الرئيسية / الثقافة والفنون / ثقافة وأدب / “جزر منعزلة”…قصة قصيرة بقلم د. منى حسين

“جزر منعزلة”…قصة قصيرة بقلم د. منى حسين

= 25809

 

د. منى حسين

هكذا علمونا أن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة ، نبدأها دون إرادة منا ، ونرحل عنها دون إرادة منا ، وفيما بين البداية والنهاية طريق طويل نسلكه ، يوم برضا وآخر بألم .

عرفته طبيبا متميزا ، وهى طبيبة مازالت فى بداية حياتها العملية ، حين أحس برغبته فى الزواج لم ير أجمل منها فى بنات الجيران ، فتقدم لخطبتها ، وكان يرى أنها مناسبة له ، خاصة أنها تعمل فى نفس تخصصه ، ورأى فى وجهها ووجه أهلها علامة الرضا ، وتمت الخطبة ، وبعد شهور قليلة تم الزفاف .

وكانا يحسدان على هذه الزيجة ، ورزقا بإبن أصبح قرة عيونهما ، لكن طموح الزوج كان أكثر مما حققه ، فقرر السفر للخارج ، وكانت وجهته الإمارات ، أعد أوراق السفر بعد أن أتم عقد العمل . وسافر وهو يطمح فى سعة الرزق ، وبالفعل رأى أن ساعات عمله فى بلده لو عملها فى الإمارات سيحصل على عشرات الأضعاف من الأجر ، لكنه يفتقد شريكة حياته وإبنه ، فأعد مسكنا يليق بأسرته ، وبالفعل أعد أوراق إستقدام زوجته وإبنه ، وضم بيته أسرته كاملة .
كان يعمل ما يزيد على إثنتى عشرة ساعة فى اليوم ، وبعد شهور رزقا بإبن ثان ، وكانت زوجته قد إلتحقت بعمل فى مستشفى قريب من بيتها ، وقد استعانت بمربية فلبينية مقيمة للإعتناء بأبنائها ، وبعد سنتين رزقت بإبن ثالث دون تخطيط منها ، وسارت بهما الحياة ، زوج ناجح متميز خلوق ، يفعل ما بوسعه لتوفير احتياجات أسرته .

أما الزوجة فتذهب لعملها بعد أن يذهب أبناؤها للمدرسة وتعود فى الثانية بعد الظهر ، مرت السنوات وهما على هذا الحال ، إلى أن إلتقت بزميل دراسة لها فى إحدى المولات التجارية فى دبى ، وبدأ يسأل عن حياتها ، فحكت له عن أسرتها ، وتبادلا أرقام هواتفهما ، كى يطمئن عليها ، وإن وجد لها فرصة عمل أفضل سوف يخبرها ، وسوف يدعمها حتى تستكمل دراستها العليا ، وتحصل على الدكتوراه كما كانت تتمنى فى سنوات دراستها الجامعية ، وتنازلت عنه بعد زواجها وإنجابها أطفالها .

لا تعرف ماذا حدث لها من هذا اللقاء ، فقد زاد حماسها ، ستفعلها ، ستعود للدراسة من جديد ، ستحقق حلمها الذى غاب عنها عدة سنوات ، عاد لها الأمل من جديد .

عادت إلى بيتها لتروى لزوجها ، من قابلت ، وأين يعمل الآن ، وأنها تفكر جديا فى استكمال دراستها العليا ، إنتظرته لكنه كالعادة تأخر ، فغلبها النوم ، بعد ان ذاكرت لأبنائها ، وإطمأنت عليهم .
وفى اليوم التالى تكرر نفس السيناريو ، لكنها وجدت زميلها ماجد يتصل بها ، ويطمئن عليها ، فهو زميل الدراسة ، ويذكرها بضرورة السعى نحو تحقيق حلم الأمس ، حاولت إخبار زوجها عبر الهاتف عن نيتها للعودة للدراسة ، لكنه دائما مشغول ، وفى نهاية الأسبوع جلست مع زوجها تحدثه ، وكلما بدأت الحديث ينشغل عنها بالرد على الهاتف ، أعادت حديثها مرارا ، وفى نهاية الجلسة لم تصل إلى شىء ، فأظهرت ضيقها ، لكنه على الرغم من عدم تفهمه لما قالت ، أجابها إفعلى ما تريدين .
وكان ماجد كل يوم يتصل بها ليسألها عن قرارها بشأن الجامعة ، ويحيى ما بها من شجون الأنثى ، فأخبرها أنها لم تتغير ، فهى مازالت الجميلة والرشيقة ، كعهده بها ، إنها حلم أى رجل يبحث عن امرأة تشاركه حياته ، ويبدى إعجابه بملابسها ، ويدغدغ مشاعرها بكلمات تهفو آذان أى امرأة لسماعها ، وقد اعتادت على سماع صوته ، وأصبحت ترى أنه يعيش معها أكثر من زوجها .

فهو من يلاحقها بمكالماته ، ورسائله على الواتس آب ، والفيس بوك ، لقد حاصرها ، وفى إحدى مكالماته ، أخبرها أنه سيسافر إلى القاهرة لحضور مؤتمر علمى ، ودعاها للسفر معه ليساعدها فى تقديم أوراقها للجامعة ، للتسجيل لدرجة الماجستير ، فأخبرت زوجها أنها ستسافر بصحبة زميلها كى يوجهها للإجراءات التى ستقوم بها ، ووافق .

سافرت إلى القاهرة بصحبة دكتور ماجد الذى تفنن فى القيام بدور الجنتل مان ، فلم تشعر بعناء السفر ، فقد كان رجلها وخادمها طوال الرحلة ، حتى وصلت إلى بيتها وإنصرف ، وفى المساء هاتفها ليطمئن عليها ، ودعاها لحضور المؤتمر فى الصباح ، فسوف يلتقى بعدد كبير من الأساتذة ، وبإمكانهم مساعدتها وتوجيهها ، وربما الإشراف على رسالتها فى الماجستير ، أما زوجها فدائما مشغول ، لم يتصل بها .

وفى الصباح الباكر كانت مستعدة ، وهاتفها ماجد ليقول لها إنه سيكون أمام بيتها بعد عشر دقائق ليصحبها للمؤتمر الذى سيعقد فى فندق بعيد ، ربما لا تعرف كيفية الوصول إليه ، وبالفعل وصلا معا ، وكانت فى يده كطفلة ، إن تحدث مع هذا كانت بجانبه ، وإن جلس هنا كانت معه ، إلتقت عددا كبيرا من زميلات وزملاء الدراسة ، أحست أنها عادت للحياة ، ورأت أن سنواتها مع زوجها كانت عزلة عن العالم ، فقد أصبحت تدور فى عالم مغلق عليها وعلى أولادها وعملها ، فى غياب زوج لا تكاد تراه إلا فى الفراش ،وقد أحكم الظلام على غرفة نومها .

ربما أحبته فى بداية حياتهما الزوجية ، و ربما فرحت بإقترانها به منذ حوالى الخمسة عشر عاما ، لكن حياتهما فى الغربة بنت بينهما جدارا ، فى كل وقت احتاجته نادرا ما كان يجيب علي مكالمتها ، وإن مرت أهم المناسبات فى حياتها الخاصة أو حياتهما معا لايتذكرها ، فقد وضعها على قضبان قطار ، وسعد بنجاحها واستمرارها فى إدارة بيتها ورعاية أبنائها .

لوهلة سرحت فى علاقتها بزوجها ، فبدا على وجهها علامات الحزن ، لاحظها ماجد ، ونبهها يا دكتورة منى تعالى هناك جلسة مهمة ، ربما تفيدك فى بحثك فى الماجستير ، وإنطلق بها إلى القاعة لمتابعة أهم البحوث وأوراق العمل .

عاشت يوما بث فيها الروح والأمل فى الحياة ، شعرت أنها تخلصت من قضبانها ونزلت عنها ، لم تعد الحياة فقط مال ورفاهية حياة ، لكنها أيضا رفقة رجل يحاوطها ويصحبها ويضعها كزهرة على صدره ، يتباهى بها ، وفى عيون الآخرين تساؤلات يجيب عنها بإبتسامة ، وببحثه عن من يساعدها ويوجهها فى بحثها العلمى .

شعرت بسعادة إفتقدتها كثيرا ، عادت ثانية إلى حياتها التى فارقتها بغربتها عن وطنها ، وعن عالم البحث العلمى الذى كانت جزءا منه ، وأصبحت طبيبة مغتربة وراعية لأبناء ومسئولة عن منزل ، فى غياب زوج يعمل أطول فترة ممكنة ليوفر لها ولأبنائها الرفاهية ، لتعيش دونه طوال اليوم .

بعد إنتهاء اليوم الأول من المؤتمر ، أعادها ماجد إلى بيتها ، وكانت قد إتصلت بأمها وأخوتها ،وأمضت مساءها وسهرتها مع أسرتها الكبيرة ، التى ربتها وبنتها حجرا حجرا إلى ان تخرجت من الجامعة ، وبعدها زوجوها لمهدى ، الذى إنتزعها من حياتها كما تنتزع الشجرة من أرضها ، حتى لو زرعوها فى أخصب الأراضى لن تعود كما كانت ، وربما تموت .

وفى الصباح جاء ماجد ليصحبها إلى الجامعة لتسأل عن الأوراق المطلوبة ، وكيفية التقديم ، وهى تتبعه كإبنته ، ولم يتركها إلا بعد أن أعدت الأوراق المطلوبة ، وقدمت أوراقها ، وبعدها إصطحبها إلى فندق شيراتون لتناول الغداء ، ثم أعادها إلى بيتها ، مؤكدا على ضرورة حضورها اليوم الأخير من المؤتمر ، كى تحدد موعدا لتسجيل موضوع الماجستير ، ليشجعها كى تعد موضوعها ، الذى ربما يطرحه ماجد أو أحد زملائه من الجامعة عليها ، وأمضت يومها هناك ، وأعادها ماجد إلى بيتها ، وأمضت يومها الأخير مع أسرتها ، واشترت بعض الأشياء التى طلبها أبناؤها .

وفى الصباح ودعت أمها وأباها وأخواتها ليصحبها أخوها إلى المطار ، وصعدت الطائرة ، وكان ماجد معها على نفس الطائرة ، وصلت إلى مطار دبى ، وكعادته كان زوجها مشغولا وربما نسى ميعاد وصولها ، فإصطحبها ماجد وأوصلها إلى بيتها ، ووجدته خاويا ، باردا كالثلج ، بلا أبناء بلا زوج ، حتى مربيتهم ربما ذهبت لشراء احتياجات المنزل .

خلعت ملابسها وبدأت فى فتح حقائب سفرها ، وما هى إلا ساعة وعادت الخادمة ورحبت بها وبعودتها لمنزلها ، وبدأت فى إعداد الغداء ، وبعد ساعتين حضر أبناؤها من مدارسهم ، أقبلوا عليها حين وجدوا ما أحضرته لهم ، قبلوها وارتموا على صدرها ، ضمتهم الثلاثة واصطحبتهم إلى فراشها فى عناق استمر طويلا ، حتى كادوا ينامون ، ولم يفيقهم جميعا إلا طرقات الخادمة على باب غرفتها ، لقد أعدت الغداء لهم .

تناولوا الغداء وبدأت تساعد أبناءها فى مذاكرتهم ، ومضت ساعات على هذا الحال ، إلى أن غلبها النوم هى وأولادها ، وراحت فى نوم عميق ، إلى أن إستيقظت فى التاسعة صباحا ، فلم تجد زوجها بجانبها ، إرتدت ملابسها لتذهب لعملها .

وعندما وصلت إلى عملها وجدت ماجد يتصل بها ، ليحمسها على إنجاز خطة بحثها ، ويسألها عن أبنائها ، أحست أنه يفتقدها ، نبرة صوته تنبىء بذلك ، لا يعلم أنها لم تر زوجها منذ عودتها ، أنهت عملها وعادت إلى بيتها ، ومر يومها كباقى أيامها ، لكنها شعرت بيدى زوجها تحاوطها فى ظلام حجرتها الحالك ، فلم تلتفت إليه .

عندما إستيقظت فى الصباح الباكر ، وجدت زوجها لم يغادر بعد لعمله ، أخبرته عن رحلتها وعن المطلوب للإلتحاق بالدراسات العليا بالجامعة ، سمعها وهو يتناول افطاره وإنصرف لعمله ، قتل فرحتها برحلتها وخطتها للمستقبل ، لم يشعرها أن البيت دونها كان خاويا ، لم يشعرها أنه إفتقدها ، تبلدت مشاعره ، حتى فترت مشاعرها مثله ، فلم يعد يعنيها وجوده أو غيابه ، فهما مازالا فى فترة شبابهما لكنهما يشعران أنهما هرما ، فليس لديهما وقت لتبادل المشاعر والأحاسيس ، متى سيعيشانها ، هى حياة فقط ، تأدية أدوار ، هو يعمل وينفق وهى تربى الأبناء ، وماذا بعد أن يكبر الأبناء ، هل سيكون لديهما من العواطف ما يتبادلانه معا ، أم ستجف وتموت لأنها لم تروى خلال فترة شبابهما ، لم يصنعا معا ذكريات يحيان بها ، وتعيدهما حين يختلفان ،
“وإن كانت الحياة كذلك ، الهدف منها أن ننجب ونربى ليذهب الأبناء كل إلى حياته ، فأين حياتنا نحن ؟ حرمنا أنفسنا منها لنربى ، ونعيش مع أزواج أصبحنا معا غرباء فى بيت واحد من الآن ، لأن الفجوة بيننا كل يوم تتسع أكثر وأكثر ، نسى أنها فى غربة بعيدة عن حنان أمها وحنو أبيها ومصاحبة إخوتها ، صمتت كثيرا وتحملت أكثر على أمل التغيير” كل هذا دار فى عقلها .

على العكس منه كان ماجد يلاحقها بإتصالاته ، وبالتعبير عن إفتقاده لها ، ويؤكد أن رحلتهما معا كانت من أمتع الرحلات فى حياته ، ويتعجلها فى رحلة مماثلة ليعاونها فى بدء رحلتها العلمية ، أصبح ماجد هو جليسها ، وصوته يكاد لا يفارقها فى بيتها وفى عملها ، وأثناء تسوقها كثيرا ما يكون بصحبتها ، ألفته نفسها ، وإعتادت وجوده فى حياتها ، بعدت كثيرا عن مهدى ، فلم يعد غيابه أو حضوره يعنيها ، وهو كما هو لا يغير حياته من أجل أحد هى أو أبنائه .

وبعد شهرين قررت السفر إلى القاهرة لعرض موضوع بحثها على الأساتذة الذين عرفها ماجد بهم ،والذين يعملون فى نفس تخصصها ، وغابت عن بيتها حوالى أسبوع ، حمدت الله على توفيقها فى رحلتها ، وعادت إلى بيتها وأبنائها ، ولم تعد تهتم ، هل عاد مهدى أم لم يعد ، فقد أصبحا جزيرتين منعزلتين فى بيت واحد .

كلاهما له طريق مواز لطريق الآخر ، بعدت المسافة بينهما أكثر وأكثر ، لكن ماجد كان يلاحقها أثناء رحلتها ، ويوجهها بماذا تفعل ، ويتصل بزملائه ليسهل مهمتها ، حتى أنها لم تكمل الإجراءات ، فكلف زميلا له بها .

الحق أنها لم تعد تكترث لا بقبول أو رفض مهدى لأى شىء ، فليقل ما يقول وليعلق وهى لا ترى لا تسمع ولا تتكلم ،فقد أصبح لها رفيق درب ، يهتم بها ويوجهها ، ويخفف عنها معاناتها ، يلاحقها كأنه يعيش معها ، كأنه مسئول عنها ، كأنها ابنته أو … لا يكاد عقلها يصدق ، كثيرا ما ألمح من بعيد عن حبه لها فى أيام دراستهما معا ، لكنها كانت تعتقد أن هذا أمر انتهى .

لكنه كان ينبش بداخلها عن قلب تبلد ودفن تحت الثرى ، وكأنه نار خامدة أراد أن يوقظها ، وهى تتجاهل كل محاولاته هذه ، لكنها تحتاجه كثيرا فى بحثها ، لكن رويدا رويدا بدأت تشعر أنها بحاجة ماسة إليه ، لقد أصبح مستشارها فى كل شىء .

أما مهدى فهو فى عالمه ، العمل الذى أنساه زوجته وأبناءه ، فقط أصبح ماكينة للنقود ، حين تحتاج شيئا تترك له ورقة بها احتياجات البيت والأبناء ، أو تحدد مبلغا من المال لتلبية هذه الاحتياجات .

مرت الشهور وهما على هذا الحال ، الزوج هو مهدى ، والرفيق هو ماجد ، لكنها لم تعد تحتمل ، لقد ضاقت بمهدى ، فطبيعة المرأة أنها لاتستطيع أن تعيش مع رجلين ، لكل منه دور غير طبيعة الرجل الذى يستطيع أن يعيش مع أكثر من امرأة ، فلها عملها الذى تنفق منه على نفسها وتدعم ميزانية بيتها ، فزوجها دائم الانشغال ، وإن خرجت بأبنائها للترفيه هى من تدفع ، وإن راق لأبنائها شىء إشترته ، ولا يعنيها إن كان هذا دور مهدى أو أنه سيخصص أى أموال لهذا الاحتياج .
وبعد تفكير طال بها ، قررت أن تخبر مهدى برغبتها فى الإنفصال عنه ، لكنه سألها مستنكرا لم؟ أخبرته أنها لن تستطيع أن تعيش بهذه الطريقة ، كراعية للمنزل ، تكاد تتساوى مع الخادمة الفلبينية ، صمت ، وأحس بإصرارها على هذا الطلب ، لكنه لم يعترف بتقصيره ، وكأى رجل شرقى ، فهو بلا عيوب ، هو نموذج للزوج المتفانى فى خدمة أسرته وفى عمله لتوفير كامل احتياجاتهم .

فالقى بالتهمة على زوجته وكال لها من التهم ، إلى أن إتهمها بأن علاقتها بماجد هى السبب فى هذا القرار ، حاولت الدفاع عن نفسها ، وأن علاقتها بماجد فقط فى أنه يساعدها فى تحقيق حلمها فى الجامعة ، والحصول على الماجستير ، ربما هو من يحبها ، أما هو فبالنسبة لها زميل دراسة ، لكنه يقف بجانبها لغياب زوجها عنها معظم الأوقات ، وهو يعلم أنها متزوجة ، ولم يفصح عن رغبة فى الارتباط بها .

لكن مهدى بيت النية لينتقم منها ، فأعد أوراق أبنائه ، وحصل على أجازة أسبوع ، وسافر بأبنائه إلى القاهرة ، وأودعهم عند والدته ، وأكمل إنتقامه بتطليقها غيابيا فى مصر ، كل هذا دون علمها .

عادت من عملها إلى بيتها ، فلم تجد أبناءها ، إنتظرت ولم يحضروا إتصلت بمهدى ، أجابها من بلد آخر ،
سألته : أين أنت ؟
أجابها : نحن فى القاهرة
وأين أبنائى
معى ،
متى ستعودون ؟
سأعود فى أخر الأسبوع
دعنى أحدث أبنائى
إنهم مع جدتهم

مر الأسبوع دون أن تحدث أبناءها ، وفى أخر الأسبوع عاد مهدى وحده ، سالته، أين الأولاد ؟ مع جدتهم ، لم ؟ لقد طلقتك ، إسودت الدنيا فى عينيها ، نعم لقد طلبت الطلاق ، أكان فى إنتظار هذا الإعلان عن رغبتها ؟ بقدر صدمتها لقراره ، إلا أنه دار بعقلها تساؤلات كثيرة ، ولكن أبناءها كيف سيحرمها منهم ؟
لملمت أهم حاجاتها وتركت البيت ، لم يعد بيتها ، وذهبت لزميلة لها لتقيم معها ، فهى تعيش بمفردها ، وبعد فترة إتصل بها ماجد ، وكانت فى حالة إنهيار ، لم تستطع الرد عليه ، أغلقت هاتفها ، وبعد يومين إتصل ماجد ثانية ، وكانت قد ذهبت لعملها ، ردت عليه ، لكنه أحس بمرارة فى صوتها ، وسألها لماذا لم تردى على الهاتف فى اليومين الماضيين ، أجابته إنها كانت فى مشكلة ما ، فألح فى معرفة السبب ، روت له ما حدث ، فطلب منها أن يراها فى المول فى المساء .

فى موعده المحدد وجدته فى إنتظارها ، وبدأ يسألها ، روت له ما حدث بالتفصيل ، وأن السبب الذى تذرع به هو شكه فى وجود علاقة بينها وبينه ، وأجابها وهل حدث منى ما يجعله يفعل هذا ؟ فأجابته : لا ، لكنه ربط بين طلبى فى الإنفصال عنه وحديثى معك ، فإعتذر بكل ما لديه من أعذار ، وعرض عليها الإرتباط ، لكنها أجابته إن هذا سيؤكد مزاعمه ، وخففت عنه إنه ليس السبب ، لكنه أوصاها إن إحتاجت شيئا لا تتردد ، وأنه سيلبى لها ما تحتاجه ، ووعدها أنه لن يتخلى عنها أبدا ، وسيساعدها فى طريقها العلمى ، كما كان .

وبالفعل لم يتخل عنها ، لكنها قررت أن تعيش كما اختارت ، فلها عملها ، وطريقها العلمى ، ما يؤلمها هو بعد أبنائها عنها ، وماذا قال والدهم عنها ، عندما يكبرون سيعلمون أن زوجها ظلمها ، حين أبعدها عنهم ، هل سيقولون إنها أحبت غيره ، هل كانت نزوة ؟ لم تتزوج ماجد ، لكنه لم يتخل عنها .

الآن هى فى طريقها الجديد وحياتها الجديدة ، لا تنكر أنها عادت لنفسها وأحست أنها حرة فى اختيار مساراتها ، لا يعنيها ماذا سيقولون عنها ، يكفيها أنها تحقق أهدافا تحددها ، وفى نفسها إيمان أكيد بأنها لم تقترف ذنبا وأن علاقتها بماجد كزميل قديم كما هى ، ربما يرفض مجتمعنا الشرقى الزمالة بين رجل وامرأة فى أى علاقة عمل ، أو حتى بحث علمى مشترك ، تمنت لو ولدت فى مجتمع يسمح بالعلاقات السوية بين الجنسين ، وإن تزوجا يعيشا معا ، لا كما نعيش نحن كجزر منعزلة فى بيت واحد .

 

شاهد أيضاً

قارّة الشعر…ونداءاته الخفيّة

عدد المشاهدات = 9562  بقلم: عبدالرزّاق الربيعي أكثر من مفارقة حصلت لي خلال إستضافة اتحاد …

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: