الرئيسية / منوعات / فكر وإبداع / ” الحب فى زمن الكورونا”..قصة قصيرة بقلم د. منى حسين

” الحب فى زمن الكورونا”..قصة قصيرة بقلم د. منى حسين

= 6955

 

د. منى حسين

حين التقينا ،كنت كترس في آلة ،يؤدي دوره في ماكينة أثناء تواجدي في عملي ، وعندما أعود لبيتى تتوقف الحياة ، فلا يسعدنى شىء ولا يؤلمنى آخر، فقد مللت الحياة التى أعيشها ، لا أعرف هل بالفعل أنا أحيا ، أم أننى مع الأموات ؟
وانا فى طريقى لبيتى ، قررت أن أشترى بعض الاحتياجات ، فدخلت السوبر ماركت ، توجهت إلى بعض الأرفف دون غيرها، لأنتقى بعض السلع ، لكننى لاحظت وجود رجل يلاحقنى بنظراته ، تجاهلته وأكملت اختيار ما احتاجه ، وبعدها ذهبت لأحاسب عليها .
إكتشفت أن محفظتى لسيت بحقيبتي ، فتوقفت ماذا أفعل الأن ، ففيها نقودى والفيزا كارد ، وجدته يقترب منى مبتسما ، قائلا : هل فقدت شيئا ؟ نظرت له نظرة غضب ، معناها وماذا يعنيك فى أمرى هذا ؟ لكنه ابتسم مد يده نحوى وأعطانى محفظتى ، تغيرت نظرتى من الضيق إلى الدهشة ، أين وجدتها ؟ قال : حين اخرجتى هاتفك من حقيبتك اخرجتى محفظتك ووضعتيها فى عربة البضائع ، وبعد وقت قصير سقطت من العربة ،
أنا تقريبا لا أذكر شيئا فغالبا ما تأخذنى مكالمات العمل فلا أركز فيما أفعل ، شكرته وحاسبت وخرجت من السوبر ماركت ، توجهت لسيارتى ، لكنه يوم المفاجآت ، عاندتنى ورفضت أن تدور ، فوجدته بجانبى يسألنى : هل لديكَ مشكلة ؟،
قلت له : إنها لا تدور ، ابتسم وقال لى : إفتحى كبوت السيارة ، وبعدها أشار لى أن أجرب ، فدارت ، ابتسمت ، فأشار لى وانصرف ، نزلت من سيارتى كى اشكره ، كان لطيفا وجهه بشوش ، الحقيقة أننى لا اعرف كيف سيطر على مشاعري ؟ لكنه حدث هذه إرادة الله .
اليوم اكتشفت أن بصدرى قلبا ، كيف نبض ؟ كنت أحسبه فارق الحياة ، اليوم ينبض لمن لا أعرفه ، ركبت سيارتى وتوجهت لبيتى ، صعدت لشقتى ، فهذا وقت راحتى ، التى أفصل فيها عن روتين العمل كى اعود لحياتى الخاصة ، لكنى على غير عادتى مازلت أفكر فى هذا الرجل الذى أدهشني .
مضت عدة أسابيع ومازالت هيئته عالقة بذهنى ، وفى صباح يوم عمل كنت أتوجه نحو سيارتى فوجدته أمامى ، كأننى وجدت ضالتى ، اقبلت عليه قائلة : صباح الخير ، رد علي سريعا ،شكرته ثانية عما فعله لى يوم إلتقيته ، إبتسم ، وقال : كيف حالك ؟ قلت أنا بخير .
قال : ماذا ضاع منك ثانية ؟
ابتسمت : أشياء كثيرة
قال : هل من الممكن أن أساعدك فى استردادها ؟
قلت : أكيد ، هل أنت ذاهب لعملك الآن
قال : نعم
قلت : هل تسكن هنا ؟
قال : نعم ، وأشار إلى الطابق الذى يسكن فيه
لم أنطق بكلمة واحدة ، إنه يسكن بالعمارة المقابلة لسكنى ، إنه جارى وأنا لا أعلم ، إنه يعرفنى ويعرف أين أسكن ، وأنا لا أعرف عنه أى شىء ، هل ساعدنى لأننى جارته أم ماذا ؟ صافحته وتوجهت لسيارتى ، انتظر حتى أشرت له وانصرفت ، لم يتحرك بسيارته إلا بعد أن تحركت بسيارتى .
تملكت الدهشة عقلي بما عرفته الآن ، هذه عادتى ضعيفة الملاحظة ، حين وصلت إلى عملى وجدته أمامى يتوجه نحو المصعد ، أشرت له ، هل تعمل هنا فى نفس الشركة التى أعمل بها ، قال : لا ، لكننى أتعامل معكم وقد أتممتِ لى العديد من العقود سابقا ،
أعتذر ، كثيرا ما أفعل هذا وأنسى ، ليصبح كل عميل عبارة عن ملف لدى ، ابتسم ، قلت : أنا منى ، ابتسم وأنا مجدى ، قلت :هل بامكانى مساعدتك ، كانت عيناه تقولان الكثير من الكلام ، لا أعلم هل هو سعيد أم يتفقدنى ، رافقته حيث يريد ودعوته لشرب فنجان من القهوة بمكتبى بعد أن ينهى مهمته ،
عندما دخل مكتبى نهضت وصافحته ، شعرت أنى أعرفه منذ زمن لا أعرف لماذا ؟ فقد ارتاحت يدى بين يديه ، كأننى كنت أبحث عنه سنوات طويلة ، الأن هو معى وبجانبى ، شرب قهوته وطلب منى أن ينصرف ، وقد طال حديثنا وعرفت منه أنه يعرف كل شىء تقريبا عنى لأنه جارى منذ فترة طويلة ، حتى من قبل أن يرحل والدى ويتركنى وحيدة .
كثيرا ما حاول لفت نظرى له ، لكننى كعادتى لا أنتبه إلا لطريقى فقط ، حكى لى كم مرة التقينا ولم أنظر له حتى ، كان يلتمس لى العذر لمرض والدى ولانشغالى الدائم ، كانه كان يعيش معى ، كيف لم أنتبه لوجوده من قبل .
لكن إن كان هذا فيما مضى ، الآن أنا من أريد معرفته والتقرب منه ، بحثت عن ملفه لدىّ فى الشركة ، وتأكدت مما ذكر لى من معلومات عن نفسه ، الحقيقة أننى تقريبا امضيت يومى معه ، حتى بعد أن انصرف ،فلم يغب عن عقلى أو عينى كأنى أراه .
انتهى يوم عملى وبالتالى حان موعد عودتى لبيتى ، حين وصلت وجدت سيارته فى المكان الذى كان به فى الصباح ، صعدت لشقتى وفتحت النافذة فوجدته يتحدث فى هاتفه ، إنه أمامى ، شعرت بالخجل فدخلت وأغلقت نافذتى .
كنت أرقبه كثيرا من خلف النافذة ، وبعد عدة أيام وجدته أمام سيارتى ، صافحته ، طلب منى أن نجلس معا لأن لديه ما يقوله لى ، برغم لهفتى لمعرفة ماذا يريد أن يقوله ، إلا أننى شعرت بالحرج من الموافقة لأول وهلة ، لكنى أرغب فى محادثته ، وافقت على استحياء .
ذهبنا إلى النادى ، جلسنا وتحدثنا ، وختم حديثه برغبته فى الارتباط بى ، كدت أعلن موافقتى له من أول لحظة ، لكننى انتظرت حتى ينتهى من حديثه ، كانت عيناى تعلن موافقتى ، فقلبى الذى نبض حين رأه ، لن يهدأ إلا بجواره ، فهم ما بعينى ، كانت سعادته تكاد تعانقنى ،
فى المساء هاتفنى ، كانت سعادتى تظهر من نبرة صوتى ، كأنى أحبه منذ أعوام ، شعر بهذا ، حتى ظننته سيخرج من شاشة هاتفى ، لا أعلم لمذا أحببته سريعا هكذا ،
فى الصباح كان فى انتظارى أمام سيارتى ، صافحته والابتسامة تملأ وجهى ، شعر بالإطمئنان ، وترجم هذا على أنه موافقة ، الحقيقة أنها كانت كما ظن ، لم يصبر ولاحقنى بسؤاله : متى سيتم زفافنا ؟ علت ضحكتى لأول مرة لا أعلم كيف ؟ كأنه بسؤاله ينتزع منى خجلى حتى أعلن موافقتى ، نظرت له نظرة تعنى لو كان من الممكن الآن لما ترددت لحظة .
لم يتركنى حتى أعلنت موافقتى ، مع إعطائى مهلة للاستعداد للزواج فقط أسابيع ، فاشار بأصابع يده ، أربعة أسابيع ، ضحكت ثانية ، كيف ؟ قال : لا أعلم ، الحقيقة أنه حلم عمرى أن أكون معه ، كنت أتعجل الأيام حتى جاء يوم زفافنا ، كأنه صعد بى إلى سماء لا تتسع لغيرنا ، كانت سعادتى به لا توصف ، وكنت أرى سعادته أيضا فى إبتسامته وفى همسته ،
مرت بنا الأيام والشهور والأعوام والسعادة تغمرنا ، ربما اغضب من عمل أو أى شىء آخر ، لكنه هو من يداوينى ويرضينى ، بين يديه أعود طفلة يرضيها حين يربت على كتفها أو يعانقها ، كأنه ازاح هما كاد يخنقنى ، حياتنا من أجمل أحلام عمرى ، هو نصفى الذى يكملنى ، به يكتمل وجودى .
منذ ايام لاحظت تغيرا طرأ عليه فلم يعد وجهه بشوشا كما اعتدته ، غابت إبتسامته ، تركته فترة كى يحاول حل مشكلته ، وبعد فترة حاولت أن اناقشه وافكر معه ، لكن رد فعله كان غريبا كاد ينهرنى ، صدمة المت بى ، منذ ان عرفته لم أرى منه مثل هذا التصرف ، كيف ولماذا ؟ لا أعلم ، هل هو غاضب منى ، حاولت استرجاع كل مواقفنا معا خلال الأيام الأخيرة ، لكنى لم أصل إلى شىء قد حدث منى ، ربما أغضبته أو ربما عمله، حاولت أن أسأله ، لكنه لم يقل شيئا .
فوجدت أنه يحتاج لفترة للتفكير ، لكن فى ماذا ؟ لا اعلم ، كادت حيرتى تقتلنى ، فأخبرته أننى سوف أذهب لشقتى إن كان غيابى عنه سوف يعطيه فرصة أكبر للتفكير فى حل مشلكته ، فوافق على الفور ، لم أفكر فى محاورته .
ذهبت إلى شقتى ، وفى الصباح ذهبت لعملى عقلى شارد ماذا حدث لمجدى ؟ عدة أيام كلما اقتربت منه يبتعد عنى ، أصبح صامتا ، كأننا غرباء ، وكلما سألته عن السبب يصمت ولا يرد ، ويبتعد أكثر وأكثر ،
هدانى تفكيرى للإتصال بشريكه فى العمل ومحاولة معرفة سبب حزنه ، قبل أن تمتد يدى للامساك بهاتفى ، وجدت مهدى صديق مجدى يتصل بى كى يطمئن على صحته ، فقلت : إنه لا يتحدث ، صمت لفترة وقال إنه أجرى فحوصا أثبتت إصابته بفيروس كورونا ، وشعر حينها أنها النهاية ،
حملت حقيبتى وهاتفى بيدى ، وخرجت من مكتبى مهرولة على السلم لم أنتظر المصعد ، ليس لدى وقت ، حبيبى مريض ولن يرعاه غيرى ،
عدت إلى بيتنا الذى شهد حبنا وسعادتنا والذى صمت إلا من أنين مجدى وحيدا ، فتحت الباب ودخلت ، كان مجدى ممداً على فراشنا ، اتصلت بالطبيب وشرحت له حالة مجدى ، حضر مسرعا ، وأحضر معه بعض العلاجات التى تساعده ونصحنى ببعض الإجراءات التى يجب ان اتبعها حتى يتماثل للشفاء ،
عندما فتح مجدى عينيه ووجدنى أمامه ، قال لى : لماذا عدتِ ؟ قلت له : لأننا كما عشنا معا إما أن نكمل معاً او نرحل معا ،لم تكن لى حياة قبلك ، أنت من وهبتنى الحياة ، فحياتى لك ، واقتربت منه وعانقته ، أصبح بيتنا حجرا صحيا لى وله ، كلانا يرعى الاخر ، حتى نفضنا الكورونا من صدورنا ، وتنفسنا الحياة والحب من جديد .

شاهد أيضاً

“كان حبيبي يومًا ما”…قصة قصيرة بقلم د. منى حسين

عدد المشاهدات = 7303  اليوم نلتقي، سنوات ضيعتها بعنادي وهروبي بلا عذر، أُسرع الأيام يومًا …

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: