الرئيسية / منوعات / فكر وإبداع / “نشكركم على حسن تعاونكم معنا”…قصة قصيرة بقلم د. منى حسين
رن جرس الهاتف

“نشكركم على حسن تعاونكم معنا”…قصة قصيرة بقلم د. منى حسين

= 5362
د. منى حسين
د. منى حسين

حين نلتقى ويسود بيننا وفاق ، نتحاور ونتشاور ليكون للرأى صدى كأنه بإتفاق ، تتقارب القلوب وتبدأ بالإشتياق ، لسماع صوت أو حوار كأننا بسباق ، إلى أن نجد نصفنا الآخر ، ونأمل فى بداية حياة .

كل منا يفكر بطريقته ، لكل منا حلمه ، يرسمه ويطمح فى تحقيقه ، هكذا إلتقينا أنا ومهدى فى سمينار ” عن الهوية ” وكيفية المحافظة على هويتنا ، وطربت لسماع أرائه ، وكأنه قبل أن يخاطب الحضور ، خاطب عقلى ، وإستمال قلبى ، لكنى فى الغالب اسارع الخطى بعيدا عن الآخر ، فقلبى لا يحتمل التجارب ، فى الهجر واللقاء ، وكنت قد تحدثت قبله وتناقشت فى ورقة قدمتها .

وبالفعل قبل نهاية السمينار بعدة دقائق ، حملت حقيبتى وإتجهت نحو الباب ، فنهض وكأنه فى سباق معى نحو الباب ، وبدأ وكأنه وجد ضالته ، ولن يتركها أبدا لترحل ، أنا من حلم بها والتقاها صوتا وصورة ، والآن أنا أمامه ، كيف يفرط فى ؟ ، بدأ حواره معى عن عملى ، وعيناه تدقق فى يداى ، وفهمت أن نظرته تبحث عن أى رمز يدل على إرتباط ، ويتفحص ملامحى ، وكأنه يعرفنى منذ زمن .

شعرت بالخجل ، وإحمرت وجنتى ، حاولت الفرار ، لكنه إستوقفنى ، وأعطانى كارت يحمل معلومات عنه ، وطلب منى أن أهاتفه ، لكنى سارعت فى المغادرة ، ولم أعطه ما ينم عن هويتى ، سوى أننى كنت ألبس بطاقة السمينار وبها إسمى ، ” د.ماهى مهران ” ، إستأذنته لإرتباطى بموعد ، وغادرت القاعة.

وتوجهت إلى منزل صديقة لى ، كانت قد أحضرت لى عريسا ، صديق لزوجها ، وما أن دخلت ورأيته كدت أن أعود بظهرى ، لا لم تعطِ نظرتى الأولى له أى قبول ، فهو قصير القامة ، جاحظ العينين ، أسمر البشرة ،
نظرت لصديقتى ، وفهمت ما أردت قوله ، وما هى إلا عشر دقائق ، لم يسكت الآخر فيها عن الكلام ، ليته ما تحدث ، فكلماته سوقية ، ونبرة صوته مؤلمة لمثلى ، اكتفيت بما سمعت ، وإستأذنت صديقتى وإنصرفت .

عدت لبيتى ، أفكر فى هذا الشخص ، وفى طريقة كلامه ، أضحك تارة ، وأغضب من صديقتى تارة ، لم أحضرت مثله لى ، هى تعرفنى جيدا ، فأنا لى مواصفات في من أعرفهم ، أولها طريقة الكلام ، وثانيها تنسيق الألوان فى الملابس التى يرتديها ، ولا أنسى ملامح وجهه ، لا أريده “يوسف ” ، لكنى لن أقبله حبشيا .

وما هى إلا دقائق واتصلت بى صديقتى ، تعتذر عن إحضار زوجها لهذا الشخص ، لعرضه على ، ما أن رأته كادت تتصل بى ، لتقول لى لا تحضرى ، لكن زوجها منعها ، ربما أقبله ، ولم تسكت صديقتى حتى أخبرتها أننى لست غاضبة منها ، لكنى أوصيتها ألا تكررها ثانية .

أكملت يومى كما إعتدته ، شاهدت التلفاز ، وبعدها ذهبت لفراشى ربما أنام ، وما هى إلا دقائق ، رايتنى فى مروج خضراء ، بديعة فى بهائها ، أرتدى فستانا ناصع البياض ، كعروس فى ليلة زفافها ، مرحت ولعبت ، لكنى شعرت أننى لا أعرف طريق العودة ، فاحسست بالقلق يراودنى ، إلى أن جائنى شاب جميل الملامح مبتسما ، وإقترب منى ليرشدنى إلى طريق العودة ، وكان حريصا على أن يمسك يدى .

شعرت معه بالآمان ، وإستيقظت وقسمات وجهى ترتسم عليها بسمة ، كان حلم بالجنة ،ومن هذا الذى صحبنى ؟ وبعدها رحت فى نوم عميق ثانية ، واستيقظت مبكرا كعادتى لأذهب لعملى ، وإعد تقريرا عن السمينار الذى حضرته ،
كعادتى كنت فى مكتبى قبل العاشرة صباحا ، وفى ميعاد خروجى من العمل ، قررت أن أشترى بعض الملابس ، لحضور عدة مناسبات ” عيد ميلاد وخطوبة وزفاف ….” .

وفى أثناء سيرى بشارع إبراهيم اللقانى بمصر الجديدة ، استوقفنى رجل لا أعرفه ، لكنى سمعت صوته من قبل ، وطريقة كلامه أعرفها ، نعم إنه د. مهدى ، الذى كان يتحدث فى سمينار الأمس .

كيف حالك يا دكتورة ؟
بخير
وحضرتك
بخير أيضا
ماذا تفعلين هنا ؟
أتسوق

وحاولت الفرار منه ، والرد على أسئلته بردود مختصرة ، ماذا أفعل ، نعم إنه إنسان راقى ومحترم ، وأنه وإنه إلى أن تذكرت حلم الأمس ، إنه هو الذى ساعدنى حين تهت عن الطريق ، وكيف كان يصطحبنى فى الحلم ، فتغيرت ملامحى ، لكن كيف أخبره عن حلمى ؟ إنها أضغاث أحلام ، حييته وغادرت ، لأشترى ما خرجت لشرائه .

وعدت لبيتى بعد أن تناولت غدائى بأحد المطاعم ، وكنت أبحث عن فراشى ، أحتاج قسطا من الراحة والنوم ، لم أشعر بما حولى إلا بسماع رنين هاتفى ، إنه رقم لا أعرفه ،
من حضرتك ؟
أنا دكتور مهدى
أهلا يا دكتور
هل كنت نائمة؟
نعم
أعتذر ، سأهاتفك لاحقا ، فقط كنت أريد أن أطمئن عليك
أشكرك يا دكتور
وكعادتى سجلت رقمه ، إن أردت مهاتفته طلبته ، وإن لم أرد لن أجيب عليه ، واستكملت نومى ، وراودنى نفس الحلم ، لكنى هذه المرة كنت أعرفه ، فإبتسمت له ، وبدأ حواره معى فى هذه المروج ، تمنيت ساعتها ألا أفيق ،
وحين استيقظت ، وجدت رسالة على هاتفى منه ، يتمنى أن أكون وفقت فى شراء ما احتاجه ، ومرت عدة أيام لا تتجاوز الأسبوع ، وفى أثناء وجودى بعملى ، وجدته يدخل على فى مكتبى ، حيث كان فى زيارة لصديق له ، ولمحنى أثناء مروره بالممر المقابل لمكتبى ، رحبت به ودعوته للجلوس ، فأخبرنى أن لديه موعد فى مركز البحوث وإنصرف.

وفى المساء رن هاتفى ، ووجدته هو من يطلبنى ، ترددت فى الإجابة ، لكنى رددت ، بدأ بالإطراء على وعلى ملابسى التى كنت أرتديها ، وعذوبة صوتى ، وأنا أسمعه دون تعليق ، فقط كنت أسترجع حلمى معه فى المروج الخضراء .

وسألنى عن عملى وهل أنا مرتاحة به ، فأجبته نعم ، وناشدنى أن أحدثه حين أحتاج إليه ،وهو سوف يساعدنى ، وطوال حديثنا ، يمر أمامى شريط حلمى معه ، وأنهينا المكالمة ، ورحت فى نوم عميق ، ورأيت نفسى فى حلم أخر معه ، نسكن بيتا يشبه القصر ، وحولنا ما يشبه الجنة ، فإستبشرت خيرا ،
وبعد يومين جاء لزيارتى بمكتبى ، فإبتسمت ورحبت به ، وكان يحدثنى وأنا مازلت فى حلمى ،وبادرنى بسؤاله ، هل أنا مرتبطة؟ ، فأشرت لأصابعى ، وقلت : لا
فضحك وقال : هل تقبلينى زوجا لك ؟
أحسست أن صدرى لا يتسع لسعادتى ، لقد فسر حلمى بطلبه هذا ، وابتسمت على إستحياء ، وما هى ظروف حضرتك ؟ أنا أعزب ولم يسبق لى الزواج ، وكنت أبحث عن زوجة مناسبة بمواصفات معينة ، وعندما رأيتك ، أحسست أنى وجدتها ، وقد تقابلنا عدة مرات وتحدثنا ، وفى كل مرة أشعر أنها انتِ التى تمنيتها وكنت أبحث عنها .

فإتفقنا على خطبة لوقت قصير ، وبعدها نعد منزل الزوجية ، الذى يملكه ، عشت معه صباح مساء ، يهاتفنى ونلتقى ، وكنا نتعجل الأيام كى يجمعنا بيتنا ،
لكنه فى إحدى المرات ،أخبرنى أنه كان قد خطب فتاة قبلى ، وكان يحبها ، وبعد فترة تركته ، وتزوجت بآخر ، فسألته عن السبب ، لكنه لم يرد .

بت ليلتى أفكر لم هجرته ؟ ، لم إبتعدت عنه ؟ ، أنا أراه مثقفا وذكيا ومهذبا ، وأصبح شغلى الشاغل أن ألتقى بخطيبته السابقة ، لأعرف لم تركته ، وبالفعل عرفت أنها كانت زميلته ، إتصلت بها ، وطلبت منها أن نلتقى ، وإتفقنا أن نلتقى بنادى الشمس ، فهو قريب من بيتى ، تعرفت عليها ، وعرفتها بنفسى ، وبأننى سوف أتزوج دكتور مهدى ، وسألتها لم انفصلتما ، قالت إنه لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا ويتدخل بها ، ويفرض رأيه حتى لو خطأ ، حاولت كثيرا معه أن أقنعه بالعديد من الموضوعات ، لكن رأيه هو الصواب ، ولا يسمح حتى بالمناقشة ، يحلل لنفسه كل شىء ، ويحرمه على ، حتى ضقت به وتركته .

وكنت أنصت لكلامها وأتفهمه ، بل وأقيسه على ما يفعله معى ، فى إنتقاء أثاث بيتنا ، وحتى فى إختيار ملابسى ، تحملت كثيرا تدخلاته ، مع تعقيب بالرفض ، لكنه صاحب الرأى الأوحد ، سألته لم إفترقت عن خطيبتك السابقة ؟
قال : إنها عنيدة ، لا تسمع كلامى ،
قلت : فى ماذا ؟
سألنى : وماذا يعنيك من هذا الحوار ؟
تغيرت ملامحه وكأنه خلع قناعا كان يرتديه ، حتى نبرة صوته اختلفت ، كأنى لم أسمع هذا الصوت من قبل ، ليس هو ، ليس هو من إقتربت منه ، وماهى إلا أسابيع وأزف إليه ، ونصبح زوجين .

لم أسكت وألححت عليه فى العديد من الأسئلة ، والموضوعات ، فكانت ردوده سوقية ، ورماها بألفاظ نابية ، تعجبت ، من هذا الذى يحدثنى ، لا ليس الدكتور مهدى ، بل هو أكبر ممثل عرفته فى حياتى ، يستحق الأوسكار ، على تمثيله على طوال هذه الفترة ،
القرار بالإنفصال لا يحتاج لتفكير ، خلعت دبلته وخاتمه السوليتير من إصبعى ، ووضعتهما فى علبة ، وأعطيتها له ،
وشكرته على حسن تعاونه معى ، لقد خلع القناع مبكرا ، خيرا من أن نقترن ، ويصعب إتخاذ القرار ، وحمدت ربى أن كشفه لى ، وتأكدت أن أحلامى معه هى أضغاث أحلام.

 

شاهد أيضاً

“ستكتب قصتي يوما”…قصيدة للشاعرة سميرة الجابري

عدد المشاهدات = 2887 راحلة في أوج اشتداد.. العاصفة.. راحلة بلا وداع .. ودموعها خانقة.. …

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: