الرئيسية / منوعات / فكر وإبداع / “قيد من حرير”..قصة قصيرة للدكتورة منـى حسيـن

“قيد من حرير”..قصة قصيرة للدكتورة منـى حسيـن

= 3053

د. منى حسين

حين تضيع منا الأحلام ، يصدمنا الواقع ، وتهاجمنا الآلام ، تقتل أجمل ما فينا من حب وهيام ، تفارقنا البسمة ، وتعلو ملامحنا الأحزان ، لنرسم مسارات لا تحيد ، تجبرنا على إكمال الطريق ، مهما كان الضيق ، أو نرحل عن من أضاع منا الحلم .خيارات نراها ، لكننا نفقد البوصلة ونئد القلب ، ليصنع العقل ما يشاء .

أعلم أنى من فعلتها ، لكنى سأهرب من العقاب ، فأنا من دسست له السم ، هو من أذاقنى المرار منذ أن إمتلكنى ، كنت حبيبته أو كما زعم روحه ، حين أغيب عنه يكون كالثور الهائج ، إن حدثنى يلومنى ، وإن إعتذرت بأسباب ينهرنى ، وحين أعود وأعانقه ، يكاد يبكى على صدرى .
لكنه يكمل ما بدأه من عنف ، أصبر على ضيقه لأننى أعرف أن حبه لى هو ما يدفعه إلى الغضب ، لكنى ضقت بقيوده ، إحتملته كثيرا ، هو إبنى وحبيبى ، يغار على من الهواء الذى أتنفسه لأنه يدخل صدرى ويسكننى .

أحاوره وأقنعه أنى بحبه أهيم ، لا أرى فى البشر مثله ، هو روحى وعقلى ، أطالبه أن يهدأ وأسترضيه ، أضمه لصدرى وأربت على كتفه ، وأقبل وجنتيه ، لينقلب مائة وثمانون درجة ، يعانقنى ، يكاد يشق صدره ليدخلنى بدنا كاملا بقلبه ، تقطر عيناى الدمع من الحب تارة ، ومن غضبى من ثورته تارة آخرى ، أستسلم بين يديه ، كأننى دميته وأرقبه ، كل هذا الحب لى ؟

لكن عقلى لا يهدأ، إلى متى يعاركنى بثوراته المتتالية ؟ثورة بسبب حديث فى الهاتف ، وآخرى بسبب محادثة على الفيس بوك ، وغيرها بسبب تكرار رقم على شاشة هاتفى ، أبرر وأبرر، وأحيانا أشعر أنى فى أمس الحاجة إلى محام يرد عنى إتهاماته .

ماذا بعد ؟ نعم أحبه وأتمنى ألا يفارقنى لحظة من حياتى ،لكنها الحياة بكل ما فيها من أدوار وحوارات لا تنتهى مادمنا بها نحيا ،تأخذنى منه كما تأخذه منى ، أنا أصبر وتلاحقه همساتى فى كل مكان يذهب إليه ، وأتمتم له بالدعاء والبسملة ، وهو فى كل مرة أغيب عنه يلاحقنى بسيل من الاستفهامات والضيق ،أوضح وأشرح ، حتى يهدأ إلى أن أعود .

هدانى عقلى إلى أن أدربه حتى أبعد عنه هاجس الفراق ، فاعلمته أنى مكلفة بمهمة خارج البلاد ، مع العلم انى دائما كنت أرفض هذا النوع من المهام ، إستشاط غضبا، كيف؟ هذا تكليف ، ولا يوجد من يقوم به غيرى ، فانا من وقعت العقود وعلى أن أتابع تنفيذها ، وإعداد التقارير عن مدى مطابقة الماكينات لما أوردته الشركة فى العقود ، كاد ينهرنى وبدلا من أن يناشدنى الا اتاخر ، إسودت الدنيا بعينيه ، وطالبنى أن أعتذر عن هذه المهمة .

قلت له ليس هناك أى بديل ، تركنى وخرج ، وعاد بعد ان خلدت للنوم ، كلما نظر إلى شنطة السفر التى أخرجتها لأودع بها ما أحتاجه ، يزحزحها ، أو يلقى عليها ما يخفيها من امام عينيه ، أعرف مدى ضيقه وحزنه على فراقى ، لكنى سأفعلها ربما تصلح من حاله .

وفى يوم السفر رايت بعينيه دموعا لم أرها منذ أن عرفته ، كدت أتراجع عن قرار السفر ، كأنه طفلى ، ربما لا أصنع له كل ما يطلب ، وربما يفعل هو كل ذلك حين أغيب عن بيتنا ، فأراه أعد لى ما أشتهيه ، ورتب بيتنا ، حتى لا يشغلنى أى شىء عنه حين أعود ، فأسأله لم فعلت كل هذا ؟ يبتسم حتى لا تهدرى وقتك معى فى عمله ، حتى تكونى لى ، ويتوقف عقلك عن التفكير فى مثل هذه الصغائر ، أبتسم .

قلبى يؤلمنى إن إختيارى هذا قاس ، لكن لا مفر ، سأنفذه ، عانقته ودخلت أكمل إجراءات السفر ، حبست دموعى أمامه ، وبعد أن جلست فى صالة الإنتظار حتى يحين موعد الطائرة ، سالت دموعى كالأنهار ، كأنى فارقت طفلى الرضيع ، من سيعتنى به؟ من سيهدهده ؟ أأعاقب نفسى أم أعاقبه ؟ هذا ما فعلت .
لكنه ظل واقفا داخل ردهات المطار يهاتفنى ، شعر بدموعى ، وببحة صوتى ، وكانت رسالتى أننى أتألم مثلك ربما أكثر منك ، لكنها أيام وسأعود ، ليتها تغير ما بك حتى تكف عن ملاحقتى وتعنيفى .

لم يصمت هاتفى ،ولم ينهى مراد مكالمته حتى أعلنت المضيفة بالطائرة عن ضرورة إغلاق الهواتف ، أعلم أنها لحظة يكاد قلبه أن يتوقف فيها عن النبض ، وأنا مثله ، لكنه إختيارى ، عندما بدأت الطائرة فى الارتفاع عن الأرض والتحليق فى السماء ، كانت عيناى تتفقد الأماكن، وأكاد أراه يحلق على جناح الطائرة . تمتمت بآيات قرآنية ودعوت الله أن يحفظه ويعيده لى كما أريده ، حبيبا يحتوينى ويروينى .

حين وصلت الطائرة إلى مطار برلين ، فتحت هاتفى ، كى أتواصل مع الشركة التى سأتم تنفيذ عقودى معها ، فوجدت مندوب الشركة بإنتظارى ، بقى أن أطمئن على حبيبى ، هاتفته وكأن صوته يأتينى من عالم آخر ، أخبرته أنى وصلت ، وسأبدأ عملى بعد ساعة ،
كنت أشعر بدموعه وببحة صوته ، فكلامه كان قليلا حتى يخفى عنى حزنه ،أشعر بما يعانى وأتألم مثله لكنى أعلمته أنى سأختصر رحلتى قدر إستطاعتى ، لأننى دونه هنا بلا روح أو حياة . أنهيت مكالمته ودموعى لا تجف .

خرجت من المطار وتوجهت إلى مقر الشركة مع مندوبها ، وبدأت عملى من أول لحظة ، وحددت موعدا فى الغد لفحص الماكينات ، والتأكد من مدى مطابقتها للمواصفات المدرجة بالعقود ، أتممت يوم عمل وسفر شاق ، ذهبت إلى الفندق كى أستريح ، وما أن وصلت إتصلت بمراد ، وسردت له ما فعلت من لحظة أن تركته بالمطار حتى لحظة محادثته ، وأخبرته أنى احتاج للراحة الآن .
كان يسمعنى دون ردود ، وكانت ملامحه متجسدة أمامه ، أعلم مدى حزنه لفراقى ، أنا مثله ، لكنى أخاف عليه ، ماذا سيحدث له إن فارقت الحياة ؟ أغلقت هاتفى ورحت فى نوم عميق.

لكنى استيقظت فى منتصف الليل ، ففتحت هاتفى وفتحت صفحتى على الفيس بوك ، وجدته وكأنه على موعد معى ، ضغطت على المحادثة بالصوت والصورة لكنه فضل أن يرانى ولا أراه ، وبعد إلحاح منى فتح الكاميرا ، كأنى لم أره منذ عام ، وكأنه مريض منذ شهور ، أمازلت مستيقظا ؟
أجابنى : نمت عدة ساعات
أعلم أنه يكذب حتى لا أقلق عليه
حكيت له ماذا فعلت بيومى وماذا سأفعل غدا ، أرى بعينيه ما لا يقوله ، أتماسك وأكمل روايتى ، وبقلبى شرخ وبعينى دموع أخفيها ، ودعته لأنام مرة آخرى ، حتى أتابع عملى بعد بضع ساعات ، أغلقت هاتفى لأنام .

أعددت ملفاتى ونزلت لأبدأ جولتى بالشركة والمصنع وغيرهما من أماكن عملى ، وكانت بصحبتى مندوبة الشركة ، يوم عمل شاق ، لم أشعر كيف مرت كل هذه الساعات إلى أن عدت للفندق وألقيت بجسدى على الفراش ، لا أعلم كيف نمت بكامل ملابسى .
لكنى إستيقظت فى الثانية صباحا ، فتحت النت بهاتفى ، فوجدت عشرات الرسائل ، مراد لم يهدأ ، فضغطت على المحادثة ، ووجدته صامتا ، ووجهه شاحبا ، حاولت التخفيف عنه ، فرويت له ما قمت به من أعمال ، حاولت إنتزاع حتى بسمة من شفتيه ، رسمها ، لكنى أعلم أنه فضل عدم الكلام ، حتى لا تظهر عليه علامات الحزن والقلق ، كدت أروى له حكاية قبل النوم ، كدت أبكى على حاله ، وألوم نفسى ندما على قرارى .

إلى أن بدت عليه علامات النوم ، فقد أشرفت عينيه على أن تغمض ، لو كان بيدى لاحتضنته وغطيته وضممته لصدرى ، وربت على كتفه ومسحت على رأسه ، حتى يغوص فى نوم عميق ، وعدت أقبل جبينه وشفتيه وكفيه ، لكنها الآمال المحالة ، ودعته حتى يخلد للنوم ، وأنا أيضا لأن لدى الكثير من الأعمال فى الغد الذى بدأ بالفعل قبل أن نتحدث .

أغلقت هاتفى وحاولت أن أنام ، لا أعرف كم من الوقت نمت، لكنى إستيقظت بعد ساعات قليلة ، لأبدأ يوم عمل آخر، أخذتنى الاجراءات والتنقلات والحفلات الرسمية لتنفيذ العقود ، والاجتماعات ، إلى أن عدت إلى الفندق، تكرر نفس السيناريو معى ، وارتميت على فراشى بكامل ملابسى ، لم أدر بنفسى إلا بعد الفجر .

كيف مرت هذه الساعات دون أن أحدث مراد ؟ فتحت النت فى الموبايل ، وجدت مراد ترك لى العديد من الرسائل ، طلبته كى أسمع صوته ، أجابنى بصوت لا أكاد أسمعه ،
هل أنت نائم ؟
= لا
ماذا بك
= لا شىء أنا بخير ، كيف أمضيت يومك ؟

رويت له ما مررت به ، وفى صوتى نبرة إعتذار

ودعته والألم يعتصرنى ، لم يحك شيئا لى ، ماذا يفعل فى يومه ؟ كان مستسلما يسمع ما أقوله ولا يعلق ، وأنا أحكى حتى أراه أطول فترة ممكنة .
لم تغب ملامحه عنى ، ولم يهدأ قلبى حزنا على ما آل إليه حاله ، هو حبيبى وقرة عينى ، هو إبنى قطعة منى ، أتنهد وتكاد تنهيدتى تحرق ما حولى ، فبداخلى نار غضب من نفسى ، كيف هان على ؟ كيف إتخذت قرارى هذا؟ هل كنت أعاقبه أم أعاقب نفسى ؟

خمسة أيام مرت ، رسمت على ملامحى كل علامات الحزن ، كسرت بقلبى فرحتى بإتمام عملى على الوجه الأكمل، لكنها مرت ، غدا سأعود لروحى التى تركتها ، وعشت دونها جسد آلى ، يتحرك حسب جدول ، بلا احساس أو مشاعر ، سوى الدقائق التى كنت أحدثه فيها ، لكنها كانت فى أوقات أكون فيها شبه نائمة ، وإلا لما احتملت أن تفصلنا عن بعضنا شاشة أو أثير ، لكنها مرت بحلوها ومرها .

نهضت من فراشى وانتقيت أجمل ملابسى ، بعد أن تأكدت من إعداد حقائب السفر ، فقد انتقيت لحبيبى أجمل الهدايا التى يحتاجها ، وإن لم يطلب منى شيئا ، صدمته من قرار سفرى لم تجعله يطلب منى أى شىء ، لكنى أعلم ، فأنا من أعد ملابسه ، وأنا من أتخير له ماذا يلبس اليوم ، وإن كنا سنخرج سويا ، نرسم تابلوها معا بألوان ملابسنا .
أرسلت رسالة صوتية بموعد وصول الطائرة ، لأنى أعلم أنه نائم الآن ، نزلت مسرعة فأنا على موعد مع حبيبى بعد ساعات ، أتممت الإجراءات ، وصعدت الطائرة ، يكاد قلبى أن يسبق الطائرة ، أبحث عن بيتى وعن روحى التى تركتها منذ أيام تعادل سنينا ، تسارعت دقات قلبى ، دقائق وأعانقه ، سأعتذر كثيرا عن قرارى ، سأقبل وجنتيه ويديه سأعده أنى لن أكررها ثانية وسأقسم على هذا .

ما أن هبطت الطائرة ، وقفت أمام بابها أتصدر كل ركابها ، سانزل أول واحدة منها ، سأدخل الجوازات وأتمم الاجراءات ، وأحمل حقائبى ، سأخرج للقاء حبيبى ، ما أن خرجت من باب المطار ، قبل أن أرفع عينى لأبحث عنه ، كان يحاوطنى بذراعيه ويعانقنى ، عانقته وقبلته ، وقتها سالت دموعى فرحا به وإعتذارا عن رحلة أبعدتنى عنه أياما سأسقطها من عمرى لأنى لم أعشها .

إصطحبنى لبيتنا ، كنت أتفقده ، وعيناه تسألنى ، كيف هان على وتركته ؟ وعيناى تجيبه كأنها تحتضنه كذراعى ، بأنها غلطة عمرى ولن أكررها ثانية ، ما أن دخلنا البيت جلس دون حوار ، أقبلت عليه أقبله وأعانقه ، وهو لا ينطق ، فقط ينظر لى ، حاوطنى بذراعيه ، وهو صامت .
تغير لونه ، إرتمت ذراعيه لتفارقنى ، فقد أغشى عليه ، حاولت إفاقته ، وطلبت طبيبه ، لكنه عندما حضر ، طلب سيارة إسعاف فحبيبى قلبه لم يحتمل غيابى عنه ، كما أنه حرم على نفسه كل شىء لوكان بيده لما تنفس .

إنتقلنا إلى المستشفى و بدأت حالته تتحسن ، وأنا الازمة ، لم أتركه لحظة واحدة ، فى أول الأمر كانت عيناه تعاتبنى ، وكنت أعتذر ، أما بعد أن تحسن عادت لى نظرات حبه ، فحين أقبل وجنتيه ويديه ، يربت على رأسى ، وأخيرا نفض المرض عن قلبه ونهض ، كنت قد غفوت على كرسى بجانب سريره ، لم أشعر إلا بأنه يغطينى ويحتضننى ، تنفست حبه ،

قبل إعتذارى ، عدنا إلى بيتنا ، وفى عينى ندم على فعلتى ، ساعتها أدركت إنه لم يكن قيدى ، بل كان القلب الذى يحتوينى، ولا يهدأ أبدا إن غبت عنه ، يلاحقنى ، وعندما أعود يزفر فى وجهى قلقه فى ضيق وعنف ، كنت ساعتها أحزن ، الآن فهمت ، وندمت على سم تجرعته وجرعته له ، أنا له وبه ، فليغفر لى ما فعلت .

عدنا كما كنا حبيبين تملؤنا الأشواق والحنين ، نسعد بحياتنا ، وأمام عينى خطأى ، لا أغضب من قلقه على ، بل أصبحت أفسره كما رأيته وعشته ، أنا حبيبته وهو حبيبى .

لكن قلبى مازال يلومنى على فعلتى ، وينهرنى ماذا لو راح منك؟ كيف كنت ستعيشين ؟ ذنب لا يغتفر ، لن أسامح نفسى عليه طيلة حياتى، وكل همى أن أكفر عن هذا الذنب ، أعانقه وفى عينى دموع أخفيها ، وفى قلبى ألم أداويه . سأعوضه عن رحلتى بعمرى كله ، لن أغيب عنه أبدا ما حييت ، سأحتمل غضبه وضيقه منى لأنهما حب أكثر مما كنت احسبه .

شاهد أيضاً

“كمامة الأرض”.. كتبتها فاطمة محمد الراشدية

عدد المشاهدات = 13044  الأرض مريضة مصفرة والحال على شفا حفرة وكأن حروب مستعرة كورونا …

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: