاكس لى وكأننا فى مسرح ، ألمح إبتسامتها وإشراقة وجهها.

وكانت من عاداتها أن تتشح بإيشارب أو شال ، وحين تجلس تخلعه عنها وتضعه خلفها أو على كرسى آخر بجانبها ، وفى إحدى المرات كانت الرياح قوية ، فأسقطت شالها ، ولم تلحظه ، فنهضت من مكانى وأمسكت به ، وأعطيته لها ، وشكرتنى.

لكننى تحينتها فرصة لتعريفها بنفسى ، فأنا لاعب كرة قديم ولى قدر ، وأنا الآن رجل أعمال ، لكننى بكل ما عرضت عليها من معلومات ، لم أجد فى عينيها أى تعبير لا بالسلب ولا بالإيجاب ، تركتها وعدت لمكانى.

وفى اليوم التالى أتت وجلست كعادتها ، لكنى فى كل مرة أراها وحدها بلا صديقة أو صديق ، حتى أصابعها تخلو من أى رمز للإرتباط ، أتفقدها ملامح وجسد وأزياء، هذه عادتى حين أنظر إلى أى إمرأة.

فالكل يعلم أنى خبير فى معاملة النساء، وفى التقرب منهن، وهذه المرأة التى أمامى كأنها تستنكرنى ، فقلت لم لا أذهب إليها وأحييها ، وأبادرها بكلمة من كلماتى التى تهواها النساء.

حين رأتنى كأنها لم ترنى من قبل ، لكنها ردت التحية ، وأعادت عينيها لكتابها فى هدوء ، إستشطت غضبا ، لكنى لم أظهر شيئا ، وإنصرفت وعدت لمكانى.

لكنى لاحظت أن سايس الجراج جاء وأخبرها بشىء غير ملامحها ، فأشرت له و أخبرنى أن سيارتها قد صدمها أحد أعضاء النادى ، وتحتاج إلى التواصل معه ، فقد أخبر السايس إنه مستعد لإصلاحها ، فقلت لم لا ألحق بها إلى الجراج ، وأساندها فى حوارها.

وبالفعل وجدتها تتحدث مع صديق لى هو من صدم سيارتها ، وتدخلت فى الحوار ، ووعدت صديقى أننى سأفعل ما تطلبه هذه السيدة ، فليطمئن كأنه هو بنفسه الذى سيفعلها ، وطلبت منها أن تدير سيارتها ، لأرى إن كان الموتور قد تعطل أم أن الصدام فقط فى الإكصدام والرفرف الأيمن ، وأعلمتها أن الأمر بسيط.

هناك سمكرى سيارات ممتاز سنذهب إليه وربما يصلحها فى أقل من ساعة ، وتبعتنى بسيارتها ، وذهبنا إليه ، ونظرا لمعرفته بى ، وعد بإصلاحها خلال ساعة ، فعرضت عليها أن تتركها له ، ونجلس فى كافيه قريب من الورشة ، نحتسى أى مشروب حتى ينتهى ، وإستجابت ودخلنا الكافيه.

فرصتى ولن أضيعها ، بدأت أولا بالإعتذار نيابة عن صديقى عما فعله بسيارتها ، وأكملت أنها فرصة سعيدة لأنها جعلتنى أتعرف عليها وأجالسها ، إبتسمت وعينيها لا تفارق ساعتها.

فسألتها إن كان لديها موعد ، أجابت لا ، لكن برنامج يومى سيختل ، عرضت عليها أن أوصلها إلى حيث تريد ، وبعدها أحضر لها سيارتها فى المكان الذى تحدده ، فشكرتنى وإنتظرت معي.

الغريب أنها لا تملك سوى الردود المقتضبة على أسئلتى نعم أو لا ، وبدهاء شديد سألتها وأين زوجك ، فقالت إنها مطلقة ، أخيرا نطقت بشىء آخر وهل أولادك بالمدرسة ، إن كانوا ذهبنا وأحضرناهم بسيارتى ، ليس لى أولاد.

لا أحد بإمكانه أن يتصور مدى سعادتى بما قالته ، إنها لى لقد فزت بها ، بقى على أن أجود فى تقديم نفسى وبطولاتى ، وعملى الحالى ، لكننى وكأننى أحدث المقعد الذى بجانبى ، عيناها لم تفارق ساعتها ، وإنتهى السمكرى من إصلاح سيارتها ، شكرتنى وإنصرفت ، وتسربت من بين يدى.

أنا لا أحب إحساس الفشل ، وهذه المرأة صدتنى كثيرا ، ماذا أفعل؟ لم أعتد مثل هذه المواقف!

فى اليوم التالى لم تحضر ، وحتى اليوم الذى تلاه ، إلى أن حضرت بعد حوالى أسبوع ، وجلست جلستها المعتادة بكل طقوسها ، لم تنتبه لوجودى ، فنهضت من مكانى وحييتها ، وسألتها عن سيارتها.

وفى عقلى سؤال آخر ، لم لم تأت فى الأيام الفائتة؟ فأجابت ، تمام وشكرتنى ، لكنى لم أستطع الصمود أكثر من هذا ، غبت أيام ولم تحضرى ، فنظرت لى نظرة ، فهمت لم السؤال؟ لكنها ولأول مرة تظهر إبتسامة رقيقة على إستحياء ، أبدا أصبت بنزلة برد ، منعتنى من الخروج ، واليوم أنا أفضل ، وعدت أمارس حياتى بشكل طبيعى ، فأظهرت تعاطفى معها ، وطلبت منها أن تجلس ، وكأننى أجلست نفسى معها.

وأتى النادل بقهوتها المعتادة ، وطلبت منه إحضار النسكافيه الذى أتناوله يوميا ، وحاولت مرارا وتكرارا أستقى منها معلومات عن حياتها الخاصة ، وقد أخبرتها أنى متزوج ، ولدى ولدين أحدهما مهندس والآخر محاسب فى بنك ، وزوجتى تعمل أوصلها إلى عملها يوميا ، وأحضر للنادى وأجلس جلستى وأذهب لمكتبى ، و أعود إلى منزلى متأخرا.

وهى تسمعنى ولم ترمقنى بنظرة واحدة ، أعترف أنى لست وسيما ، لكنى نجم رياضى كبير ، ورجل أعمال ناجح ، وبعد ساعة قررت الإنصراف ، وودعتنى،
وعيناى تكاد تخرج من مكانها لتلاحقها ، وأستشيط غضبا وغيظا ، وقررت ألا أقترب منها مرة آخرى ، فقد إستنفذت معها كل حيلى ، كخبير فى النساء ، وأعلنت فشلى.

لكنى لن أغير عاداتى لأجلها ، فى اليوم التالى ذهبت للنادى ، وجعلت ظهرى فى مواجهتها ، لم أعد أهتم حضرت أم لم تحضر ، فإذا بها أمامى تلقى التحية علىَ ، وتعتذر عما فعلته معى. موضحة أن ذهنها شارد ، لديها بعض المشكلات ، وهمت بالإنصراف ، فأتممت دورى كجنتل مان وطلبت منها بإلحاح أن تجلس ، وأشرت للنادل أن يحضر قهوتها ومشروبى ، وكأنى ورطتها فى الجلوس معى.

وبدأت فى توجيه أسئلتى لها ، كى أعرف معلومات أكثر عنها ، بدأت ألاحظ عليها حالة من الإعياء ، وبدأت فى الضغط على جبهتها ورأسها ، الصداع ، فعرضت عليها ان نذهب لطبيب النادى ، وبالفعل أكد أن ضغطها عالى ، وأعطاها بعض العقاقير ، وتعاطفت معها كعادتى.

وعرضت عليها أن أوصلها للبيت ، بحجة أن القيادة فى مثل حالتها خطر عليها ، ونظرا لما تعانى منه وافقت ، وذهبت معها لكنها شكرتنى وودعتنى دون دعوة للصعود إلى شقتها ، صبرت نفسى ربما غدا تكون الدعوة.

لكننى ألححت فى طلب رقم هاتفها لأطمئن على حالتها ، وأخيرا إستجابت ، مكسب كبير لى ، بعد ساعتين كنت فى مكتبى ، إتصلت بها ، وسألتها عن حالتها ، وإن كانت تحتاج إلى شىء ، شكرتنى وأغلقت هاتفها.

حاولت مرارا وتكرارا أطلبها بعد ذلك ، لكن هاتفها كان مغلقا ، بدأت أتوتر ولم أدر ماذا أفعل؟ فنزلت وركبت سيارتى وإتجهت إلى العمارة التى تقطن بها ، ووقفت ماذا أفعل؟ أنا لا أعلم فى أى طابق ولا رقم الشقة.

تراجعت وعدت لمكتبى ، وفى كل ساعة أحاول الإتصال بها ونفس الرد “الهاتف ربما يكون مغلقا ” ، وبت ليلتى بلا نوم ، لا أعرف ماذا أفعل؟

وفى الصباح ذهبت للنادى ، ولأول مرة وجدتها قد سبقتنى ، فإتجهت إليها بلهف ، وقابلتنى بإبتسامة رقيقة ،
– كيف حالك ؟
– الحمد لله
قلقت عليكى ، وكلما حاولت الإتصال بك يكون الرد أن هاتفك مغلقا
فعلا لم أنتبه ، لقد نفدت بطاريته ، وفى وقت متأخر من الليل إكتشفت ذلك ، وقمت بشحنه ورأيت رقمك ، لكننى لم استطع الإتصال بك فى مثل هذا الوقت ،وفى الصباح حضرت إلى هنا
ودعتنى للجلوس معها
ووجدت فنجان القهوة فارغا
– لم إحتسيتى القهوة ؟ ألم يقل الطبيب إنها ترفع الضغط
– أنا أفضل ، ربما ما حدث بالأمس بسبب الإرهاق فقط
جلسنا لأول مرة أراها تتحدث وتجيب بالتفاصيل ، كم سعدت بهذا اللقاء ، لكنها كعادتها فى موعدها المحدد همت بالإنصراف ، عرضت عليها أن أوصلها إلى منزلها ، فأجابتنى إن سيارتها معها
وإنصرفت بعدها لعملى.

وبعد حوالى الساعتين ، حاولت الإتصال بها ، لكن هاتفها كان مغلقا ، فصبرت نفسى ربما تنام فترة الظهيرة ، وفى المساء إتصلت بها ، وردت وأعلمتها أننى حاولت الإتصال بها وكان هاتفها مغلقا..

فأجابت أنها تفضل أن تنعزل عما حولها بإغلاقه عدة ساعات ، والمقربون منها يعلمون ذلك ، وها أنا ذا أعلم أيضا ، فسألتها هل من الممكن أن تذهب للنادى فى المساء ، فأجابت ” لا ” ، ولم تعط أى تفاصيل ، وأنهت المكالمة..

صبرت نفسى أننى غدا سأراها فى النادى ، لكنها لم تحضر ، ومرت عدة أيام ، ووجدتها بعد غياب حوالى اسبوع ، وكنت كطفل وجد أمه ، بعد تيه ، وذهب ليرتمى فى حضنها ، فقابلتنى بجفاء لم أعهده من غيرها ، حتى منها هى لقد تغيرت.

فقد كانت تحدثنى بطريقة أفضل ، لكنها بعد أن عادت ، عادت كأول عهدى بها ، بجفاء فى ردودها ، ورأيت بيديها ، خاتم الزواج.

لكنى لم أتردد فى السؤال ، هل تزوجتى؟

أجابت لا ، لقد عدت لزوجى ، فقد كانت هناك العديد من المحاولات للإصلاح بيننا ، ووجدت أنه لا مفر ، لم لا أعود إليه؟ فقد عانيت الوحدة والقلق فترة إنفصالنا ، فعدنا.

كدت أنقض عليها ، لكنى لا ألومها ، فأنا لم أعلن حبى لها ، أو رغبتى فى الإرتباط بها ، وقد أعلمتها أننى متزوج ولى أسرة ، فكيف ستدخل حياتى ، لقد أغلقت الباب بينى وبينها ، لكنى الآن أعلن أنى أحببتها ، لكن الأوان قد فات وعادت لزوجها.

لأول مرة فى حياتى أعترف أننى لا أعرف شيئا عن النساء ، أنا من يدعى الخبرة بهن ، وكلهن كالخاتم بإصبعى ، جاءت هذه المرأة لتهزمنى ، وتعلن أنها لن تكون لى ، أو رهن إشارتى ، عادت لرجل لم تقل لى عن مدى رضاها عنه أو غضبها منه ، لكنه الآن زوجها ، فباركت لها عودتهما ، وألقيت عليها التحية ، وإنصرفت أجر أذيال الفشل.

***

شاهد أيضاً

“سلام الله”.. قصيدة للشاعرة عواطف العامري

عدد المشاهدات = 2843— سلام الله على روح احبها كثر ما غابت وهي طفلة وانا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: