الرئيسية / الثقافة والفنون / ثقافة وأدب / دراسة تحليلية من زاوية الحداثة للمجموعة القصصية “قبلة الوداع” للكاتبة منى حسين
غلاف قبلة الوداع

دراسة تحليلية من زاوية الحداثة للمجموعة القصصية “قبلة الوداع” للكاتبة منى حسين

= 3460


يقدمها الشاعر الناقد: سامي ناصف

….. توطئة…
إن وجود عناصر الحداثة ، أو العصرية في العمل الأدبي ،يعني أنه يتصف بخصائص تولدت عن النزعات الحديثة في الأدب .
ولقد شاع الرأي بأن حركة التحديث تهدف إلى قطع الصلة بين الماضي في الكتابة الأدبية ، وإلى البحث عن أشكال جديدة من التعبير في الأدب .
ولقد هاجم عدد من النقاد الغربيين من خلال رد الفعل لأدب القرن التاسع عشر ككتابات (ارنولد بينيت)و(جالزويرذي)،(ه‍. .ج. ويلز )وظهر هذا النقد في مقالات بعض المبدعين والنقاد مثل (إزرا باوند ،وفرچيناوولف ،وإليوت )تهاجم، الخلق الأدبي الذي لا يراعي الشكل الفني المفهوم الجميل ، وتطالب الكتاب بعدم الاستطراد الممل في الوصف الروائي أو القصصي، والاقتصاد في طول العمل الأدبي حسب مقتضيات الوحدة الجمالية والفنية للعمل .
ولم يقتصر الذم على الشكل الروائي أو القصصي فحسب ، بل امتد إلى المضمون أيضا، فتقول (فرچينيا وولف ) عن أعمال (جالزويرذى) :
إذ ترى أن الشكل التافة يقود هؤلاء الكتاب إلى مضمون أجوف وزائل يخلو من عناصر خلود الأدب :إنهم يكتبون عن أشياء غير مهمة ويهدرون الجهد والصنعة الفائقة ليجعلوا الأشياء التافهة والزائلة كما لو كانت حقيقة ودائمة .
ويؤكد هذا المعنى أن أهداف النزعة الجديدة هي الثورة على القديم ، من يعكس روح العدوانية على أدب هؤلاء الكتاب .
ولقد أصبحت القصة الحديثة لا تهتم بالبداية التقليدية ،فهي تدفع بالقاريء إلى الانغماس في التيار المتدفق عبر التجربة التي تحكيها القصة.
فلقد تجنب الأدباء القاصون استخدام الراوي شامل العلم الذي يتطفل على الأحداث ،واستخدموا مناهج سردية متنوعة ، تطرح وجهات نظر متعددة.
ونرى من خلال هذه المجموعة القصصية- ل منى حسين – نَفس الحداثة المطعمة بالعفوية في الكتابة والسرد وقطف الأحداث دون قصد إلا أنها تفرض نفسها على الكتابة لكونها تحمل حسا مرهفا ،وعينا فاحصة .
مدخل …
المجموعة القصصية المعنونة تحت اسم (قبلة الوداع ) .
أولا : اختارت الكاتبة جملة من العناوين لقصصها بين دفتي هذا الكتاب بمهارة رامزة أكثر من كونها كاشفة ،لتترك للقاريء الحكم المطلق ،وتعطيه خيط السرد ليجري هو فلا ينفك عن المتابعة إلا بعد الانتهاء من قراءة أي قصة .
فضمت هذه المجموعة ثماني عشرة قصة ،أغلبها تُوسم بالقصر ،والقليل منها يُوسم بالطول .
ذكاء الكاتبة ساقها إلى اختيار قصة (قبلة الوداع ) عنوانا للمجموعة ،وكان هذا العنوان عاملا مشتركا بين جميع القصص .
فوجع الوداع تيار ألمه مسيطر على الخط الدرامي لمعظم القصص.
عدد صفحات المجموعة تزيد عن المائة قليلا .

…رؤية تحليلية من زاوية الحداثة .
لقد نهجت -منى حسين – نهج المحدثين في الطريقة الكتابية ، ، ورصد الصراع ،مع عدم الاهتمام بوصف البطل ،ورصد شخصيته أوالتسول به عبر الأحداث لتلبسه حلة البطولة .
لكنها عمقت فكرة التحليل النفسي للقطات عابرة التقطتها ،لترصدها وتحللها ،ولا تقوم بدور المعالج ،أو المُصلح .مثل قصة (بائعة المناديل ) التي عالجها كثير من الكُتاب إلا أنها عالجتها معالجة أخرى وتقديما أليق ،لا لتثير الشفقة ،بل تجعلها ترسا من تروس الحياة .
وقصة (عودي هاميس )والشخصية الأسطورية التي تمت معالجتها كثيرا، عَبْر الكتابة ،والسينما ،لكنها استلهمت من هذه الشخصية رمزية تشبع بها تجربتها .
وكذلك قصة (سيدة النادي ) والشخصية التي يتبادر إلى الذهن بالحكمة والمقدرة ،لكنها فتحت من خلال الرصد الآني لعوالم مجهولة مبهبة .
وقصة (أوتوستوب ) استعملت عينها الراصدة للأحداث حتي مع تبديل أرض الوطن بوطن أخر (الجزائر ) لترصد جانبا من جوانب الحياة عبر ،السفر، الطريق، الناس ،القلب.
وختمت المجموعة بقصة وَسَمَتْها بعنوان (هذه قصتي ) وكأنها تقول للقاريء إن كل قصة وقفتَ على عتبتها هي قصتي أنا ،فلا تُحَمِّلْني أوزار الأحداث وتصادم المواقف ،ولا تنصفني حال التصالح مع الذات ،دعني مبهمة .

…قبلة الوداع …
هذه القصة قدمتها -منى حسين -برشاقة أسلوبية ،وعمق تحليلي وتوحد في الذات الأخرى ونسج العالم الخاص بها بين أحضانه وقُبْلة الوداع التي أنستها ،انزل صدمة الفاجعة ونزول سيف الوداع ؛ أم أنهما مُنحا النجاة ؟،كل هذا لا يَعْنِيها ،بل الذي تقصده عالمها الأكبر بين أحضانه ،ونبعها الذي لا ينضب معينه -القبلة- تركت النهاية مفتوحة للقاريء يرصدها حسبما يرى ،وتلك حرفية ناجحة .

الحبكة والتكثيف وتحققهما .
لقد تحققا المبدأين ،حتي ظهرت أغلب القصص وكأنها قصيدة ،أو لوحة متناغمة ،وهما ،وفقدتهما في بعض القصص.

..استغناءات الكاتبة …
استغنت: عن الرصد الزمني للحدث.
استغنت :عن السردية المملة التي تكرر الحدث نفسه إلا في بعض قصصها وقعت في ذلك من خلال توضيح الموضح وذلك في قصة (رحيل البسمة )سقطت في هذا الخلل .
استغنت: عن البطل ورصد والخدمة له .

الكاتبة -منى حسين -بم اهتمت ؟
اهتمت: برصد الشعور الداخلي غير الواعي لمن يحمل الحدث .
اهتمت: بالأسطورة وحسن توظيفها في بعض قصصها.
اهتمت :بإحداث الحركة الفاعلة في مضمار الحدث من خلال رصد الأفعال المضارعة بين طيات أسلوبها لتمنحها الحركة والحيوية .

…ما عليها .
هناك بعض التراكيب الساذجة العفوية التي تعرت عن وهج إحساسها .
الإطالة في بعض القصص ،من خلال السرد كالجنة المزعومة ، رحيل البسمة ،عودي هاميس .
السقوط في دهاليز الركاكة الأسلوبية ،عند الاستشهاد بالشعر ففي قصة (رحيل البسمة)
انظروا إلى هذه التركيبة قبل الاستشهاد بالشعر ما بها من خلل فني قولها :
(لكنها تركت مملكتها -لي- ملاذا -لي – حين -الحنين- وحين- الحزن – والغضب .
تركيبة بها تنافر في الحروف وتكرار حرف الحاء في تركيبة واحدة ،ادى إلى تنافر شديد في الحروف ،التي وسمتها بالهشاشة .
وكان لزاما أن تنسب هذه الأبيات لقائلها .

أما دون ذلك ،فنحن أمام كاتبة مجيدة لديها معرفة بما تكتب.

شاهد أيضاً

“جزر منعزلة”…قصة قصيرة بقلم د. منى حسين

عدد المشاهدات = 7903  هكذا علمونا أن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة ، نبدأها …

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: